الجزيرة.نت - 4/22/2026 10:04:05 AM - GMT (+3 )
Published On 22/4/2026
في وقت تتصاعد فيه طموحات الصين لمنافسة شركتي بوينغ وإيرباص لصناعة الطائرات، تتعثر وتيرة تسليم طائرة الركاب الصينية المحلية "سي 919" رغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذا المشروع.
ولم تسلّم شركة الطائرات التجارية الصينية "كوماك" المنتجة لهذه الطائرات سوى عددا محدودا نسبيا منها، رغم دخولها الخدمة منذ أكثر من 3 سنوات، الأمر الذي أثار تساؤلات حول أسباب هذا التسليم البطيء، وما إذا كان يعكس أزمة في المشروع، أم خيارا واعيا بعدم التضحية بالجودة تحت ضغط سلاسل توريد معقدة وعقوبات وتحديات داخلية.
وبحسب تقارير حصرية لموقع صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية تشير بيانات شركات الطيران والاستشارات المتخصصة إلى أن أرقام تسليم طائرة "سي 919" جاءت أقل بكثير من الأهداف المعلنة.
ومنذ أن تسلّمت شركة "تشاينا إيسترن"، وهي إحدى أكبر خطوط الطيران المملوكة للدولة في الصين، أول طائرة من طراز "سي 919" في ديسمبر/كانون الأول 2022، بلغ إجمالي ما تم تسليمه منها 35 طائرة فقط حتى نهاية مارس/آذار 2026.
وفي عام 2025 سلّمت شركة "كوماك" 15 طائرة من هذا الطراز، بينما كان الهدف الأولي 75 طائرة، مما كشف عن فجوة واضحة بين التخطيط والواقع، وفق الصحيفة.
وخلال الربع الأول من 2026 لم يتم تسليم سوى 3 طائرات؛ اثنتان منها لشركة "تشاينا ساوثرن" وواحدة لشركة "إير تشاينا". وجاء ذلك بعد ارتفاع نسبي أواخر 2025، حين سلّمت الشركة 8 طائرات بين نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول، قبل أن تتراجع الوتيرة بشكل مفاجئ مطلع العام الحالي.
وتوضح الصحيفة أن طائرة "سي 919" هي طائرة ركاب ذات ممر واحد، وتستهدف منافسة طرازي بوينغ-737 وإيرباص-آيه 320 في سوق الطائرات ذات الجسم الضيق، في مسعى صيني لتقليص الاعتماد على الغرب في قطاع الطيران المدني.
استيراد المحركاتوتُصنّع مكونات هيكل الطائرة، بما في ذلك الأنف وقمرة القيادة والأجنحة والهيكل والذيل، في الصين ضمن سياسة توطين متدرجة. لكن الأنظمة الأساسية، وعلى رأسها المحركات، لا تزال تُستورد من موردين غربيين، وفي مقدمتهم شركة "سي إف إم" وهي مشروع مشترك بين شركتي "جي إي" الأمريكية و"سافران" الفرنسية، التي تنتج محركات "أل آيه إي بي" المستخدمة في طائرة "سي 919".
إعلان
وذكرت الصحيفة أن هذا الاعتماد على الخارج تعرّض لهزّة في صيف العام الماضي عندما علّقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤقتا تصدير بعض المحركات إلى الصين، مما دفع شركة "كوماك" إلى إعادة تقييم مخاطر سلاسل التوريد الجيوسياسية والبحث عن موردين أكثر "جدارة بالثقة" بحسب مصدر في الشركة.
وأدركت الإدارة أن تقديراتها السابقة حول إمكانية رفع عدد حالات التسليم إلى 200 طائرة سنويا، خلال فترة 5-7 سنوات، وذلك لتغطية نصف الطلب المحلي البالغ 400 طائرة جديدة سنويا، كانت "مفرطة في التفاؤل".
ويرى محللون أن التأخّر في التسليم لا يرجع إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة عوامل وأزمات تعصف بالشركة خارجيا وداخليا.
وتعاني كوماك على المستوى الداخلي من نقص في القوى العاملة في بعض أقسام الإنتاج الرئيسة، مما دفع إلى إدخال تقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد في عمليات التصنيع، وهي عملية تحتاج بدورها إلى وقت لتستقر وتحقق نتائجها الكاملة، بحسب الصحيفة.
كما أن مصنع التجميع الجديد لطائرة سي 919 في شنغهاي عمل دون طاقته التصميمية في بداية العام، وهو مؤشر على صعوبات الانتقال من مرحلة الإنتاج التجريبي إلى الإنتاج الكمي.
منافسة مع إيرباص وبوينغأما على المستوى الخارجي فيعدّ نقص المحركات أحد أبرز تلك الأزمات، وتنقل الصحيفة عن "جيسون جانغ" المحلل في شركة الاستشارات "آير ويلفي" ومقرها شنغهاي أن بعض الطائرات تقف على أرض المطار بأجنحة "عارية" في انتظار محركات "أل إي آيه بي" التي تتأخر بدورها بسبب نقص مكونات حرجة مثل شفرات التوربين.
ويضيف جيسون أن شركة "سي إف إم" تنتج المحركات بأقصى طاقتها، لكن "الحصة الأكبر" تذهب إلى العملاء الأكثر أهمية بالنسبة لها، مما يجعل كوماك في منافسة مباشرة مع شركتي بوينغ وإيرباص على الكميات المحدودة.
إلى جانب ذلك، تشدد سلطات الطيران الصينية على معايير صارمة للجودة والسلامة، مما يفرض على "كوماك" وشركات الطيران المرور بعمليات طويلة من الفحص والتدقيق وتدريب الطيارين والأطقم قبل تسليم أي طائرة جديدة.
وتنقل التقارير عن مصدر في القطاع أن بعض طائرات سي 919 قد أنهت رحلاتها التجريبية، وتم تقييم صلاحيتها للطيران بنجاح، لكنها تظل قيد الانتظار إلى حين استكمال متطلبات التشغيل والمرور بعمليات الفحص التي تستغرق وقتا طويلا، فضلا عن فترات التوقف الموسمية مثل عطلة رأس السنة الصينية.
ويرى المحلل والخبير البارز في قطاع الطيران والدفاع ريتشارد أبولافيا في مقابلة مع الصحيفة أن كوماك "قللت من تقدير" التحديات المرتبطة بالتجميع النهائي وإدارة سلاسل التوريد، وأنها تحتاج إلى وقت لبناء قدرة مستقرة على الإنتاج بمعايير ثابتة.
في المقابل، يعزو المحلل جيسون جانغ التأخير إلى "نهج حذر" للشركة، مشددا على أن "كوماك يجب ألا تضحي بالجودة من أجل تحقيق أي هدف أو تلبية أي توقعات"، مؤكدا أن "التحرك البطيء والثابت" هو الخيار الأفضل في هذه المرحلة.
إعلان
وفي مواجهة هشاشة الاعتماد على المحرك المستورد، تكثف الصين جهودها لتطوير محرك محلي عبر شركة محركات الطائرات الصينية "آيه إي سي سي" ليشكّل بديلا استراتيجيا لمحركات "أل إي آيه بي" على المدى المتوسط.
وقد تضمنت الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) قرار تسريع اعتماد هذا المحرك، بينما أشار ممثلو شركة محركات الطائرات الصينية في منتديات صناعية حديثة إلى أن مسار الاعتماد دخل "المرحلة الأخيرة" دون تحديد جدول زمني نهائي.
وتحت كل هذه الضغوط، يبدو أن شركة الطائرات التجارية الصينية "كوماك" اختارت، أو اضطرت، لمنح الأولوية للجودة واستقرار المنظومة الصناعية على حساب سرعة التسليم وتحقيق الأهداف الكمية قصيرة الأجل.
ويبقى اختبار الشركة في الأشهر والسنوات المقبلة هو مدى قدرتها على رفع وتيرة الإنتاج والتسليم تدريجيا، دون أن يكون ذلك على حساب الجودة التي تراهن عليها للدخول إلى سوق يهيمن عليه عمالقة تصنيع الطائرات، مثل بوينغ وإيرباص.
كيف بدأ مشروع "سي 919" الصيني؟- 2006: أنشأ مجلس الدولة الصيني مجموعة قيادية خاصة رئيسية للطائرات الكبرى.
- 2007: الموافقة على التأسيس الرسمي لمشروع علمي وتكنولوجي كبير لتطوير الطائرات الكبرى.
- 2008: إنشاء شركة الطيران التجارية الصينية.
- 2009: إصدار الاسم الرمزي "كوماك919" (COMAC919) لأول نموذج لطائرة ركاب كبيرة.
- 2010: موافقة إدارة الطيران المدني الصينية رسميا على طلب شهادة النوع لطائرة الركاب الكبيرة.
- 2011 – 2016: اعتماد التصاميم وبدء عملية إنتاج أجزاء الطائرة واختبارها.
- 2017: نجاح الطائرة في القيام برحلتها الأولى في شنغهاي.
- 2023: أكملت طائرة الركاب الكبيرة "سي 919" بنجاح أول رحلة تجارية لها.
إقرأ المزيد


