الجزيرة.نت - 4/19/2026 12:53:51 AM - GMT (+3 )
"الله، الله ربي، الله يا مولانا.. ونزرسنا يسفن القلوب.. أكدي خزر خزبه، رغام وشد ربي" (الله، الله ربي، الله يا مولانا.. نزل علينا مطرا يُصفي القلوب.. انظر إليّ نظرة رحمة، وارزقني بفضلك يا ربي)
بهذه الكلمات الأمازيغية المفعمة بالابتهال والرجاء، وفي مساء وادع من أمسيات إقليم تنغير في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، حيث تمتد الواحة ذاكرة خضراء محاطة بالصمت الجبلي المهيب، تتشكل حلقة النساء ببطء في المركب الديني والثقافي وسط المدينة، كأنها تستعيد ترتيب الزمن لا المكان فقط.
تجلس نساء أغلبهن مسنات في انتظام دائري محكم، وسبحات أو حصيات صغيرة تتحرك بين الأصابع بإيقاع يشبه نبضا جماعيا يتكوّن تدريجيا، تحرص بعضهن على إخفاء وجوههن حشمة أو خجلا.
يُشتق لفظ "لفديت" لغويا من الفعل "فدى"، بما يحمله من معنى التحرر والاستخلاص
لا يبدو المشهد اجتماعا عابرا، بل دخولا جماعيا إلى حالة صفاء داخلي يتداخل فيها التبتل إلى الله بالتماسك الاجتماعي، حيث تتحول اللحظة إلى فضاء معيش للذكر، ولإعادة إنتاج معنى الجماعة في قلب الواحة.
وسط الحضور، تبرز إحدى المقدمات (تفقرين نلفديت) زينبة حمدي بوقارها الذي يختصر روح المجلس، تقول للجزيرة نت بصوت هادئ يفيض بالطمأنينة مملوء بدعوات لا تنقطع "نجلس هنا نذكر الله ونصلي على رسوله ﷺ، وندعو لأنفسنا وللمؤمنات والمؤمنين بالهداية والصلاح".
يضفي هذا الكلام العفوي على المجلس أجواء من الروحانية والصفاء، ويظهر ما تحمله أولئك النسوة من شحنات السكينة تعينهن على الحياة، يستمر أثرها قوة داخلية كأنهن لا يُردنها أن تخبو أبدا.
في البدء كان "الفداء"تندرج عادة "لفديت" في هذه المنطقة ضمن الذكر الجماعي ذي الأبعاد الروحية والاجتماعية والهوياتية الأصيلة والمتجذرة عبر الزمن، وهي منظومة رمزية تحمل في داخلها تراكما دينيا وثقافيا يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والذكر والجماعة.
إعلان
يُشتق لفظ "لفديت" لغويا من الفعل "فدى"، بما يحمله من معنى التحرر والاستخلاص، أي تحرير الشخص من علة أو ضرر معنوي كالخوف أو العين أو الحسد، عبر تحويل ذلك الضرر رمزيا إلى شيء مادي، أو التقرب من الله سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر نيلا لرضاه وزهدا في متع الدنيا.
تحرص النسوة في الأحياء والدواوير على الاجتماع كل يوم جمعة للذكر، تؤثث فضاء البيوت التقليدية ابتهالات وأدعية وأمداح نبوية، يحرص محسنون على تمويلها، ليس بتوفير الطعام فقط، بل بتزيين الفضاء بالأواني الفضية والطيب ذي الروائح الزكية.
ويؤكد الأستاذ الباحث والمتخصص في تراث الجنوب المغربي الدكتور مولاي أحمد رضا شمولية هذا الموروث في حديث للجزيرة نت، إذ يبرز أنه لا يقتصر على كونه عملا تعبديا بالمعنى الضيق، بل يشكل نظاما متكاملا يجمع بين البعد الديني-الصوفي القائم على "التزكية والتحلية"، والبعد الاجتماعي المتمثل في توطيد العلاقات، والبعد الثقافي الرامي إلى حفظ الموروث وإحياء الذاكرة الواحية في مواجهة رياح العصرنة".
وتستمد هذه المجالس مشروعيتها من السنة النبوية، التي جعلت من حلق الذكر "رياضا للجنة"، بما يمنحها شرعية متجذرة في الوعي الديني المحلي.
يتجاوز أثر "لفديت" حدود الذكر ليمتد إلى عمق الواحات كصمام أمان للقيم الأصيلة
تتميز "لفديت" بنظام دقيق تشرف عليه "المقدمة" كبيرتهن سنا، لضبط إيقاع الذكر وتوزيعه. أما التشكيل المكاني للحلقة الدائرية، فيحمل دلالات المساواة والوحدة، حيث لا فرق بين كبيرة وصغيرة أو غنية وفقيرة.
وتوضح للا مليكة الإدريسي، عضو المجلس العلمي المحلي، هذا التدرج الصوتي والنفسي في تصريح للجزيرة نت "يبدأ الذكر فرديا خافتا بترديد ‘لا إله إلا الله’ باستخدام الحصيات للدخول في حالة خشوع وعزلة روحية داخل الجمع، ثم ينتقل إلى الذكر الجماعي الهمسي.
وبمجرد اكتمال حضور القلوب، يتحول الذكر إلى جهر متناغم يحقق ‘الوجد الجماعي’ حيث تهتز الأصوات بإيقاع واحد، وتُشفع التهليلات بالصلاة على النبي ﷺ بصيغها المحلية الفياضة". وعند بلوغ الذروة، يتردد صدى الأبيات: "يرتح ينزلما، عليك ينجدولي" (يرتاح البال وينجلي الهم، عليك اعتمادي واتكالي)، وهو المقطع الذي يعكس حالة التسليم المطلق للخالق التي تبلغها النساء في ختام مجالس الذكر.
يتجاوز أثر "لفديت" حدود الذكر ليمتد إلى عمق الواحات كصمام أمان للقيم الأصيلة. تبرز النساء هنا حاميات أساسيات لهذا الموروث، ينقلنه من جدة إلى حفيدة بسلاسة تضمن بقاء الذاكرة حية.
ويبرز البعد الاجتماعي في دعائهن الصادق للوالدين والأسلاف كما في قولهن: "دولي خلف ربنا، وديت جامل والدينين" (هؤلاء من خلفنا يا ربنا، فاجعل الإحسان والجميل يحيط بوالدينا)، و"جد غيفي صرحمتا مابنيك والديكين" (ارحمني برحمتك وارحم من ربياني).
إعلان
ويوضح مولاي أحمد رضا هذه الأبعاد التضامنية بأن لفديت تلعب دورا محوريا في تآلف المجتمع وحل النزاعات العائلية أو القبلية التي تذوب تحت تأثير الأجواء الروحية. ويضيف "إنها تأكيد للتميز المحلي لمنطقة تنغير، حيث توفر متنفسا ودعما معنويا للنساء للحديث عن هموم التربية والمرض وتقديم النصيحة، مما يخلق شبكة تضامن إنسانية تتجاوز الفوارق الاجتماعية والمادية".
ينسحب الحضور بهدوء، تاركين خلفهم أثرا من الطمأنينة يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية
مع اقتراب نهاية المجلس، يختم اللقاء بتلاوة ما تيسر من القرآن والدعاء الجماعي للمرضى والموتى، حيث ترفع النساء أيديهن بيقين يلامس السماء، مرددات: "لا إله إلا الله إسراري وهني.. يسررت الباطن للوى موجود ربك" (لا إله إلا الله هي سري وهنائي.. أسرار الباطن تؤكد حضور الله في كل شيء).
ينسحب الحضور بهدوء، تاركين خلفهم أثرا من الطمأنينة يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، شاهدين على حضور المرأة حاملة للموروث وناشرة للسكينة في الفضاء العمومي.
وبينما يبرز مولاي رضا أن أثر الذكر يبقى حاضرا في القلوب حتى بعد انفضاض الحلقة، فهو لا ينتهي بانتهاء الصوت، بل يستمر في الداخل أمانة تنقلها النساء لأجيال المستقبل، تؤكد الإدريسي أن تنظيم الحفل ضمن منتدى المضايق والواحات يهدف إلى إحياء ذاكرة أصيلة ومتجذرة لن يطالها النسيان ما بقيت قلوب نساء تنغير تشتاق إلى أنس الذكر، وما بقيت هذه الواحة تنبض بروح الجماعة والصفاء الروحي.
إقرأ المزيد


