الجزيرة.نت - 4/18/2026 11:12:49 PM - GMT (+3 )
في صباح الخميس 20 يوليو/تموز 2017، وخلال فترة ولايته الأولى، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى مبنى البنتاغون في ضاحية أرلينغتون بولاية فرجينيا. عبر الممر المحاط بصور رؤساء هيئة الأركان المشتركة السابقين، ودخل غرفة تُسمى "التانك" (Tank)، وهي قاعة اجتماعات بالغة السرية والتحصين تُستخدم لمناقشة العمليات العسكرية الحساسة واتخاذ القرارات الإستراتيجية.
وقبل أن يستقر على رأس طاولة بيضاوية من البلوط الذهبي، ألقى ترمب نظرة لا مبالية نحو الجدار، حيث تستقر إلى جوار العلم الأمريكي لوحة شهيرة تحمل اسم "صناع السلام"، تُصوِّر اجتماعا تاريخيا عام 1865 بين الرئيس أبراهام لنكولن و3 من قادته العسكريين في خضم الحرب الأهلية، في مشهدٍ يُجسِّد ذروة التناغم بين القيادتين السياسية والعسكرية في الذاكرة الأمريكية.
كان بانتظاره في الغرفة نفسها وزير حربه آنذاك جيمس ماتيس ووزير خارجيته ريكس تيلرسون ومدير المجلس الاقتصادي الوطني غاري كوهن، الذين رتَّبوا هذا اللقاء لغرض بعيد عن مناقشة أي تهديدات أو استعراض خطة عسكرية بعينها، وإنما لشيء أعمق؛ إذ كان الهدف تقديم درس تأسيسي للرئيس الجديد حول النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو كما وصفه أحد منظمي هذا اللقاء، كان هذا "تدخلا تعليميا".
"في قلب غرفة التانك السرية بالبنتاغون، حاول مسؤولون تقديم درس تأسيسي لترمب حول النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة وأركانه وفوائده"
كان الثلاثة قد لاحظوا في الأشهر الستة الأولى من الإدارة فجوات هائلة في معرفة ترمب بالتاريخ والتحالفات والخريطة العالمية، وقرروا أن أي محاولة لمواجهة قراراته الفجائية تستلزم أولاً بناء لغة مشتركة معه. وقد افتتح ماتيس الاجتماع بعبارة تنص على أن "النظام العالمي القائم على القواعد، الذي وُلد بعد الحرب، هو أعظم هدية قدَّمها الجيل الأعظم". وتلا ذلك عرض شرائح مزدحمة بالخرائط والرسوم البيانية وعلامات الدولار، مع التركيز على استثمارات أمريكا الخارجية، وهي طريقة مدروسة لجذب اهتمام رئيس تشكَّلت ثقافته في عالم العقارات، بحسب ما يرويه الصحفيان فيليب روكر وكارول ليونيغ في كتابهما "عبقري مستقر للغاية" (A Very Stable Genius)، الذي يستعرض السنوات الثلاث الأولى لترمب في البيت الأبيض.
إعلان
غير أن ترمب سرعان ما أبدى استياءه من أجواء "المدرسة" تلك، وبدأ في مقاطعة مستشاريه المرة تلو المرة، ساخرا من الحرب في أفغانستان بوصفها "حرب الخاسرين"، ومُتهِما حلفاء شمال الأطلسي (الناتو) بأنهم "متأخرون عن السداد"، ومٌبدِيا نية لمطالبة كوريا الجنوبية بدفع "رسوم" مقابل القوات الأمريكية المرابطة على أراضيها. وحين بلغ التوتر ذروته، التفت ترمب إلى كبار جنرالاته صارخا: "أنتم جميعا خاسرون.. لم تعودوا تعرفون كيف تنتصرون. لن أذهب إلى الحرب معكم. أنتم مجموعة من المغفلين والأطفال".
"التفت ترمب إلى كبار جنرالاته صارخا: أنتم جميعا خاسرون.. لم تعودوا تعرفون كيف تنتصرون"
وبغض النظر عمَّا خلَّفه هذا الاجتماع من إحباط مكتوم داخل المؤسسة العسكرية، وما عمَّقه من تصدُّع في علاقة ترمب وتيلرسون، فإن ما جرى في تلك الغرفة فتح الباب لسؤال أعمّ: ماذا يحدث عندما يصطدم رئيس يفكر بمنطق أفلام هوليوود، حيث تُحسَم الحروب بضربة واحدة، بمؤسسة عسكرية صاغت عقيدتها عبر قرن من الحروب المعقدة والتجارب المتراكمة؟ وما الثمن الذي يدفعه العالم حين يتحول هذا التوتر وسوء الفهم من خلاف داخلي إلى سياسة خارجية؟
لفهم ما الذي تجاهله ترمب في تلك الغرفة، لا بد أولا من العودة لما بناه سابقوه. لقد تشكَّلت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية منظومة من القواعد، بعضها مكتوب وبعضها غير مُعلن، وهي تحكم قرار الذهاب إلى الحرب وتُروِّض الاندفاع نحوها. ومن أبرز هذه الصياغات ما عُرف بـ"مبدأ باول"، الذي يُعد خلاصة تجارب تاريخية مريرة، في مقدمتها حرب فيتنام.
يُنسَب هذا المبدأ إلى كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، الذي خدم في فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي، وعاد منها بأسئلة حول حدود القوة الأمريكية، وكيف يمكن أن تتحول إلى عبء حين تُستخدم دون حساب. وكما يلاحظ الباحث كريستوفر بريبل من المجلس الأطلسي، فقد تعلَّم باول "الثمن المر للغرور الإستراتيجي"، وهو درس حمله معه لاحقا، قبل أن يُحوِّله إلى مجموعة شروط تحكم قرار استخدام القوة.
"تعلَّم باول الثمن المر للغرور الإستراتيجي، وهو درس حوله إلى مجموعة شروط تحكم قرار استخدام القوة العسكرية"
غير أن هذه الشروط لم تتشكَّل بمعزل عن سياق أوسع؛ إذ عمل باول في ثمانينيات القرن الماضي مساعدا عسكريا لوزير الحرب كاسبار واينبرغر، الذي طرح بدوره مجموعة قيود صارمة على استخدام القوة عقب صدمة فيتنام وتفجيرات بيروت عام 1983. وقد تبنَّى باول هذه المقاربة ووسَّعها، مُحوِّلا إياها من توجيهات سياسية عامة إلى إطار عملي أكثر تحديدا.
مع صعود باول داخل المؤسسة العسكرية، وصولا إلى موقع رئيس هيئة الأركان المشتركة، وجد الرجل الفرصة لتطبيق هذه الرؤية عمليا في حرب الخليج عام 1991؛ حيث لم يُنظر إلى الحرب بوصفها اختبارا للقوة فقط، بل كعملية يجب أن تُدار وفق أهداف واضحة تتمثل في طرد صدام وقواته من الكويت، بمعاونة تحالف دولي واسع يمنح التدخل شرعية، مع استخدام قوة عسكرية حاسمة وسريعة لتجنُّب حرب طويلة مفتوحة، إلى جانب تصور واضح لنقطة النهاية وعدم الانزلاق إلى ما بعدها.
إعلان
وهكذا يمكن فهم مبدأ باول على أنه مجموعة أسئلة إلزامية تسبق أي قرار بالحرب، ويجب أن تُجاب جميعها بـ"نعم" قبل أن ترسل الولايات المتحدة جنودها إلى ميدان القتال. ومن أبرز هذه الأسئلة: هل الاشتباك ضروري لحماية مصلحة الولايات المتحدة من تهديد معين؟ وهل تم تعريف هذه المصلحة بوصفها حيوية لا يمكن التساهل فيها؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل لدى واشنطن استعداد للقتال بقوة ساحقة وبنية واضحة للحسم، لا بمجرد الانخراط الرمزي أو المحدود؟
"لا يُعَد مبدأ باول مجرد عقيدة عسكرية، لكنه إطار صارم يربط بين السياسة والإستراتيجية والقوة العسكرية"
وتتتابع الأسئلة الإلزامية حيال الأهداف الإستراتيجية والعملياتية: هل الأهداف السياسية والعسكرية محددة بدقة؟ وهل توجد إستراتيجية واضحة لتحقيقها، وأخرى للخروج من الحرب بعد تحقيق هذه الأهداف، بما يتسق مع ما صاغه كارل فون كلاوزفيتز، حين شدد على أن الحرب لا تُخاض دون وضوح الغاية ووسيلة تحقيقها؟ ويستتبع ذلك سؤال حاسم: هل حجم القوات ونوعها يتناسبان مع هذه الأهداف، أم أن هناك فجوة بين المهمة والإمكانات؟ وهل تخضع هذه المعادلة لمراجعة مستمرة مع تغير ظروف الحرب؟ وأخيرا، هل تحظى العملية بدعم داخلي مستدام من الرأي العام والكونغرس، بما يمنع تكرار سيناريوهات القتال دون تفويض سياسي واضح كما حدث في فيتنام؟
بهذه الصيغة، لا يُعَد مبدأ باول مجرد عقيدة عسكرية، لكنه إطار صارم يربط بين السياسة والإستراتيجية والقوة. وقد طُبِّق المبدأ بأوضح صورة في حرب الخليج عام 1991، حين حشدت واشنطن نحو 500 ألف جندي في تجسيد عملي لفكر باول: قوة ساحقة، هدف محدد، ثم خروج سريع. وكانت النتيجة 147 قتيلا أمريكيا فقط، وهو رقم منخفض لحرب بهذا الحجم.
يقف دونالد ترمب على النقيض من منطق كولن باول. ويتبدَّى ذلك بوضوح في عدد من العمليات العسكرية التي نُفّذت تحت إدارته. وتُعدُّ عملية "الغضب الملحمي" التي شنتها الولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير/شباط، أحدث الأمثلة الدالة على هذا التباعد. فإذا ما أُسقطت عليها شروط باول، تظهر فجوة واضحة بين الفعل العسكري والإطار الضابط له.
أول هذه الشروط -وضوح الهدف السياسي- يكاد يغيب هنا؛ إذ قدَّمت الإدارة الأمريكية تبريرات متعددة ومتغيرة لبدء العملية، تراوحت بين استباق رد إيراني محتمل على الأصول الأمريكية، ودرء تهديد وشيك، وتدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، ومنع طهران من تطوير سلاح نووي، وصولا إلى تأمين موارد النفط أو حتى الدفع نحو تغيير النظام.
هذا التعدد في السرديات لا يعكس ارتباكا في التبرير فحسب، بل وينسف الشرط الأساسي الذي يقوم عليه المبدأ، وهو أن تتسم الحرب بهدف سياسي محدد وقابل للفهم. فحين تتكاثر الأسباب وتتعارض إلى هذا الحد، تفقد وظيفتها التفسيرية، وتتحول إلى ستار يواري غياب إجابة واضحة عن سؤال: "لماذا نحارب؟"، والأرجح في حالة كهذه أن ترمب لا يملك سببا إستراتيجيا متماسكا، بل قرارا اتُّخذ أولا، ثم جرى البحث له عن مبررات لاحقة.
"غاب الدعم الشعبي والدستوري عن حرب إيران، فالضربات تمت بغير تفويض من الكونغرس، دون تهديد وشيك يبرر لجوء الرئيس إلى القوة"
إضافة إلى ذلك، غاب الدعم الشعبي والدستوري عن هذه الحرب، فالضربات تمت دون تفويض من الكونغرس، رغم أن المادة الأولى من الدستور الأمريكي تمنح سلطة إعلان الحرب للسلطة التشريعية لا للرئيس. وفي هذا السياق، يشير مركز برينان للعدالة في جامعة نيويورك إلى أن ترمب تصرَّف "بشكل أحادي خارج إطار القانون"، في غياب تفويض تشريعي واضح أو تهديد وشيك يبرر اللجوء إلى القوة.
إعلان
وعندما طُرح داخل الكونغرس مشروع لتقييد العمليات العسكرية في إيران عبر تفعيل "قرار صلاحيات الحرب"، لم يمر بسبب اعتراض الجمهوريين في مجلس النواب. بل إن التباين لم يتوقف عند مستوى الإجراءات، بل امتد إلى توصيف الحدث نفسه؛ إذ نفى رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن تكون الولايات المتحدة في حالة حرب، واصفا ما يجري بأنه "عملية محدودة"، في حين كان ترمب يصفه صراحة بالحرب في خطاباته وتصريحاته.
أما على مستوى وجود إستراتيجية خروج واضحة، فقد كرر ترمب تعهده بعدم جرِّ واشنطن إلى صراع جديد في الشرق الأوسط، قبل أن يعلن عقب ضربات يونيو/حزيران 2025 أنه دمَّر البرنامج النووي وأن المهمة انتهت. لكن هذا الإعلان سرعان ما تراجع عمليا مع عودته في فبراير/شباط 2026 لتوسيع العمليات، واصفا إياها بأنها حملة ضخمة ومستمرة.
وفي حديث صحفي مطلع أبريل/نيسان الجاري، سُئل "ترمب" عمَّا إذا كان يتجه إلى إنهاء الحرب مع إيران أم إلى تصعيدها، فأجاب: "لا أعرف"، ما يعكس غياب بوصلة إستراتيجية واضحة، ويعني أن قرارات الحرب مفتوحة على كل الاحتمالات. هذا التقلُّب يكشف غياب تصور لليوم التالي؛ وهو ما عبَّر عنه حكيم جيفريز، زعيم الأقلية في مجلس النواب، حين أشار إلى أن الإدارة لم تطرح خطة تضمن عدم الانزلاق إلى حرب أبدية في الشرق الأوسط.
في الوقت ذاته، أتت محاولات تفريغ المؤسسة العسكرية من الخبرات، التي استمرت في خضم الحرب نفسها. ففي أبريل/نيسان 2026، أقال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث رئيس أركان الجيش الأمريكي راندي جورج، إلى جانب جنراليْن كبيريْن، في خطوة مفاجئة تزامنت مع تصاعد العمليات ضد إيران.
"لا توجد سابقة في التاريخ الأمريكي لإقالة هذا العدد من كبار القادة العسكريين دفعة واحدة"
بواسطة مارك كانسيان - مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية
غير أن هذه الإقالات لم تكن معزولة، بل امتدادا لنمط بدأ مبكرا؛ ففي فبراير/شباط 2025، وبعد أقل من شهر على تنصيب ترمب، أُقيل رئيس هيئة الأركان المشتركة إلى جانب خمسة من كبار قادة البنتاغون دفعة واحدة. وقد وصف الباحث مارك كانسيان، مستشار مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، هذه الخطوة بأنها "غير مسبوقة في نطاقها وغياب تفسيرها العلني"، مشيرا إلى أنه لا توجد سابقة في التاريخ الأمريكي لإقالة هذا العدد من كبار القادة العسكريين دفعة واحدة.
وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أشارت تقارير إلى أن هيغسيث أقال نحو 20 جنرالا وأدميرالا منذ بداية الولاية، كثير منهم لأسباب ذات طابع سياسي. ووفقا لتقارير صحفية، تركت هذه القرارات البنتاغون أمام فجوة واضحة في "الخبرة الجيلية"، وهي فجوة لا يمكن تعويضها سريعا، بل تحتاج سنوات لإعادة بنائها.
جنرالات من هوليوودلا يُعَدُّ هذا "الانحراف" عن القواعد سابقة معزولة، فقد شهدت الولايات المتحدة أكثر من لحظة جرى فيها تجاهل شروط "باول". ولعل المثال الأبرز يتمثل في غزو العراق عام 2003، حين تبنَّن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن فلسفة البصمة الخفيفة (أي الاعتماد على عدد محدود من الجنود، مع تكنولوجيا متفوقة وقوات محلية بدلا من الحشد الكبير)، والتي روَّج لها وزير الحرب آنذاك دونالد رامسفيلد، كما دخلت العراق دون فهم لطبيعة البلد المعقدة ودون امتلاك إستراتيجية خروج، فكانت النتيجة كارثية، حيث قُتل 4500 جندي، وأصيب 32 ألفًا، دون الإشارة إلى الخسائر الاقنصادية والسياسية والعسكرية الهائلة.
المفارقة هُنا أن كولن باول نفسه، صاحب مبدأ باول، والذي كان وزيرا للخارجية في إدارة جورج بوش الابن، دفع ثمن هذا الانحراف؛ حيث استخدم مصداقيته لتسويق أدلة معيبة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية أمام مجلس الأمن، وهو ما اعترف لاحقا بأنه وصمة في مسيرته.
"تصبح الحرب عند ترمب أقرب إلى منتج إعلامي، قابل للاختزال والتسويق في جملة حادة أو تغريدة"
يعني ذلك أن ترمب ليس استثناء في التمرُّد على البيروقراطية العسكرية الأمريكية، وليس هو الوحيد الذي سعى لتجاوز سلسلة الأسئلة والتدقيقات التي تسبق قرار إرسال الجنود إلى الحرب، فالتوتر بين السياسة والخبرة العسكرية قديم ومتكرر في التاريخ الأمريكي. لكن التحول النوعي في حالة ترمب هو أنه لا يتجاوز القيود انطلاقا من إستراتيجية بديلة أو قراءة مغايرة للواقع، بل عبر تقويض فكرة الخبرة نفسها، والتشكيك في ضرورتها. وفي هذا السياق، تصبح الحرب عنده أقرب إلى منتج إعلامي، قابل للاختزال والتسويق في جملة حادة أو تغريدة.
يرِد هذا التصوُّر بوضوح في كتاب "المُفرِّق: ترمب في البيت الأبيض"، للكاتبين بيتر بيكر وسوزان غلاسر، حيث يشيران إلى أن ترمب لا يتعامل مع الجيش بوصفه مؤسسة إستراتيجية، بقدر ما ينظر إليه كعنصر بصري يُعزِّز حضوره الرمزي. فبعد انتخابه في فترة ولايته الأولى، اتجه ترمب إلى حفل تنصيب يغلب عليه الطابع العسكري، وقائم على إبراز القوة الصلبة عبر الدبابات والمروحيات، بما يقارب في شكله نماذج الاستعراض السلطوي التي تُقدِّم الدولة عبر مشاهد القوة والانضباط، قائلا لمساعديه بوضوح: "لا أريد منصات عائمة، أريد دبابات ومروحيات، اجعلوه يبدو مثل كوريا الشمالية".
إعلان
ويرى الكاتبان أن هذا الطلب لم يكن مجرد تفضيل بروتولي، ولكنه مؤشر يعكس تجاهل وعدم تقدير التقاليد الديمقراطية، التي تتحاشى استعراض القوة العسكرية بهذا الشكل، بخلاف الأنظمة غير الديمقراطية التي تُوظِّف القوة العسكرية كأداة عرض سياسي.
" ترمب لا يتعامل مع الجيش بوصفه مؤسسة إستراتيجية، بقدر ما ينظر إليه كعنصر بصري يُعزِّز حضوره الرمزي"
ويمتد هذا المنطق إلى طريقة اختياره للقيادات العسكرية، وفق ما يورد الكاتبان، فقد تعامل معهم كما لو كان يجري "اختيار ممثلين" لعرض تلفزيوني؛ مُعلِّقا بأن شخصيات مثل جيمس ماتيس وجون كيلي تبدو وكأنها خارجة من استوديوهات هوليوود، في إشارة إلى إعجابه بمظهرهم وهيبتهم. ووفق هذا المنظور، لم يكن وجود الجنرالات حوله مجرد ضرورة مؤسسية، بل عنصرا بصريا يعزز صورته كقائد قوي، حتى بدوا أقرب إلى "إكسسوارات" سياسية. أما المفارقة، فهي أن علاقة ترمب بكلا الرجلين انتهت بخلافات حادة وتصريحات هجومية متبادلة بعد مغادرتهما الإدارة.
تكررت هذه النزعة في هوس ترمب بتنظيم أضخم عرض عسكري في تاريخ الولايات المتحدة، بعد حضوره احتفالات يوم الباستيل عام 2017، مطالبا باستبعاد الجنود الجرحى من المشهد، لأن حضورهم يكسر السردية البصرية التي تقوم على الكمال والقوة المطلقة، وهو المنطق الذي أثار صدمة داخل المؤسسة العسكرية.
هذه اللغة، التي تتفاخر بـ"جنرالات هوليووديون"، وتُصِرُّ على تصميم الواقع كما لو كان كادرا سينمائيا، تنطوي على بنية رمزية أعمق، حسبما يخلص الباحث آلين مندنهال؛ إذ يشير إلى أن ترمب ليس سياسيا يرتدي قناعا شعبويا فقط، بل طفرة سيميائية لشخصية "الكاوبوي الأمريكي" (راعي البقر)، تلك الأسطورة المؤسسة التي صاغتها هوليوود عبر قرن وترسَّبت في الوعي الجمعي على أنها معجم بصري ولغوي يُستدعى في لحظات القلق والاضطراب.
" ترمب ليس سياسيا يرتدي قناعا شعبويا فقط، بل طفرة سيميائية لشخصية الكاوبوي الأمريكي"
ويرى مندنهال أن الكاوبوي لم يظهر أبدا بوصفه بطلا نقيا، بل مفارقة متجسدة: فهو شهم ومتوحش، مهذب وسليط، خيِّر وعنيف، يفرض نسخته الخاصة من العدالة بشكل فوري، لا عبر مسار قانوني مُتدرِّج، ويتجاوز المؤسسة حين يراها قيدا على الفعل. ومن هذا المنظور، لا يبدو استبعاد الجنود الجرحى من العرض العسكري زلَّة بروتولية، بل تعبيرا مُتسقا مع هذه البنية الرمزية؛ إذ إن الجرح، في منطق الأسطورة، اعتراف بالكلفة، والكلفة تُقوِّض ادعاء الحسم النقي الذي يقوم عليه نموذج البطل.
وبالمعنى ذاته، تتحول تغريدات ترمب وخطاباته إلى امتداد لهذا النمط، فهي مبارزات لغوية سريعة، تُدار ضد الخصوم -وأحيانا الحلفاء- بهدف تحقيق الغلبة الرمزية وانتزاع تصفيق الجمهور، حتى لو جاء ذلك على حساب اللغة المنضبطة أو الأعراف السياسية.
ولا يمكن عزل هذه الممارسات عن سياق عملي أوسع تُستدعى فيه المؤسسة العسكرية. فالصورة التي يسعى ترمب إلى إنتاجها، تتسق مع ما يصفه جوناثان غاير، مدير برنامج أمريكا المستقلة في معهد الشؤون العالمية، بـ "دبلوماسية رعاة البقر"؛ أي الانتقال من منطق دولة المؤسسات إلى منطق الفعل الفردي السريع. وفي هذا الإطار، يُعاد تعريف دور الجيش من أداة تُدار عبر سلسلة طويلة من التقييمات العملياتية والتخطيط الإستراتيجي، إلى مورد رمزي يمكن استدعاؤه ضمن قرار مرتجل أو ضغط تفاوضي مباشر.
ويُقدِّم غاير مثالا على ذلك بحالة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين أُوكلت إليهما ملفات معقدة مثل غزة وأوكرانيا، رغم افتقارهما إلى الخبرة الدبلوماسية التقليدية. فهنا لم يظهر الدبلوماسي بوصفه جزءا من جهاز بيروقراطي يراكم المعرفة، بل كراعي بقر يعقد صفقات سريعة. وبالمثل، لا يُستدعى الجيش في خلفية هذه المفاوضات كجهاز مهني يضبط استخدام القوة، بل كورقة ضغط يمكن تحريكها ضمن منطق الحسم الفوري.
"عند ترمب أصبح العنف أداء رمزيا مُوَجَّها لجمهور يتجاوب معه ويصفق له ويُعجَب به"
في السياق ذاته، يستحضر جيروم غودفري، المتخصص في السياسة الأمريكية ومؤلف كتاب "لغة ترمب"، عبارة ذات دلالة منسوبة إلى الرئيس الأمريكي في أعقاب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في فبراير/شباط 2026، حيث قال: "أمسكت به قبل أن يمسك بي"، في صياغة تنتمي إلى منطق المبارزة المباشرة، وكأنها لحظة تفوُّق فردي يُحسَم فيها الصراع بالسرعة والدقة على غرار مبارزات رعاة البقر.
غير أن غودفري يرى أن ترمب لا يستدعي أسطورة راعي البقر فحسب، بل يُعيد تشكيلها على نحو مشوَّه؛ فبينما استخدم روؤساء أمريكيون سابقون الأساطير للاحتفاء بالجهد الجماعي أو تبرير مشروع سياسي أوسع، يوظفها ترمب في تمثيل الهيمنة الشخصية. وحيث كان أسلافه يربطون العنف بغاية تحوُّلية، مثل الدمقرطة أو إعادة تنظيم إقليمي أو حماية مصالح، يشير غودفري إلى أن ترمب يفرغ العنف من هذه الغايات، ليصبح دليلا قائما بذاته على القوة.
في هذه اللحظة، لا يعود العنف أداة تُقاس بنتائجها، بل أداء رمزيا مُوَجَّها لجمهور يتجاوب معه ويصفق له ويُعجَب به. فبعد عقود من الحروب المُعقَّدة الغامضة بالنسبة للناخب العادي، يُقدِّم الكاوبوي وعدا مغايرا، وهو الحرب البسيطة والمفهومة، التي لها بداية ونهاية حاسمة، وتُختزَل في ضربة سريعة وصورة واضحة. وهكذا، لا يُفسَّر صعود هذا النمط بوصفه انحرافا فرديا فحسب، بل استجابةً لطلب اجتماعي على القوة بوصفها مشهدا مفهوما، حتى لو جاء ذلك على حساب الإستراتيجية نفسها.
إقرأ المزيد


