الجزيرة.نت - 4/25/2026 3:52:04 PM - GMT (+3 )
وها هي جولة أخرى من الحرب المدمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة أخرى، تضع أوزارها، كانت الأولى حرب الـ 12 يوما، وهذه الحرب التي امتدت لأسابيع، والنتيجة لا شيء.
فلكل فعل رد فعل، وكل الأهداف الأمريكية الإسرائيلية تقريبا لم تتحقق من هاتين الحربين المدمرتين، فالنظام الإيراني ما زال قائما، وقوته الصاروخية- وإن ضعفت- موجودة، كما أن مخزونه النووي المخصب أيضا ما زال موجودا.
بل وأكثر من ذلك فقد ازداد المشهد تعقيدا، حين أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، ثم وضعت رسوما على من يريد المرور من هذا الممر الإستراتيجي الحيوي، ما أوجد تلك الأزمة الخانقة الحالية في سوق النفط، وفي سلاسل التوريد على اختلافها، بما فيها الغذاء لدول الخليج العربي، بل وكل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.
ومقابل هذا الحصار الذي فرضته إيران، هناك حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية. فهل نحن في فصل من هذه الحرب عنوانه عض الأصابع؟ أم إن العقلانية تقتضي من أطراف الصراع أن يلجؤوا للحوار كبديل أسمى قادر على حل كافة الإشكاليات دونما مزيد من الدمار، ودونما مزيد من التوتر والقتل.
وأعتقد أن على الإدارة الأمريكية أن تنحو منحى واقعيا، فتطالب بما هو ممكن ومتاح: ضمانات حقيقية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومنعها من إيذاء جيرانها، وأن تسمح بانسياب حركة البضائع والسفن من هرمز بدون تعقيدات، وأن يبقى للشعب الإيراني الحق بالبقاء على نظامه أو تغييره دونما تدخل خارجي، وهي القاعدة التي يجب أن تحكم العلاقات الدولية.
وبالمقابل فإن على إيران أن تتوقف عن التدخل في دول الجوار، وعدم التأثير على سياساتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية، فالعراق على سبيل المثال يريد أن يصنع قراره المستقل وحده، وكذلك لبنان، وربما تلعب إيران دورا إيجابيا بدعم الجهود السعودية والعربية؛ لإيجاد حل للمسألة اليمنية، بحيث يُحافَظ على اليمن كبلد واحد موحد لكل شعبه، وفق نظام ديمقراطي متفق عليه بين اليمنيين.
إعلان
أعتقد أن الحوار إن سار على هذه القاعدة فالجميع سيكون منتصرا، لا غالب ولا مغلوب، فيعود الاستقرار والهدوء للمنطقة، ويرتاح العالم والمجتمع الدولي من هذا الصداع الدائم، الذي ما إن يهدأ حتى ينفجر مرة أخرى.
وأرى أن على الولايات المتحدة ألا تنجر إلى السياسة الإسرائيلية، فدولة مثل أمريكا هي قوة عظمى لها مصالح دولية وعلاقات إستراتيجية مع كثير من الدول، بل حتى يقال مجازا إن للولايات المتحدة حدودا مع كل دول العالم.
لذا على واشنطن وأمام مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية أن تضع إسرائيل في الخانة التي يجب أن تكون بها، وأن تخفف من غلواء أطماعها وطموحاتها غير المشروعة بالاعتداء والنهب وقضم الأراضي وما شابه، وبالتالي يجب تطبيق القرارات الدولية والخاصة بالقضية والدولة الفلسطينية، وما يتعلق بالقرارات التي اتخذت مؤخرا الخاصة بغزة والاستيطان، وغيرها من تجاوزات الدولة الصهيونية على القانون الدولي.
الحوار الفلسطيني- الفلسطيني
أحيانا أخالُ تيارا عريضا من الأشقاء الفلسطينيين وكأنهم من جماعة المرجئة، ذلك الفصيل الإسلامي السياسي الذي برز في العصر العباسي.
فالفلسطينيون صامدون رغم كل المآسي التي تمر بهم وتقع على رؤوسهم، والتي يسببها الاحتلال من إبادة جماعية ودمار في غزة والضفة الغربية، ورغبته غير المخفية بأن تكون الضفة الغربية بل وكل فلسطين التاريخية ملكا لهم كدولة يهودية. فالشعب الفلسطيني مهدد بالتهجير، أو التجويع أو القتل، كما قال أحد عتاتهم:" إن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت "، أو متطرف صهيوني آخر الذي قسم الفلسطينيين إلى فلسطيني يقبل أن يعيش في الدرجة الثانية أو الثالثة في المجتمع اليهودي، أو يغادر ويمكن تسهيل مهمته بذلك، أو يقتل، تلكم هي نظرتهم إلى الفلسطينيين.
وسؤالي لماذا يرجئون المصالحة، وعلى ماذا يختلفون إذا كان الجميع مستهدفا من الحركة الصهيونية؟ الأرض مستهدفة، وكل التيارات مستهدفة، لا فرق في الذهنية الصهيونية اليمينية المتشددة ما بين حماس، وفتح. ولنتذكر ما قاله أحدهم إن محمود عباس شخصية "إرهابية"!
لذا أعتقد أن على الأشقاء الفلسطينيين- وهذه دعوة تضاف إلى مئات الدعوات الرسمية والشعبية- أن يجلسوا على الطاولة على قاعدة اللقاء وليس على قاعدة خلق المزيد من نقاط الاختلاف.
وبعد.. ليس لديكم أيها الأشقاء الفلسطينيون ما تخسرونه، وبالتالي يمكن أن تربحوا عبر وحدتكم، بأن يكون هناك موقف فلسطيني موحد وإستراتيجية مرحلية تتعامل بجدية مع الاحتلال، ومع المتطلبات الوطنية للشعب الفلسطيني.
إن وحدتكم ووحدة مؤسساتكم، سوف تجعل العالم يأخذكم بجدية ويصبح الفلسطيني رقما صعبا في المعادلة كما كان في السابق، فمؤتمر السلام الذي دعا إليه الرئيس ترمب دُعيت له كل الدنيا باستثناء الفلسطينيين، وشُكلت لجان وحكومة مؤقتة سوف تدخل غزة، وغير ذلك، إلا أنه لم يأت أي ذكر لا على منظمة التحرير الفلسطينية، ولا على السلطة الفلسطينية، أو حماس، أو أي فصيل رئيسي من فصائل الشعب الفلسطيني.
إذًا ماذا ينتظر الفلسطينيون؟ أنا أعتقد – وهذه دعوة صادقة للرئيس عباس وقادة حماس- أن من الملح أن يبادروا إلى اجتماع ويضعوا الحد الأدنى للاتفاق، الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان، وهو مصلحة فلسطين وإخراجها من هذه المرحلة المعقدة التي تنبئ- إن بقيت على حالها- بأن يندثر المشروع الوطني الفلسطيني إلى عقود وآماد طويلة.
إعلان
لبنان
أبارك للشعب العربي اللبناني الصامد الحضاري المقاتل بعقد الهدنة، ولكننا نريد لهذه الهدنة أن تصبح وقفا دائما للحرب، وخوفي مثل خوف كل عربي يحب لبنان، كما يحب كل بقعة في هذا الوطن، من أن يؤدي الانقسام السياسي اللبناني الآن إلى أن يتجه الأمر من صراع لبناني- صهيوني، إلى صراع لبناني- لبناني.
فاللبنانيون اليوم فريقان، فريق ينتظر ما تفضي إليه أجندة اجتماعات إسلام آباد بين الأمريكيين والإيرانيين، وفريق آخر ينتظر اللقاء المهم للزعامة اللبنانية مع العدو الصهيوني، وما سوف يفضي إليه أيضا، وبين هذين الانتظارين، فرق كبير بين انتظار إسلام آباد، والسعي ربما إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مع بقاء حزب الله وسلاحه.
وأعتقد أن هذا أمر متعذر ولن يتم في تلك المفاوضات، وكذلك اجتماع البيت الأبيض، والذي لن يتمكن من سحب سلاح المقاومة، أو إخراج إسرائيل من منطقة جنوب الليطاني دون ثمن كبير.
أمام كل هذه الشبكة من الخيوط المعقدة في المشهد اللبناني فإنه لا يمكن لها أن تُحل، إلا عبر لقاء وحوار لبناني- لبناني، يضع مصلحة لبنان بين عينيه، فيجتمع كل الأفرقاء على قاعدة وحدة لبنان وسلامه وأمنه. وبالتالي دحر الاحتلال، وإعادة إعمار الجنوب، والإبقاء على لبنان بلد مشعل الحضارة كما هو دائما.
أرى أنها دعوة للأشقاء اللبنانيين ألا ينتظروا الآخر- مهما كان هذا الآخر- كي يقرر مصيرهم، فمصيرهم يجب أن يكون بين أيديهم، عبر حوار على قاعدة الوحدة، ولا يمنع أن يكون التمايز داخل إطار الوحدة، لكن داخل مؤسسات الشعب اللبناني الدستورية التي صيغت منذ الاستقلال.
هذه دعوة لحوار لبناني-لبناني، وهي ملحة لا تنتظر التأجيل؛ لأن التأجيل سوف يضع مصير لبنان والشعب اللبناني في أيدي الآخرين، وستكون الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها الاحتمالات السيئة.
والله ثم مصلحة العرب من وراء القصد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


