الجزيرة.نت - 4/24/2026 11:22:09 PM - GMT (+3 )
في لحظة سياسية مشحونة تسبق انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، تزداد المخاوف بشأن نزاهة العملية الديمقراطية مع واقع سياسي وإعلامي واقتصادي يعكس حجم التحولات التي أحدثها الرئيس دونالد ترمب داخل النظام الأمريكي، ويزيد المخاوف من عدم قدرة الديمقراطية الأمريكية على الصمود.
فبينما تنشغل المؤسسات بمحاولة تحصين الانتخابات، تتزايد الشكوك حول قدرة هذه المنظومة على الصمود أمام الضغوط غير المسبوقة التي يفرضها الرئيس نفسه، سواء عبر الخطاب أو السياسات أو إعادة تشكيل البيئة الإعلامية.
وبحسب مجلة إيكونوميست البريطانية، يقود النائب الديمقراطي جو موريل، العضو الديمقراطي الأبرز في لجنة إدارة مجلس النواب -وهي اللجنة المسؤولة عن الإشراف على شؤون الانتخابات الفدرالية وإدارة عمل المجلس- جهودا استثنائية تحسبا لسيناريوهات تدخل محتملة في الانتخابات.
ويقول موريل إن فريقه "يعصف ذهنه" بافتراضات غير مسبوقة، في ظل واقع لم تعد فيه الإجابة التقليدية "هذا لم يحدث من قبل" كافية.
وتشمل هذه السيناريوهات، وفق ما يورده موريل، قائمة من الحيل التي قد يحاول ترمب اللجوء إليها تضم 150 احتمالا مثل التشكيك في التصويت البريدي، أو التدخل في مراكز الاقتراع أو حتى مصادرة صناديق الاقتراع، وهي فرضيات دفعت الديمقراطيين إلى إجراء تدريبات ومحاكاة استمرت لأشهر طويلة.
وتقول إيكونوميست إن هذه المخاوف لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى سلوك ترمب بعد انتخابات 2020، التي حاول الطعن في نتائجها.
وتوضح المجلة أن الرئيس يواصل إعادة طرح مزاعم التزوير، في وقت يلوح فيه بإمكانية تدخل الحكومة الفدرالية في إدارة الانتخابات، رغم أن الدستور يمنح هذه الصلاحيات للولايات.
وكان ترمب قد صرح بأن الحكومة يجب أن تتولى إدارة الانتخابات إذا لم تتمكن الولايات من إدارتها "بشكل قانوني ونزيه"، كما أعرب عن رغبته السابقة في استخدام الحرس الوطني للاستيلاء على آلات التصويت.
ورغم أن خبراء مثل ديفيد بيكر -وهو خبير قانوني أمريكي متخصص في قوانين الانتخابات وإدارتها، ويُعد من أبرز الأصوات في قضايا نزاهة العمليات الانتخابية في الولايات المتحدة- يرون أن إرسال قوات فيدرالية إلى مراكز الاقتراع سيواجه اعتراضا قضائيا فوريا، فإن القلق يتركز على تأثيرات غير مباشرة، مثل ترهيب الناخبين أو خفض نسب المشاركة.
إعلان
وتشير المجلة إلى أن مجرد التهديد أو تنفيذ عمليات محدودة قد يؤثر في سلوك بعض الناخبين، خاصة في المناطق المتأرجحة، حتى لو لم يغير النتائج بشكل مباشر.
نزاعات طويلةعلى الجانب الآخر، قد تكون محاولات التأثير في فرز الأصوات أكثر حساسية، خاصة إذا تقاربت النتائج.
ويشير الخبير القانوني ديريك مولر، أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة نوتردام في الولايات المتحدة، ويُعد من أبرز الباحثين في مجال قانون الانتخابات والدستور الأمريكي، إلى أن الفارق الضئيل قد يفتح الباب أمام نزاعات طويلة حول إعادة الفرز أو التصديق على النتائج، وهي نقاط ضعف محتملة يمكن استغلالها سياسيا.
كما أن جهود الإدارة للحصول على بيانات الناخبين أو فرض قيود على التصويت البريدي تثير مخاوف من استخدامها لاحقا للتشكيك في النتائج.
ومع ذلك، تخلص إيكونوميست إلى أن قدرة أي طرف على تقويض الانتخابات تظل محدودة بفعل الضوابط المؤسسية والقضائية. فقد فشلت معظم محاولات ترمب القانونية السابقة، كما أن المحاكم والولايات أظهرت قدرة على مقاومة الضغوط.
لكن الخطر الأكبر، وفق المجلة، يكمن في تآكل الثقة العامة، إذ باتت نسبة كبيرة من الجمهوريين تعتقد أن انتخابات 2020 سُرقت، ما يعكس عمق أزمة الثقة في النظام الانتخابي.
هذا التآكل في الثقة يتقاطع مع سياق سياسي واقتصادي ضاغط، كما توضح صحيفة آي بيبر البريطانية في تحليل للكاتب سيمون ماركس، الذي يشير إلى تراجع شعبية ترمب إلى مستويات قياسية، حيث بلغت 33% فقط، مع انخفاض الثقة في أدائه الاقتصادي إلى 30%.
ويربط ماركس هذا التراجع بتداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة، ما ينعكس سلبا على الناخبين قبل الانتخابات.
حالة من الفوضىويضيف أن الاضطرابات داخل الإدارة، بما في ذلك إقالات لمسؤولين عسكريين وخلافات داخلية، تعكس حالة من الفوضى قد تضعف موقف الرئيس انتخابيا.
كما أن تراجع دعم شخصيات إعلامية بارزة له يشير إلى تحول في المزاج العام، وهو ما قد يزيد من حدة التوتر السياسي مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.
وبموازاة ذلك، تلقي التحولات في المشهد الإعلامي بظلالها على العملية الديمقراطية.
فبحسب صحيفة فايننشيال تايمز في تقرير للكاتبتين آنا نيكولاي وإيفا شياو، لم يعد تأثير ترمب مقتصرا على مهاجمة الإعلام، بل امتد إلى إعادة تشكيله.
إذ أسهمت هجماته على ما يسميه بـ"الأخبار الكاذبة" في تقويض الثقة بالمؤسسات الصحفية التقليدية، في وقت صعدت فيه منصات بديلة وشخصيات رقمية تنافس وسائل الإعلام التقليدية.
نفوذ إعلامي طاغٍإيكونوميست :
تقف الولايات المتحدة أمام اختبار مزدوج: قدرة مؤسساتها على حماية العملية الانتخابية، وقدرة مجتمعها على الحفاظ على الثقة فيها
كما تشير الصحيفة إلى أن شركات إعلامية كبرى باتت أكثر ميلا لتسوية النزاعات القانونية مع ترمب بدلا من مواجهته، ما يعكس تأثيرا متزايدا للرئيس على بيئة العمل الإعلامي.
وتضيف أن جهات تنظيمية مثل لجنة الاتصالات الفيدرالية تبنت مواقف أكثر تشددا تجاه وسائل الإعلام، وهو ما يثير مخاوف من تأثير سياسي على حرية التعبير.
إعلان
ويرى خبراء أن هذا التحول أدى إلى استقطاب حاد في المشهد الإعلامي، حيث باتت المنصات الإخبارية تخاطب جماهيرها بشكل أكثر انحيازا، ما يعمق الانقسام السياسي. كما أن صعود وسائل الإعلام البديلة أضعف دور "حراس البوابة" التقليديين، ما سمح بانتشار روايات متضاربة حول الوقائع السياسية.
في هذا السياق، يصبح السؤال حول صمود الديمقراطية الأمريكية أكثر تعقيدا. فالمؤسسات لا تزال قائمة وقادرة على صد محاولات التدخل المباشر، لكن البيئة المحيطة بها، من تراجع الثقة إلى الاستقطاب الإعلامي والضغوط الاقتصادية، تجعلها أكثر هشاشة.
وكما تشير إيكونوميست، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إمكانية التلاعب بالانتخابات، بل في إقناع شريحة واسعة من الأمريكيين بأن النظام لم يعد نزيها.
أمريكا أمام اختبار مزدوج
في ظل هذه الأوضاع، تقف الولايات المتحدة أمام اختبار مزدوج: قدرة مؤسساتها على حماية العملية الانتخابية، وقدرة مجتمعها على الحفاظ على الثقة فيها.
وبينما قد تنجح القواعد والقوانين في منع التلاعب، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة الإيمان بالديمقراطية نفسها، في زمن أصبحت فيه الحقائق محل نزاع، والسياسة ساحة مفتوحة للتشكيك المستمر.
إقرأ المزيد


