الجزيرة.نت - 4/25/2026 3:40:21 AM - GMT (+3 )
لم يصبح جسر "بي 1" في غرب طهران أشهر الجسور المستهدفة في الحرب لأنه الأكبر هندسيا فقط، بل لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعلن قصفه شخصيا في 2 أبريل/نيسان الجاري، ثم ربط ذلك بتهديد أوسع باستهداف مزيد من الجسور ومحطات الكهرباء في إيران.
لكن أهمية "بي 1" لا تفسر وحدها هذا الملف. فالسؤال الأهم ليس: لماذا برز هذا الجسر إعلاميا؟ بل: لماذا استهدفت هذه الجسور تحديدا؟
يُفهم من المصادر الإيرانية أن الاستهداف لم يتركز على جسور عادية أو منشآت معزولة، بل على عُقد طرقية وسككية يمكن أن يؤدي ضربها إلى إرباك حركة النقل، وفرض مسارات بديلة، وتعطيل انتقال الركاب والبضائع، أو على الأقل اختبار قدرة الدولة على إبقاء هذه الشبكات عاملة تحت الضغط.
فقد أعلنت إيران رسميا أن 24 جسرا وتقاطعا تعرضت للاستهداف خلال الحرب التي استمرت 40 يوما، من دون أن تنشر -حتى الآن- قائمة رسمية مكتملة بهذه المنشآت. وما ظهر في المصادر الإيرانية -حتى الآن- إنما هو قائمة جزئية بأسماء بعض المواقع المستهدفة، وليس حصرا كاملا لها.
ومن بين المنشآت التي وردت أسماؤها في التغطية الإيرانية، جسور على محاور طرقية مثل هشترود على طريق تبريز-زنجان، وتركمنشاي، و"بي 1″ في كرج بمحافظة ألبرز.
كما ظهرت منشآت على خطوط السكك الحديدية، مثل جسور: هفت جشمه في ميانة، وأمين آباد في زنجان، ويحيى آباد في كاشان وسط البلاد، وباغ يك في قم جنوب طهران، وجهار باغ في محافظة ألبرز، وقلعة نو على المسار الحديدي قرب طهران. وإلى جانب هذه الجسور، ظهر أيضا نفق بونه على محور خرم آباد-بروجرد-أراك.
وبحسب ما نُشر حتى الآن، فإن الأسماء المتداولة تكاد تنحصر في جسور ومنشآت سككية وأنفاق، بينما لا يظهر تقاطع مسمى بوضوح رغم حضوره في الرقم الرسمي.
إعلان
وما يجمع هذه المواقع -كما توحي به مواقعها ووظائفها- هو أنها ليست متساوية في الشكل، لكنها متقاربة في القيمة التشغيلية. فبعضها يقع على محاور طرقية رئيسية بين المحافظات، وبعضها على خطوط سكك حديدية وطنية أو إقليمية حساسة، وبعضها يمثل نقاط عبور يصعب تعويضها بسرعة من دون تحويل الحركة أو إبطائها.
ومن هذا المنظور، فإن استهدافها يبدو أقرب إلى استهداف قدرة الشبكة على العمل بسلاسة، لا مجرد استهداف منشآت هندسية بوصفها أهدافا منفصلة.
وتبرز هنا المسألة الأساسية، وهي أن كل هذه الجسور ليست متساوية في الأهمية، لكن الجامع بينها أنها مؤثرة داخل شبكة النقل.
رمزية ومحاور تعطيلجسر "بي 1" هو الأبرز سياسيا وإعلاميا، لأن ترمب حوّله إلى عنوان تهديد مباشر، ولأنه يرتبط بمشروع الطريق الشمالي في كرج، الذي تقول تقارير إيرانية إنه مخصص لتخفيف الضغط عن محور طهران-كرج-قزوين، وهو أحد أكثر المحاور ازدحاما وحيوية في إيران، ويرتبط بحركة عابرة بين عدة محافظات.
ومن هنا اكتسب "بي 1" قيمة رمزية تتجاوز حجمه الهندسي نفسه.
لكن إذا انتقلنا من الرمزية السياسية إلى الأثر على شبكة النقل، فإن بعض الجسور الحديدية تبدو أشد حساسية.
تصف المصادر الإيرانية مسار قم الحديدي بأنه يقع عند تقاطع محورين رئيسيين يربطان غرب إيران بشرقها وشمالها بجنوبها، وتشير إلى مرور 61 قطارا للمسافرين يوميا عبر هذا المسار، وإلى أن قم -عبر محطتيْ قم ومحمدية- تعدّ ثالث أكبر محطة ركاب في البلاد باستقبالها نحو 8 آلاف مسافر يوميا.
كما يقع جسر قلعة نو على خط طهران-مشهد، وهو أحد أهم الخطوط الحديدية في إيران، في حين يرتبط أمين آباد وهفت جشمه بخطوط الشمال الغربي التي تخدم حركة البضائع والركاب معا.
وعليه، يصبح سبب الاستهداف أوضح، حيث إن هذه الجسور ليست مجرد نقاط عبور محلية، بل مواقع يمكن أن يؤدي ضربها إلى تعطيل جزئي للشبكة، أو إبطاء الحركة، أو إجبار السلطات على فتح بدائل سريعة، بما يخلق ضغطا لوجستيا ونفسيا في الوقت نفسه.
لذلك، فإن هذه الجسور أقل حضورا في السجال السياسي من "بي 1″، لكنها قد تكون أشد أثرا إذا قيس الأمر بقدرتها على إرباك حركة النقل على مستوى البلاد.
أما بقية المنشآت -مثل هشترود وتركمنشاي ويحيى آباد وجهار باغ ونفق بونه- فهي مهمة أيضا لكن بدرجات متفاوتة. إذ يقع بعضها على محاور سريعة أو إقليمية يفرض استهدافها فتح مسارات بديلة وتحويل الحركة، وبعضها الآخر يرتبط بخطوط سكك حديدية محلية أو إقليمية تتطلب إعادة تشغيل سريعة حتى لا تتسع آثار التعطيل.
وبذلك، فالفارق بين هذه المنشآت ليس بين ما هو مهم وما هو غير مهم، بل بين عُقد نقل وطنية كبرى وعُقد تشغيلية أو إقليمية مساندة.
ملف الترميموفي ملف الترميم، حاولت طهران إظهار قدرتها على استعادة الحركة بسرعة، حيث تحدثت التقارير الرسمية الإيرانية عن إعادة فتح بعض الجسور والأنفاق المستهدفة خلال 48 ساعة، وذكرت من الأمثلة مسار سكة حديد جهار باغ، وجسر روانسر، وفتح محور خرم آباد-بل زال بسرعة.
إعلان
وفي المقابل، احتاج هشترود إلى فتح مسار بديل آمن خلال نحو أسبوع قبل استعادة الحركة. أما "بي 1" فلا يزال حالة مختلفة، إذ تقول أحدث التقارير الإيرانية إن الدراسات الفنية وتقدير كلفة إعادة بنائه ما زالت جارية، وهو ما يعني أن أشهر الجسور المستهدفة لم يدخل بعدُ في خانة "الإصلاح السريع" التي تنطبق على منشآت أخرى.
والخلاصة أن استهداف هذه الجسور تحديدا لم يكن -على ما يبدو من مواقعها ووظائفها- استهدافا لبنى خرسانية فحسب، بل هو استهداف لعُقد الحركة نفسها.
فبعضها يحمل رمزية سياسية وهندسية مثل "بي 1″، وبعضها الآخر يحمل وزنا شبكيا أشد لأنه يقع على مسارات طرقية أو سككية مؤثرة في نقل الركاب والبضائع.
لذلك، فإن ما يفسر استهدافها ليس شكلها أو حجمها فقط، بل قدرتها على التأثير في شبكة النقل إذا تعطلت أو اضطرت الدولة إلى الالتفاف حولها.
إقرأ المزيد


