مضيق هرمز هل هو سلاح الردع الجديد؟
الجزيرة.نت -

عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومها على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، كان هناك العديد من الحجج التي ساقتها كسبب لقيامها بهذا العمل، الذي توالت تبعاته ليس فقط على الأطراف المباشرة، ولكن- كما تأكد لاحقا- على العالم ككل.

بيد أن الحجة الأكثر تكرارا والتي يشار إليها حاليا على أنها السبب الرئيسي لبدء الحرب- ويترتب على الوصول لحل بشأنها وقف العمليات العسكرية- هي منع إيران من الحصول على السلاح النووي الذي من شأنه أن يمنحها قوة لردع أي عدوان عليها في المستقبل، وهو الأمر الذي بدوره يعطيها حرية للحركة على المستوى الإقليمي.

غير أن ما تمخضت عنه الأحداث منذ بداية الحرب، وحتى الآن، ربما يشير إلى أن النتيجة النهائية للصراع، قد تؤدي إلى واقع يختلف تماما عما كان مستهدفا على نحو ما أوضحناه.

فقد نجح الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في ساعاته الأولى في القضاء على قمة القيادة الإيرانية ممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه عدد كبير من قيادات الصف الأول في الجمهورية الإسلامية، مؤديا أيضا إلى تدمير معظم مكونات السلاح البحري الإيراني، وأنظمة الدفاع الجوي، وعدد كبير من القواعد والمنشآت العسكرية، إلى جانب الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية، والذي لم يقتصر فقط على ما يتعلق منها بالاستخدام العسكري، بل طال الاستخدامات المدنية من جسور وطرق ومنشآت علمية وغيرها.

بيد أنه من ناحية أخرى، أدى هذا الهجوم إلى ظهور عنصر آخر في المعادلة الإستراتيجية للصراع لم يضعه طرفا الهجوم في الاعتبار، أو لم يعطياه الاهتمام الكافي، وهو إمكانية استخدام إيران ورقة مضيق هرمز كعنصر فعال لصالحها في المواجهة الدائرة.

فمنذ بدء الصراع الدائر حاليا، كانت هناك العديد من التساؤلات حول السبب في تجاهل كل من أمريكا وإسرائيل هذا العنصر الهام الموجود في الترسانة الإيرانية، حيث كان من شأن أي تحليل موضوعي أن يخلص إلى أن هناك احتمالا كبيرا أن تستخدمه إيران في مواجهة مثل هذا الهجوم الذي لا قبل لها بمواجهته على أساس عسكري بحت.

إعلان

وربما كانت الإجابة الأقرب إلى الدقة عن هذه التساؤلات، ما تضمنته المقالة المنشورة في صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 7 أبريل/نيسان، والتي ورد بها تفاصيل دقيقة عن لقاء في البيت الأبيض يوم 11 فبراير/شباط الماضي، بين الرئيس دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث كان حاضرا مع الرئيس الأمريكي مسؤولو الأمن الوطني بمن فيهم وزيرا الخارجية والدفاع، ورئيس الأركان، ورئيس وكالة المخابرات المركزية.

بينما شارك في اللقاء مع نتنياهو، عن طريق الاتصال المرئي، رئيس المخابرات الخارجية الإسرائيلية، "الموساد"، وعدد من كبار القادة العسكريين.

وخلال اللقاء طرح نتنياهو خطة للهجوم على إيران مبنية أساسا على تقدير للموساد بأنه إذا كان هناك هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك يؤدي في ساعاته الأولى إلى القضاء على المرشد الأعلى ومعه القيادات العليا، إلى جانب إحداث دمار كبير بالمنشآت العسكرية، وفي مقدمتها قواعد إطلاق الصواريخ، فإن ذلك سيكون من شأنه انهيار النظام القائم، وظهور احتجاجات شعبية ضخمة بتأييد من عناصر للموساد على الأرض، بما يفضي إلى إحلال نظام جديد قريب من أمريكا وإسرائيل.

وعندما ظهر تساؤل من الجانب الأمريكي حول إمكانية استخدام إيران أي عناصر أخرى لديها للتأثير على مجريات الحرب كان رد نتنياهو- والذي كان واضحا اقتناع الرئيس ترمب به- أنه لن يكون لدى النظام الإيراني فرصة للقيام بأي عمل مضاد له تأثير ملموس، حيث إن التغيير السريع والمفاجئ في القيادات، والدمار في البنية العسكرية، إلى جانب التحرك على مستوى الشارع، لن تجعل ذلك ممكنا.

وحسب مقال "نيويورك تايمز" المشار إليه- والذي من الواضح أنه مبني على معلومات مستقاة من بعض من كان حاضرا في الاجتماع- فإنه في اليوم التالي لهذا اللقاء، كان هناك اجتماع في البيت الأبيض للفريق الأمني الأمريكي بحضور الرئيس ترمب، حيث كان تقدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنه في حال القضاء على المرشد الأعلى والقيادات العليا، وتدمير القدرات العسكرية للدولة، فإن تقييمها للتقدير الذي قدمه نتنياهو بإمكانية حدوث ثورة شعبية تؤدي إلى تغيير في النظام في إيران وإحلاله بنظام علماني، لا تعتبره تقديرا واقعيا، بل ويتنافى مع ما لدى الوكالة من معلومات.

وقد أضاف مدير المخابرات المركزية جون راتكليف أن تقدير نتنياهو في هذا الشأن يعتبر هزليا "Farcical"، الأمر الذي عقب عليه وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو بتعبير أمريكي دارج يمكن ترجمته بطريقة أكثر أدبا بأنه "كلام فارغ".

ولكن رغم هذه الملاحظات من جانب شخصيتين هامتين في فريق الأمن القومي الأمريكي، فإنه كان واضحا اتفاق الرئيس ترمب مع ما قدمه نتنياهو من تقديرات للموقف، أضف إلى ذلك ما هو معروف عن أن الرئيس ترمب يتخذ قراراته النهائية بناء على حسه الشخصي، فإنه أيضا لم يكن هناك اتجاه لإجراء المزيد من التقديرات لعواقب الحرب، بما في ذلك بالطبع أي احتمالات لقيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، وما سيترتب على ذلك من عواقب.

ولكن ما حدث على أرض الواقع كان أقرب إلى تقديرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية منه إلى ما قدمه نتنياهو من تقديرات، خلال لقائه مع الرئيس ترمب يوم 11 فبراير/شباط.

إعلان

ففي الوقت الذي تم فيه القضاء على القيادات العليا في إيران، وما حدث بها من دمار عسكري ومدني إلا أن النظام احتفظ بقوته وسيطرته على الداخل، ولجأ لاستخدام أقوى أداة للضغط منحتها إياه الطبيعة، وهي سيطرته على واحد من أهم الممرات المائية للاقتصاد العالمي ككل، والذي تمر من خلاله 20% من مصادر الطاقة، إلى جانب كميات ضخمة من المنتجات الأخرى الضرورية للزراعة والصناعة.

ولعل أهمية مضيق هرمز كعنصر ضغط وردع في يد إيران، قد عبر عنها بوضوح ديمتري ميدفيديف رئيس روسيا السابق والنائب الحالي لرئيس مجلس الأمن الروسي، عندما كتب في حسابه على منصة "إكس" يوم 8 أبريل/نيسان، أن "إيران قد اختبرت أسلحتها النووية، واسمها مضيق هرمز. إن مستقبلها غير محدود".

وقد حاولت إيران من قبل إغلاق المضيق خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك عن طريق استخدام الألغام البحرية، ولكن التطور الحالي في الأسلحة، باستخدام المسيرات والصواريخ قصيرة المدى، إلى جانب الدقة في تحديد الأهداف، يمكنها من فرض سيطرتها على المضيق بطريقة أكثر فاعلية، وأقل عشوائية بما يجعل في إمكانها السماح لمن تريد بالمرور، ومنع من تعتبره عدوا لها.

وفي النهاية، فإذا كان يمكن لإيران أن تخرج من هذا الصراع ولديها خطة مجربة لردع أي عدوان عليها في المستقبل وبصرف النظر عن أي خطر على قدراتها النووية، فهل سيكون لتلك الخطة الردعية الجديدة تأثير على نتائج أي مفاوضات محتملة بينها وبين الولايات المتحدة؟

على الجانب الإيراني، هل ستؤدي ثقتها في امتلاك مثل هذا البديل للردع العسكري إلى بعض التنازلات فيما يتعلق بمجال التخصيب النووي، أو مجال الصواريخ الباليستية بالذات؟

وبالنسبة للولايات المتحدة، فهل ما تحقق من تأثيرات بعيدة المدى للسيطرة الإيرانية على المضيق، سيؤدي إلى تخفيف، إن لم يكن رفع، العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، بما في ذلك الأموال المجمدة في الخارج والضرورية لإعادة بناء ما تم تدميره خلال الحرب الجارية، مقابل ضمانات من إيران بالحفاظ على حرية الملاحة في المضيق، أم إن العكس سيحدث، فتتشدد إيران في مطالبها استنادا إلى ما ترى أنها حققته من نجاح في الضغط من خلال السيطرة على مضيق هرمز، بينما تكثف الولايات المتحدة من إجراءاتها العقابية، بهدف دفع الطرف الآخر إلى العدول عن أي خطوات لتأكيد سيطرته على المضيق؟

تساؤلات لا نملك لها أجوبة الآن، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن مضيق هرمز سيكون في مقدمة البنود على مائدة أي مفاوضات مقبلة بين الولايات المتحدة، وإيران.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد