الجزيرة.نت - 4/17/2026 1:09:05 AM - GMT (+3 )
لم تكن غزة الخارجة من حرب الثلاثين شهرا، ساحة من ساحات حرب الأربعين يوما، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. كان لديها ما يكفيها من قتل وتدمير وخراب واحتلال، وبما حال ويحول دون تلبيتها بما يعرف بنداء "وحدة الساحات"، والاستجابة لمطلب "تلازم المسارات". وتلكم هي أول هذه الحروب المتناسلة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والمؤكد أنها لن تكون خاتمتها.
لقد كان جليا منذ اليوم الأول لهذه الحرب، أن ثمة إرادة دولية- إقليمية، لم يكن الفلسطينيون بعيدين عنها، بـ"تحييد" القطاع، أو على نحو أدق، بـ"تجميد" الحال على ما كان عليه قبل 28 فبراير/شباط الماضي.
مع أن القاموس الإسرائيلي يكاد يخلو من كلمة "تجميد ومشتقاتها" أو "الستاتيكو"، فكل يوم في صراع الاحتلال مع شعب فلسطين، هو فرصة يتعين اغتنامها، قتلا وتدميرا وزحفا استيطانيا.
بقيت الحرب بمستوياتها الأدنى متواصلة على القطاع، واستمرت التعديات والانتهاكات في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتواصل الخنق الاقتصادي والمعيشي المضروب على جناحي الوطن المحتل.
تجمدت الاتصالات السياسية إلا بالقدر الذي يشي بأن ثمة "عملية سياسية" ما زالت على قيد الحياة، وتوقفت عقارب الساعة عند خواتيم المرحلة الأولى، ومفتتح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
غادرت غزة وقضية فلسطين، مربعات الاهتمام والضوء طيلة الأسابيع الماضية، ولولا حراك شعبي متضامن في عواصم الغرب ومدنه، وملاحق نشرات الأخبار على الشاشات الفضية، لما عرف أحد بما يجري في غزة، واستتباعا في القدس والضفة.
وهو الأمر الذي أثار قلقا متناميا في أوساط الفلسطينيين وأصدقائهم، من مغبة هبوط القضية الفلسطينية إلى أدنى سلم الأولويات الدولية، بعد أن كانت تصدرته، طوال عامي "الكارثة والبطولة": كارثة التطهير والإبادة والتهجير، وبطولة الصمود والثبات التي سطرها الشعب الفلسطيني ومقاومته.
إعلان
بين التحييد والتجميد
اليوم، يتنفس الإقليم والعالم الصعداء، بعد دخول هدنة الأسبوعين حيز التنفيذ، التي قيل إنها لن تقتصر على أطراف الحرب الرئيسية الثلاثة، بل ستشمل مختلف ساحات المواجهة، أو بمفردات إيران، مختلف "أطراف المحور"، وبالذات لبنان الذي تحول إلى ساحة حرب ضروس، استعادت بعضا من فصول حرب يونيو/تموز 2006، وحرب الـ66 يوما في العام 2024.
لم يؤتَ على ذكر غزة في مبادرتي "النقاط الـ 10 الإيرانية" و"النقاط الـ 15 الأمريكية" والتي اتفق الجانبان المتحاربان على أن تكون أرضية وإطارا لمفاوضات إسلام آباد التي تعثرت في جولتها الأولى 10 أبريل/نيسان الجاري، وينتظر العالم بفارغ الصبر، التئام جولتها الثانية خلال اليومين القادمين، على أمل إرساء دعائم سلام شامل ونهائي في الإقليم.
وطوال الشهرين الماضيين، لم يأت أحد على ذكر مبادرة ترمب ذات النقاط العشرين لمعالجة الوضع في غزة، والتي تحولت بعد وقت وجيز من صدورها، إلى قرار عن مجلس الأمن حمل الرقم (2803)، وغاب "مجلس السلام العالمي" عن التداول السياسي والإعلامي، رغم أن رئيسه، دونالد ترمب، شخصيا، وصفه بأنه أعظم إطار أنجبته البشرية وشهده التاريخ.
وبرغم توقعات بعض المراقبين والمحللين، بأن المجلس المذكور، سيكون له شأن في استعادة السلام على ضفتي الخليج العربي وما وراءهما، كون قادة ثلاثي الوساطة في هذه الحرب- باكستان، مصر، وتركيا- هم أعضاء مؤسسون في المجلس، فإنه ظل نسيا منسيا، وربما من منطلق: تحييد غزة وتجميد القضية الفلسطينية في هذه الحرب غير المسبوقة، لشدتها وقسوتها وشمولها.
ولولا لقاء من هنا، وتصريح من هناك، كان يجريه أو يدلي به، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لما سمع أحد بغزة وحربها وسلامها.
كانت كافة الأنظار متجهة صوب مكان آخر، وكل الرهانات ظلت معلقة على نتائج هذه الحرب والكيفية التي ستنتهي بها، وسط مناخات لم تعد خافية على أحد، بأن فائض القوة الأمريكية-الإسرائيلية وجنونها، لن يتركا لغزة وأهل فلسطين من خيار سوى القبول بمخرجات "الحل الإسرائيلي"، كما هي، بلا زيادة ولا نقصان.
في هذه المناخات، وعلى وقع حفلات الوعيد والتهديد المنفلتة من كل عقال، تقدم الممثل السامي لغزة في مجلس السلام- من كان يوما، موفدا أمميا إلى فلسطين- بورقة تحمل تصور المجلس للمرحلة الثانية من اتفاق أكتوبر/تشرين الأول المذكور.
هي ورقة تبدأ بنزع سلاح المقاومة، ولا تلحظ الانتهاكات والتعديات والخروقات الإسرائيلية لمقتضيات المرحلة الأولى ومندرجاتها، ومن دون حسم ولا جزم، بمسألة الانسحاب الإسرائيلي مما يزيد على نصف مساحة القطاع، ما عُد بنظري ونظر كثير من المراقبين، بمثابة استثمار في لحظة استعلاء الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي وغطرسته.
لم تفتح المعابر ولم يرفع الحصار ولم يتمكن الجرحى والمرضى من مغادرة القطاع لتلقي العلاج، أما "حكومة غزة التكنوقراطية"، فظلت بدورها عالقة مع العالقين، الممنوعين من دخول القطاع، "حكومة منفى" غير قادرة على مزاولة مهامها، ودائما بفعل "الفيتو" الإسرائيلي.
إعلان
أكثر من 750 فلسطينيا لقوا حتفهم في أشهر الهدنة الستة، وتوسع الاحتلال بزيادة لا تقل عن 5% من مساحة القطاع، متخطيا الخط الأصفر، ولم يسمح بدخول سوى أقل من 40% من المساعدات المقررة في الاتفاق المذكور، فيما عمليات الخطف والاعتقال ظلت على حالها، وعمدت السلطات الأمنية الإسرائيلية، إلى إطلاق العنان لمليشياتها العميلة لتستكمل ما بدأه جيشها "الأكثر أخلاقية في العالم". كل ذلك، لم يسترعِ انتباه السيد ملادينوف، الذي صب جل تركيزه على سلاح المقاومة، وعليه وحده.
لكن، يبدو من قراءة أولية لنتائج حرب الأربعين يوما على إيران، أن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن التوحش والهيمنة، وأن فلسطين وإن غابت عن آخر صولات الحرب وجولات السلام في الإقليم، ما زال بمقدورها أن تستحدث استدارة في المقاربات المطروحة حيالها.
وهي وإن لم تكن مدرجة كبند على جدول أعمال التفاوض في إسلام آباد، إلا أنها أرسلت ما يكفي من الرسائل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تلاه، بلغت كل أعمى وبصير، بأن لا سلام إقليميا ولا استقرار، من دون فلسطين، وأن أوهام القفز من فوقها لإنجاز سلام وتطبيع مع العرب والمسلمين، لن تعمر طويلا، لا سيما بعد بروز إرهاصات انكسار الموجة الفاشية- العنصرية العاتية، التي ظهرت بأبشع صورها في خطاب "صراع الحضارات وإبادتها".
مربع الشلل
حتى إشعار آخر، ستنشغل العواصم العربية والإقليمية، بإنجاز الانتقال من "هشاشة وقف النار" إلى "صلابة سلام نهائي وشامل"، وهي مهمة محفوفة بالكثير من الشكوك التحديات.
لكن التعويل على استئناف "ثلاثي الوساطة" مهامه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن خلفه الدور الذي يمكن أن تضطلع به مجموعة الثماني العربية الإسلامية، ما زال ممكنا، والرهان على نجاح الدبلوماسية الباكستانية، مدعومة من القاهرة وأنقرة في إنجاز هدنة الأسبوعين، فضلا عن قدرة الدوحة على نفض غبار الحرب التي فرضت عليها لاستئناف الدور الذي اشتهرت به، وأتقنته، يمكن أن يكون ذلك مفتاحا لاستئناف ما انقطع.
على أن الشرط الأول للبدء في هذه العملية، إنما يتمثل في مغادرة المنظومة السياسية الفلسطينية لحالة الشلل التي أصابتها طوال أسابيع الحرب، وهي حالة ضربت جناحي هذه المنظومة السلطة وحماس، وإن بأقدار متفاوتة وأشكال مختلفة.
وإذ تشتد الحاجة لموقف فلسطيني موحد، ولو على قاعدة "الحد الأدنى" من المشتركات، فإن الأمل بتحقيق ذلك، تراجع بعد الحرب بدل أن يتقدم.
ومن أسف فإن الأحداث الجسام التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحتى يومنا هذا، أسهمت في توسيع فجوات الخلاف بين الفلسطينيين، بدل أن تجسرها، ليبقى الرهان معقودا على ما يمكن أن يقوم به النشطاء الفلسطينيون وأصدقاؤهم، من أدوار لبلورة موقف فلسطيني مشترك، يتخطى "القطوعات" المؤسفة التي مر بها العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني.
في المقابل، لم تضيّع إسرائيل الوقت هباء، فلا شيء في حسابات الاحتلال يتقدم على أولوية ابتلاع الأرض وتهجير السكان، وتقويض أركان الكيانية الفلسطينية.
تحت جنح هذه الحرب، واصلت إسرائيل أعمال القتل والتدمير في غزة، وعملت على توسيع "الخط الأصفر"، ومأسسته كخط حدودي في القطاع المنكوب، وأطلقت العنان للمليشيات العميلة السائبة للقيام بأقذر المهام ضد المقاومة وشعبها، وحالت دون عودة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" إلى القطاع لمزاولة مهامها، وفرضت قيودا على أي دور للسلطة الفلسطينية في القطاع.
أما في الضفة الغربية، فتواصل الزحف الاستيطاني ليطرق أبواب المنطقة (أ) بعد أن مر على معظم المنطقة (ج) وأجزاء من المنطقة (ب)، واستمرت عربدة المليشيات الاستيطانية المدججة بالسلاح والكراهية، وضُربت أطواق من العزلة على مدينة القدس.
إعلان
وفي سابقة هي الأولى منذ احتلال 1967، سيتخذ "الكابينت" قرارا بإنشاء 34 مستوطنة دفعة واحدة، بعضها في عمق الضفة، وبعضها الآخر، وصل إلى أماكن لم يصلها الاستيطان في شمال الضفة من قبل.
ولعل أخطر ما مررته حكومة نتنياهو اليمينية الأكثر تطرفا، تحت غبار المعارك وقرع طبول الحرب: إغلاق المسجد الأقصى لستة أسابيع على التوالي، في أطول فترة إغلاق عرفها أولى القبلتين في تاريخه، وتمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
وفي كلتا الحالتين، مرت القرارات الإسرائيلية، بلا ثمن، فلا حراك جديا في الشارع الفلسطيني، ولا مواقف عربية أو إسلامية- دولية رادعة. وهو أمر استوقف الإسرائيليين مليا، وتدرسه حكومتهم بعناية، للتقرير بشأن خطواتها الاستعمارية التالية.
أما وقد صمتت المدافع الثقيلة على جبهة إيران على أقل تقدير، فقد آن الأوان لكي ينفض الفلسطينيون عن أنفسهم غبار الترك والنسيان، والمبادرة إلى مغادرة مربع الشلل، والسعي لإعادة وضع القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الدولي، والأهم من بوابة الصمود والثبات والمقاومة بمختلف أشكالها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


