الجزيرة.نت - 4/10/2026 6:47:03 PM - GMT (+3 )
"الحياة بعد سهام" وثائقي طويل من إخراج نمير عبد المسيح، عُرض لأول مرة عالميا في مهرجان كان السينمائي، قبل أن يواصل حضوره في عدد من المهرجانات، من بينها مهرجان الجونة. ينتمي الفيلم إلى موجة الوثائقيات العربية التي تشتغل بالسيرة الذاتية والعائلة، ويقدم تجربة شخصية تنطلق من فقد الأم.
يمتد الفيلم لنحو 76 دقيقة، وينتقل بين الحاضر والماضي، وبين صعيد مصر وفرنسا، وبعد جولته في المهرجانات الدولية والعربية، بدأ مؤخرا عروضه التجارية في مصر، في تجربة تظل نادرة نسبيا للأفلام الوثائقية، التي قلما تجد طريقها إلى العرض الجماهيري، مما يمنح العمل فرصة للاحتكاك المباشر مع جمهور أوسع خارج سياق المهرجانات.
فيلم "الحياة بعد سهام" امتداد واضح لمشروع المخرج السينمائي، ذلك المشروع الذي ينشغل منذ بداياته بالعائلة باعتبارها مادة أساسية للسرد، وليس فقط إطارا اجتماعيا له.
في أفلامه السابقة، اقترب المخرج من الأب في الفيلم القصير "أنت: وجيه"، ومن جذور العائلة، وعلاقته بهذا الإرث في فيلمه "العذراء والأقباط وأنا"، أما هنا فيتجه إلى الأم، الحلقة المكملة لهذا المشروع الأوسع.
"الحياة بعد سهام" ليس فيلما قائما بمفرده، بل هو فصل جديد داخل محاولة مستمرة لإعادة فهم الذات عبر العودة إلى العائلة. والمخرج لا يكتفي بتسجيل ما حدث، إنما يعيد ترتيب علاقته بوالدته، والنظر في ذكرياته معها، وفي الصور التي كوّنها عنها، وفي ما بقي منها بعد رحيلها، وتتحول السينما إلى أداة بحث، وكذلك وسيلة لتفكيك طبقات من الذاكرة لم تكن واضحة من قبل.
ما يمنح الفيلم بعده الأوسع هو قدرته على تجاوز هذه الخصوصية الشديدة، فعلى الرغم من أن الحكاية تنطلق من تجربة شخصية للغاية، فإنها سرعان ما تفتح على أسئلة عامة تتعلق بالفقد، وطبيعة العلاقات داخل العائلة، والطريقة التي نعيد بها فهم الماضي مع مرور الوقت.
إعلان
و"سهام" ليست مجرد أم رحلت عن الدنيا، بل هي نموذج لشخصية ذات تاريخ معقد وأحلام خائبة وقرارات مصيرية، وهي الصورة التي يتجاهلها العديد من الأبناء عندما يستعيدون أمهاتهم، ويضعونها في إطار الأمومة الضيق.
هذا التداخل بين الخاص والعام هو ما يمنح الفيلم قوته، إذ ينجح في تحويل تجربة فردية إلى نقطة انطلاق لتأمل أوسع في أفكار حساسة، مثل الصورة التي تتغير بها الذكريات، وكيف يعاد تشكيل الماضي كلما ابتعدنا عنه.
لا يسعى الفيلم في بنائه السردي إلى تقديم صورة نهائية، بل يظل مفتوحا على احتمالات متعددة، فهو كما يظهر من عنوانه يبحث عن الحياة بعد سهام الأم الراحلة. هذه الحياة لا يمكن حصرها في الشهور بعد وفاتها أو تاريخ محدود، بل هي مفتوحة كما هي الحياة بالضبط.
جيل يعيد تعريف العائلةيستخدم فيلم "الحياة بعد سهام" شكل الفيلم الوثائقي للاعتراف، إذ يبدو في الكثير من لحظاته أقرب إلى جلسات مواجهة شخصية، يحاول المخرج أثناءها تفكيك علاقته بوالدته والعائلة كلها، عبر العودة إلى الصور والذكريات وإعادة النظر فيها.
لا يقف المخرج في موقع المراقب المحايد، بل يصبح طرفا أساسيا داخل الحدث، حاضرا بنفسه أمام الكاميرا، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الفيلم الوثائقي نفسه: هل يفقد العمل موضوعيته حين يصبح صانعه جزءا من حكايته؟ أم أن هذه الذاتية هي ما يمنحه صدقه وقوته؟
هذا الطابع الاعترافي يرتبط بشكل مباشر بمحاولة تفكيك صورة العائلة التي يقدمها الفيلم، إذ لا يسعى إلى إعادة إنتاج نموذج مثالي أو حنيني، بل يكشف عن طبقات أكثر تعقيدا في العلاقات، بما تحمله من توترات وسوء فهم ومسافات غير مرئية.
العائلة في الفيلم هنا ليست مساحة للراحة، بل لإعادة القراءة والتفكير، وأبعد ما تكون عن استعادة عاطفية عادية. ومن ثم يبتعد "الحياة بعد سهام" عن الميلودراما التقليدية المرتبطة بفقد الأم، ويتجه بدلا من ذلك إلى طبيعة العلاقة وما تحمله من تناقضات.
يتقاطع هذا التفكيك مع بعد آخر لا يقل أهمية وحضورا، وهو تجربة الهجرة والهوية المزدوجة، فيتحرك الفيلم بسلاسة بين مصر وفرنسا، ليس في نطاق الانتقال الجغرافي المتوقع، بل لفهم كيف يعيش المخرج بين هذين العالمين والثقافتين والتجربتين.
ينتمي "الحياة بعد سهام" في ذلك إلى موجة من الأفلام الوثائقية التي تتخذ من الحياة الشخصية مادة أساسية لها، وهي موجة برزت بشكل واضح في السنوات الأخيرة، خاصة لدى جيل الألفية الذين ينشغلون بإعادة النظر في مفهوم العائلة ذاته، ولكن ليس باعتبارها كيانا ثابتا.
ويمكن هنا استحضار أفلام مثل "50 متر" و"أبو زعبل 89″، التي تشترك مع هذا الفيلم في الانطلاق من تجربة ذاتية، وتسعى إلى توسيع هذه التجربة لتلامس أسئلة أوسع.
في "50 متر" كما في "الحياة بعد سهام"، تصبح العلاقة المركزية مع الأب أو الأم مدخلا لفهم المخرجة أو المخرج لذواتهما، بينما يذهب "أبو زعبل 89" إلى ربط الخاص بالتاريخي، وتتحول الذاكرة الشخصية إلى وسيلة لقراءة حدث سياسي أوسع.
إعلان
"الحياة بعد سهام" فيلم وفيّ لخصوصيته الشديدة، ويفتح هذه الخصوصية على أسئلة مشتركة لدى كل شخص ينتمي لأب وأم، يكتشف بعد سنوات طويلة أنه لا يعرفهما كما ينبغي.
إقرأ المزيد


