قاليباف يناور ترمب.. هل تُدار تغريداته من واشنطن؟
الجزيرة.نت -

أثارت تغريدة نشرها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف موجة واسعة من التفاعل، بعدما خاطب الأمريكيين بالإنجليزية محذرا من ارتفاع أسعار الوقود، مرفقا منشوره بصورة لأسعار البنزين قرب البيت الأبيض.

غير أن الجدل لم يتوقف عند مضمون الرسالة، بل امتد إلى سؤال آخر.. من يدير هذا الحساب؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وحذر قاليباف المواطن الأمريكي من ارتفاع أسعار البنزين المتواصل في الولايات المتحدة بسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه إيران، مرفقا منشوره بصورة تبدو ملتقطة من خرائط غوغل لأسعار البنزين قرب البيت الأبيض.

وتأتي تغريدة قاليباف، التي شاهدها أكثر من 3 ملايين شخص، في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي فرض حصار على السفن القادمة والمتجهة إلى إيران، فيما اعتبرت طهران أن الإجراء “قرصنة بحرية”، مؤكدة تطبيق آلية دائمة للتحكم بمضيق هرمز "بحزم".

الجدل لم ينشأ من مضمون التغريدة وحده، بل من شكلها أيضا، فقد كُتبت بلغة إنجليزية موجهة مباشرة إلى الداخل الأمريكي، مع صورة محلية شديدة التحديد لمنطقة البيت الأبيض، وقياس الأسعار بوحدة "الغالون" الأمريكية.

وفي التغريدة نفسها، وضع معادلة رياضية (ΔO_BSOH>0 ⇒ f(f(O))>f(O)) والتي تعني أن أسعار النفط ستكون أسوأ بكثير نتيجة حصار هرمز (BSOH = Blockade Strait of Hormuz)؛ وأن هناك تأثيرا من الدرجة الأولى f(O)، وربما تأثير من الدرجة الثانية كبير، f(f(O)).

هذه العناصر دفعت ناشطين إلى التساؤل.. هل يُدار حساب قاليباف، أو جزء من محتواه، من خارج إيران أو بعقل يفهم تفاصيل الجمهور الأمريكي؟

وبحسب ناشطين، فإن التغريدة لا تعكس خطابا إيرانيا تقليديا، بل صيغت على ما يبدو خصيصا لتصيب نقطة ضعف سياسية معروفة في واشنطن وهي أسعار الوقود.

 تغريدة واحدة.. 3 مسارات

ردود الفعل على التغريدة اتجهت في ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول اقتصادي مرتبط بأسواق الطاقة، إذ تعامل محللون ومتابعون مع "المعادلة" الرياضية التي أرفقها قاليباف مع تغريدته بوصفها تحذيرا من أثر مركب على أسعار النفط والوقود، لا مجرد مزحة سياسية.

إعلان

ورأى مغردون أن تفسير معادلة قاليباف تشير إلى أن أي تعطيل للمضيق لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أولي في أسعار النفط، بل إلى موجات تضخم لاحقة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير نتيجة تفاعل الأسواق والمضاربات، فيما ذهبت تغريدات أخرى إلى تبسيط الرسالة باعتبارها "شفرة جيو-اقتصادية" أكثر منها خطابا دعائيا.

لوحة تعرض أسعار البنزين في واشنطن وسط تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (رويترز)

أما المسار الثاني فكان إعلاميا-رمزيا، إذ ركز على الصورة المرفقة أكثر من النص نفسه. فوسائل إعلام ومعلقون كثر توقفوا عند اختيار قاليباف صورة لأسعار البنزين حول البيت الأبيض تحديدا، وهو اختيار يعطي التغريدة طابعا "محليا" مقصودا.

فالرسالة بحسب معلقين ليست إلى الإيرانيين ولا حتى إلى الأسواق فحسب، بل إلى البيت الأبيض ذاته وإلى الناخب الأمريكي الذي يعرف أن البنزين قد يتحول بسرعة إلى سلعة انتخابية وعبء سياسي وقد أعادت صفحات إخبارية صياغة القصة باعتبارها "مكايدة مباشرة" لترمب من بوابة أسعار الوقود.

المسار الثالث، وهو الأهم سياسيا، يتعلق بالسؤال عن صاحب الصوت الحقيقي في هذا الحساب. فالاستنتاج الأكثر تماسكا هو أن التغريدة وحدها لا تثبت أن الحساب يدار من الخارج، لكنها تقدم مؤشرات قوية على أن محتوى الحساب يُكتب بعقلية ولغة موجهة إلى الخارج، وربما يشارك في صياغته مستشار أو فريق يفهم البيئة الأمريكية جيدا، سواء كان داخل إيران أو خارجها.

 من يكتب هذه المنشورات؟

ما لفت الانتباه في تعليقات وسائل التواصل على تغريدة قاليباف المثيرة للجدل أكثر من المحتوى ذاته، كان سؤالا تقنيا سياسيا أشعل جدلا واسعا، حيث رصد عدد من مستخدمي إكس أن حساب قاليباف يحمل علامة تشير إلى أنه يُستخدم عبر متجر تطبيقات آبل الأمريكي (US App Store).

حساب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على "إكس"

وهو ما دفع مارك دوبوفيتز، الرئيس التنفيذي لمنظمة "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD)، إلى التشكيك علنا: "قاليباف لا يكتب هذه المنشورات بنفسه" مضيفا أن "الرسائل محبوكة بدقة شديدة لجمهور أمريكي. ثمة شخص يفهم اللغة السياسية الأمريكية ويصيغها. هل هو مقيم في أمريكا؟ هل يساعد أمريكيون النظام؟".

وأشعل هذا التساؤل موجة من التكهنات في الفضاء الرقمي، وذهب بعض المعلقين إلى أن الأسلوب والمفردات والإيقاع في تغريدات قاليباف منذ الأيام الأولى للحرب كلها تشي بأن وراء الحساب فريقا إعلاميا محترفا يُتقن الخطاب الشعبوي الأمريكي، فيما تساءل آخرون عن احتمال أن يكون مستشارون إيرانيون من حاملي الجنسية المزدوجة هم من يصيغون هذا المحتوى.

غير أن التفسير التقني سرعان ما دحض الزاوية الأبسط من هذا الجدل، حيث ردّ المحلل التقني نيكيتا بير على هذه الاتهامات بالقول إن علامة متجر آبل الأمريكي لا تدل بالضرورة على الموقع الجغرافي لصاحب الحساب، بل قد تعكس إعدادات الجهاز، أو استخداما لمعرّف آبل مرتبط بالمنطقة الأمريكية، أو توجيها عبر شبكة (VPN)، ولا تثبت وجودا فعليا على الأراضي الأمريكية.

إعلان

تغريدات قاليباف.. حرب نفسية واقتصادية

ويرى متابعون أن تغريدات قاليباف شكلت نوعا من الحرب النفسية والاقتصادية، يسعى من خلالها إلى إظهار قدرة إيران على التأثير في الأسواق الأمريكية باستغلال نقاط الضغط الاقتصادية الحساسة.

ويصف المحللون هذا النهج بأنه "عمليات تأثير من الدرجة الأولى"، إذ يربط قاليباف الصراع العسكري بأسعار البنزين وتقلبات الأسواق، محولا حربا تدور على بُعد آلاف الأميال من الأمريكيين إلى واقع يومي ملموس للمواطن الأمريكي.

هذه التغريدة ليست حادثة معزولة، ففي 31 مارس/آذار الماضي، كتب قاليباف: "قرأتُ للتو عن أمريكيين يتخلّون عن بعض وجباتهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود. إنه لأمر مؤسف، لكن عندما يُفضّل قادتكم رغبات الآخرين على مصالح الشعب الأمريكي، فهذه النتائج حتمية. لم يعد الشعار أمريكا أولا، بل إسرائيل أولا".

وسطع نجم رئيس البرلمان الإيراني في الساحة السياسية الإيرانية والإقليمية منذ الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وعاد لواجهة السياسة الدولية أثناء ترؤسه الوفد الإيراني في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في محادثات وصفت بأنها الأعلى مستوى بين طهران وواشنطن منذ 1979.

وخاض قاليباف السباق الرئاسي في إيران مرتين من قبل، ولم يحالفه الحظ في أي منهما، وانسحب من محاولة ثالثة لتجنب تقسيم أصوات مؤيدة للمحافظين في البلاد، ثم عاد ورشح نفسه للانتخابات الرئاسية عام 2024.



إقرأ المزيد