حدود الوهم.. إسرائيل تحيي عقيدة "السور والبرج"
الجزيرة.نت -

في مقال نشرته صحيفة ذا ماركر كتبت ميراف أرلوزوروف أن إسرائيل ما تزال أسيرة منطق قديم يرى في التجمعات الحدودية أداة سيادة وحاجزا أمنيا.

لكن قوة المقال لا تكمن في نقد هذه الفكرة على حدود الأردن ومصر فقط، بل لأنه يفتح بابا أوسع لفهم خطاب إسرائيلي يتسع اليوم من غزة إلى جنوب لبنان وجبل الشيخ: السيطرة على الأرض أولا، ثم محاولة تثبيتها بالمدنيين أو تحويلها إلى "منطقة أمنية" دائمة، حتى لو كان الثمن الاقتصادي والعسكري أعلى من المردود.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

والذي يجعل مقال أرلوزوروف مهما أنه لا يناقش مجرد خطة محلية، فالخطة التي تعرضها، والمدفوعة من وزارة الاستيطان، تمتد خمس سنوات وتبلغ ميزانيتها 5 مليارات شيكل، وهدفها تكثيف الاستيطان على حدود الأردن ومصر بوصفه "درسا" بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.

غير أن هذا المنطق نفسه يظهر، بصيغ مختلفة، في نقاشات إسرائيلية أوسع حول غزة ولبنان وسوريا: في غزة عبر الدعوة إلى احتلال كامل أو إعادة الاستيطان، وفي لبنان عبر تثبيت شريط خال من السكان جنوب الليطاني أو دونه، وفي سوريا عبر ترسيخ السيطرة على المنطقة العازلة والجانب السوري من جبل الشيخ.

سياج إسرائيلي على الحدود مع لبنان (أسوشيتد برس)

ويعزز هذا الربط ما كتبته كارميت فالنسي وأمل حايك في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، عن سوريا بعد سقوط الأسد.

وفقا للورقة السياسية الصادرة بتاريخ 4 مايو/أيار 2025 عن نفس المركز بعنوان "آلية دولية لتحقيق الاستقرار وتصميم سوريا الجديدة"، والتي ساهمت غاليا ليندنشتراوس وكارميت فالنسي في صياغتها، سعت إسرائيل إلى ضمان استمرار "منطقة عازلة" مع سوريا بما في ذلك ما تم إنشاؤه بعد سقوط الأسد، بما في ذلك جبل الشيخ.

السور والبرج

ويكتسب استدعاء هذا المنطق دلالة أعمق عند ربطه بمفهوم "السور والبرج"، أحد أكثر الرموز حضورا في الذاكرة الصهيونية التأسيسية. ففي سنوات الانتداب البريطاني، ولا سيما خلال ثورة 1936-1939، أقامت الحركة الصهيونية عشرات المستوطنات المحصنة سريعا عبر نصب سور خشبي وبرج مراقبة خلال ليلة واحدة، بهدف فرض وقائع ميدانية وتثبيت الوجود اليهودي في المناطق المتنازع عليها.

إعلان

ومنذ ذلك الوقت، ارتبط مفهوم "السور والبرج" بفكرة أن الاستيطان ليس مجرد سكن، بل أداة سيادة وحدود وأمن في آن.

وما يوحي به مقال ذا ماركر هو أن إسرائيل، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، تعود إلى هذا الخيال المؤسس نفسه أي نشر تجمعات مدنية على التخوم بوصفها خطوط صد ورموز تمسك بالأرض.

لكن ما كان قبل قيام الدولة أداة توسع في ظل غياب جيش ودولة، يبدو اليوم، في نظر خبراء أمنيين ومسؤولين محليين إسرائيليين، عبئا على الجيش نفسه ونقطة ضعف تستنزف الموارد أكثر مما توفر حماية.

" بوابات أمنية على مداخل المستوطنات في الضفة، في الصور المدخل الرئيس لمستوطنة كريات أربع (الجزيرة)
غزة المحتلة

في غزة، صار الخطاب أكثر مباشرة، فقد نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، في تقرير للصحفي سام سوكول يوم 19 أبريل/نيسان 2026، أن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعا رئيس الحكومة إلى إصدار أمر للجيش بالاستعداد لـ"الاحتلال الكامل لغزة"، مكررا أيضا دعوته إلى إعادة إقامة مستوطنات داخل القطاع.

كما نقلت الصحيفة نفسها في 23 فبراير/شباط 2026 أن سموتريتش قال بوضوح إن إسرائيل "في النهاية" ستحتل غزة وتقيم فيها مستوطنات.

وهذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل ينسجم مع ما طرحه معهد دراسات الأمن القومي في ورقة "البدائل الاستراتيجية لقطاع غزة" الصادرة في 13 يناير/كانون الثاني 2026، للباحثين: العقيد (احتياط) الدكتور عوفر غوترمان، والعميد (احتياط) عودي ديكل، والتي تحدثت عن خيار يقوم على "سيطرة طويلة الأمد على محيط أمني موسع" يشمل المنطقة العازلة الشمالية ورفح ومحور فيلادلفيا، مع تجنب تحمل المسؤولية المدنية المباشرة عن سكان القطاع.

كما عادت ورقة أخرى للعميد احتياط عودي ديكل في فبراير/شباط 2025 إلى فكرة الحفاظ على منطقة عازلة لتعزيز أمن المستوطنات المحيطة بقطاع غزة.

ارتبط مفهوم "السور والبرج" بفكرة أن الاستيطان ليس مجرد سكن، بل أداة سيادة وحدود وأمن في آن

منطقة عازلة بلبنان

في جنوب لبنان، تظهر الفكرة ذاتها ولكن بصيغة "حزام أمني"، فتقرير للمراسل العسكري في صحيفة يديعوت أحرنوت إليشع بن كيمون في 31 مارس/آذار 2026 بعنوان "هل عادت المنطقة الأمنية؟" يورد أن التوجيه الإسرائيلي هو منع عودة السكان المدنيين إلى ما بين الحدود ونهر الليطاني، وأن كل حركة جنوب الليطاني ستعد عملا عدائيا وفق ما نقل عن مصادر أمنية.

والتقرير نفسه يوضح أن النقاش لم يعد نظريا، بل يتعلق بمنطقة تريد إسرائيل إبقاءها خالية من المدنيين وتحت هيمنة نارية أو ميدانية.

ويكتسب هذا بعدا سياسيا أوسع مع ما نقلته تايمز أوف إسرائيل في 24 مارس/آذار 2026 عن سموتريتش، حين قال إن نهر الليطاني يجب أن يكون "الحد الجديد" لإسرائيل مع لبنان، وقارنه بما سماه "الخط الأصفر" في غزة والمنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في سوريا.

وفي الوقت نفسه، نشرت هآرتس تقريرا لـنتانيل شلوموفيتش في 18 مارس/آذار 2026 عن حملة داخل اليمين لتوسيع حدود الدولة حتى الليطاني، بما يكشف أن ما كان يبدو سابقا مجرد هذيان هامشي صار حملة سياسية منظمة مدعومة من أعضاء كنيست وناشطين.

خريطة توضح التحصينات والقواعد العسكرية الإسرائيلية في المنطقة العازلة (الجزيرة)
سوريا

في سوريا، لا يتخذ المشروع شكل "استيطان مدني" معلن حتى الآن، لكنه يتحرك ضمن المنطق نفسه: السيطرة على الأرض المرتفعة والحزام العازل بوصفهما ضمانة أمنية دائمة.

إعلان

ففي 28 يناير/كانون الثاني 2025 كتب يوآف زيتون وليئور بن آري، المراسلان العسكريان لصحيفة يديعوت أحرنوت، أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أعلن من قمة جبل الشيخ السوري أن الجيش "سيبقى في منطقة الأمن لفترة غير محددة"، مضيفا أن إسرائيل لن تسمح لقوى معادية بالتمركز في جنوب سوريا "حتى محور السويداء-دمشق".

ويتقاطع هذا مع تقديرات معهد دراسات الأمن القومي؛ فدراسة فالنسي في يناير/كانون الثاني 2025 وصفت التحرك الإسرائيلي بعد سقوط النظام السوري بأنه شمل السيطرة على المنطقة العازلة وضربات واسعة على أهداف سورية.

بينما أوضحت الخريطة التفاعلية للمعهد أن إسرائيل نفذت  136 غارة في إطار عملية "سهم باشان"، وأن 65%  منها تركزت في غرب سوريا، مع عرض لمساحات السيطرة والقوى الفاعلة هناك.

أرقام الفشل

هنا تحديدا يصبح مقال ذا ماركر هو العمود الفقري في التحليل، لأنه يقدم أرقاما إسرائيلية داخلية تكشف محدودية الجدوى السكانية والاقتصادية للمستوطنات الحدودية نفسها.

فبحسب أرلوزوروف، وعلى امتداد 208  كيلومترات من مستوطنة حيبل شالوم (أقرب نقطة جنوبا إلى قطاع غزة – الحدود المصرية) إلى إيلات، توجد في ممر نيتسانا 5  مستوطنات فقط لا يزيد مجموع سكانها على  1300 مستوطن، أي بمعدل  38 مستوطنا لكل كيلومتر.

وتقارن الكاتبة ذلك بمعدلات أعلى بكثير 174 مستوطنا  لكل كيلومتر على طول الحدود الأردنية، و1090  مستوطنا على حدود غزة، و1700  مستوطن على الحدود اللبنانية.

كما تشير إلى أن منطقة العربة الوسطى على الحدود مع الأردن التي تضم نحو  4600 مستوطن  سجلت هجرة إيجابية محدودة خلال خمس سنوات، بينما لم تستقطب نيتسانا سوى  240  مستوطنا جديدا، مع وجود 1000  وحدة سكنية معروضة من دون طلب فعلي.

هذه الأرقام لا تقول فقط إن المستوطنات الحدودية تشكل أداة طاردة ديمغرافيا، إنما تكشف أن فكرة "الجدار والبرج" بصيغتها الجديدة تواجه أزمة بنيوية: لا كثافة سكانية كافية، ولا جاذبية اقتصادية مستقرة، ولا طلبا حقيقيا على السكن حتى في المستوطنات القائمة.

آليات عسكرية إسرائيلية في الجولان السوري المحتل (أسوشيتد برس)
كلفة باهظة

اقتصاديا، ينقل مقال ذا ماركر عن إران دورون، رئيس المجلس الاستيطاني رامات هنيغف، أن المشكلة ليست في غياب الأرض بل في غياب فرص العمل والبنية التحتية والممرات اللوجستية.

ويشير إلى وجود  1000 وحدة سكنية غير مطلوبة أصلا، وإلى أن الطريق رقم 10 على الحدود المصرية مغلق عسكريا، وأن المنطقة تعاني نقصا في البنية التحتية اللازمة لمشاريع لوجستية أو تكنولوجية، لذلك يقول دورون بصراحة: "لا داعي إطلاقا لإنشاء المزيد من المستوطنات."

وهذا المعطى بالغ الأهمية عند ربطه بغزة ولبنان وسوريا، فكل توسع حدودي يحتاج إلى طرق وحماية ومدارس وخدمات وملاجئ وحوافز مالية وانتشار عسكري ملازم، أي أن المشروع ليس مجرد قرار أمني، بل التزام اقتصادي طويل ومكلف.

عبء أمني

أما أمنيا، فيسند المقال نقده بصوتين إسرائيليين بارزين: الأول هو البروفيسور أوري بار يوسف، أحد أبرز المؤرخين العسكريين في إسرائيل، الذي يقول إن الجيش منذ 1948 هو المسؤول عن حماية إسرائيل، "وليس المستوطنات على طول الحدود".

والثاني هو اللواء احتياط غيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الذي يختصر المسألة بعبارة حاسمة: "الاستيطان، بحكم تعريفه، هو نقطة ضعف".

وتزداد دلالة هذا التحذير مع نتائج استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لشهر ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي أظهر أن 45% فقط من الإسرائيليين أيدوا بقاء الجيش في المنطقة العازلة والجبل السوري إلى حين استقرار الوضع، بينما أيد 28% فقط الاحتفاظ الدائم بهذه الأراضي.

إعلان

كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 18% فقط أيدوا ضم غزة وإعادة المستوطنات إليها، مقابل 15% أيدوا احتلال القطاع وحكمه عسكريا.

تقضم المستوطنات الإسرائيلية مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة (الجزيرة)
وهم السيادة

ما تكشفه قراءة مقال ذا ماركر على ضوء هذه المصادر الإسرائيلية ليس مجرد خلاف على خطط حدودية، بل أزمة في تعريف الأمن نفسه داخل إسرائيل.

فاليمين، من سموتريتش إلى دوائر أوسع حوله، يدفع نحو مزيد من الأرض في غزة ولبنان وسوريا، وكاتس يترجم ذلك ميدانيا في سوريا ويتحدث عن بقاء غير محدد، بينما يظهر في لبنان تصور لحزام خالٍ من السكان جنوب الليطاني أو في جزء منه.

لكن الأرقام الإسرائيلية، وتحذيرات أوري بار يوسف وغيورا إيلاند، وتقديرات معهد دراسات الأمن القومي، تقول شيئا آخر: السيطرة على الأرض قد تمنح صورة سيادية صلبة، لكنها لا تنتج بالضرورة أمنا مستداما، وقد تنتهي إلى حدود أوسع، وكلفة أعلى، ونقاط ضعف أكثر هشاشة.



إقرأ المزيد