5 كائنات حية "تحدت" الموت في الفضاء
الجزيرة.نت -

Published On 25/4/2026

|

آخر تحديث: 14:31 (توقيت مكة)

بينما نعتبر الفضاء بيئة معادية تخلو من الأكسجين وتكتظ بالإشعاعات القاتلة، هناك "نخبة" من الكائنات الأرضية التي قررت ألا تستسلم. هؤلاء المسافرون الصغار لم يكتفوا بالبقاء، بل حولوا أجسادهم إلى مختبرات بيولوجية تتحدى الفيزياء.

في هذا التقرير، نستعرض 5 قصص مذهلة لكائنات خاضت رحلات "ذهاب وإياب" إلى الجحيم الكوني، لتعود إلينا بأسرار قد تغير مفهومنا عن منشأ الحياة في الكون.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
دب الماء.. رائد الفضاء الذي لا يُقهر

في سبتمبر/أيلول 2007، وضعت وكالة الفضاء الأوروبية آلافا من "دببة الماء" (Milnesium tardigradum) في مهمة "فوتون-م 3" (FOTON-M3)، في تجربة أطلق عليها اسم "تارديس 2007" (TARDIS 2007). ولم تكن هذه الكائنات داخل مقصورة محمية، بل عُرِّضت بشكل مباشر لفراغ الفضاء وللأشعة فوق البنفسجية الشمسية الحارقة.

دبّ الماء أظهر قدرته على البقاء في فراغ الفضاء والتعرض للأشعة فوق البنفسجية خلال تجربة عام 2007 (إيسا)

وكانت المفاجأة عند العودة؛ فبينما قضى الإشعاع على الأفراد التي لم تكن محمية بمرشحات معينة، نجت الغالبية العظمى من المجموعات التي واجهت الفراغ وحده.

فقد أثبتت التجربة أن هذا الكائن يستطيع تقليص نسبة الماء في جسده إلى 3% فقط، ليدخل في حالة سكون كيميائي حيوي تام، ما جعله أول حيوان متعدد الخلايا ينجو في "الفضاء المفتوح" بكل قسوته.

بكتيريا "كونان".. درع حي ضد الإشعاع

تُعدّ البكتيريا "المكورة الغريبة المقاومة للإشعاع" (Deinococcus radiodurans)، والمعروفة ببكتيريا "كونان"، بطلة المقاومة الإشعاعية.

ففي تجربة "تانبوبو" (Tanpopo) اليابانية التي بدأت عام 2015 واستمرت حتى 2018، وُضعت طبقات من هذه البكتيريا في كبسولات خارج محطة الفضاء الدولية.

بكتيريا "كونان" استعادت نشاطها بعد عام من تعرضها لمدار الأرض المنخفض خارج محطة الفضاء الدولية ضمن مهمة "تانبوبو" الفضائية (تاتيانا ميلوغيفيتش)

وكشفت النتائج المنشورة في عام 2020 أن المستعمرات التي بلغ سمكها مليمترا واحدا فقط صمدت لثلاث سنوات كاملة. ورغم موت الطبقة السطحية، فإنها ضحت بنفسها لتشكل "درعا واقيا" للأفراد في الطبقات العميقة، والتي استعادت نشاطها الحيوي فور عودتها إلى المختبر، مما يعزز فرضية قدرة الميكروبات على السفر بين الكواكب عبر النيازك.

الأشنات.. غزاة المريخ المحتملون

ليست الأشنات مجرد نباتات، بل هي نظام بيئي متكامل أثبت صلابة غير مسبوقة. ففي عام 2005، أُرسلت عينات من أشنات الخريطة (Rhizocarpon geographicum) في تجربة "لايف 2005" (LIFE 2005) إلى المدار لمدة 15 يوما في بيئة تحاكي الغلاف الجوي للمريخ (ضغط منخفض، وثاني أكسيد كربون، وفراغ تام، وإشعاع فوق بنفسجي هائل، وتقلبات حرارية كبيرة).

إعلان

والمذهل في هذه التجربة أن جميع الأفراد نجوا بنسبة 100%، ولم يتوقفوا عن التمثيل الضوئي فور استعادة الظروف الأرضية. ويكمن سر قوتها في أنها "كائن تكافلي"؛ فهي عبارة عن فطر يوفر الحماية والهيكل، وطحلب يوفر الغذاء عبر الضوء.

الأشنات مزيج من كائنين في كائن واحد؛ إذ توفّر الطحالب الغذاء للفطريات، بينما تمنح الفطريات الطحالب بيئة معيشية مريحة (إل سانشو)

وهذا الاتحاد هو ما يسمح لها بالبقاء في أماكن لا يمكن لأي نبات آخر العيش فيها، من جبال الهيمالايا المتجمدة إلى الفضاء الخارجي. وقد أكدت هذه التجربة أن الأشنات مرشحة فوق العادة لتكون أول كائنات "مستعمرة" يمكنها العيش على سطح المريخ دون الحاجة لبيوت زجاجية معقدة.

يرقات الهاموش.. النوم في قلب الصقيع

في واحدة من أطول التجارب الروسية على متن محطة الفضاء الدولية، قضت يرقات حشرة الهاموش الأفريقية (Polypedilum vanderplanki) أكثر من عام كامل (2013-2014) ملتصقة بجدار المحطة الخارجي في تجربة عُرفت باسم "بعوض الفضاء" أو "يرقات الهاموش" (Space-Midge 2014).

وتُستخدم كلمة (Midge) عادة في الأبحاث اختصارا للحشرة ذات الاسم الطويل لتسهيل التداول الإعلامي والصحفي.

يرقات الطور الرابع والأخير من بعوض القارة القطبية الجنوبية -يرقة وذكر بالغ (مجلة نيتشر كوميونيكيشنز)

هذه اليرقات كانت في حالة جفاف تام وتشبه "الجماد"، وهو الطور الذي تمتلك فيه القدرة الأسطورية على تحمل الظروف القاسية. ففي الفضاء، واجهت تذبذبات حرارية مرعبة تتراوح بين سالب 150 وموجب 100 درجة مئوية.

ومع أنه لم تعش جميع اليرقات؛ إذ تعتمد النجاة على دقة عملية الجفاف قبل الإطلاق، فإن نسبة كبيرة منها عادت للحياة بمجرد لمس الماء، وقد أثبتت هذه التجربة أن الكائنات المعقدة، وليس فقط البكتيريا، يمكنها تحمل السفر الكوني الطويل.

الديدان الخيطية.. الناجون من رماد "كولومبيا"

تعد قصة ديدان "الربداء الرشيقة" (Caenorhabditis elegans) أو "سي إليغانز" (C. elegans) على متن مكوك كولومبيا في فبراير/شباط 2003 الأكثر إلهاما.

فرغم الكارثة التي أدت إلى تحطم المكوك واحتراقه ومن فيه أثناء الدخول إلى الغلاف الجوي، فإنه عُثر على حاويات التجربة في تكساس بعد أسابيع وسط الحطام المتفحم.

ديدان من نسل تلك التي كانت جزءا من التجربة التي أُجريت على متن مكوك الفضاء كولومبيا في مهمته الأخيرة (ناسا)

وكانت المفاجأة أن الديدان لم تنجُ فحسب، بل كانت تتكاثر وتعيش جيلها الخامس أو السادس داخل الحاويات. وقد أثبتت هذه الحادثة المأساوية، بغير قصد، أن الحياة قوية بما يكفي لتتحمل حرارة الاحتكاك الجوي والاصطدام بالأرض، وهو أقوى دليل عملي على إمكانية انتقال الحياة عبر الأجرام السماوية.

نحو أفق جديد للحياة

إن هذه الكائنات الصغيرة لا تعلمنا فقط كيف تموت، بل كيف تنتصر الحياة في أصعب الظروف. ونجاح هذه التجارب يفتح أبواب الأمل في "استزراع" المريخ وتأمين رحلات البشر طويلة الأمد إلى أعماق النظام الشمسي.

فنحن اليوم لا ننظر إلى الفضاء كقبر مظلم، بل كمساحة شاسعة قد تكون بذور الحياة قد عبرتها منذ ملايين السنين، بانتظار البشر لاكتشافها أو لينقلوا إليها أثرا من عظمة الأرض.

إعلان

فهل تعتقد أن اكتشاف قدرة هذه الكائنات قد يغير من خطط الإنسان المستقبلية لبناء مستعمرات على القمر أو المريخ؟



إقرأ المزيد