الجزيرة.نت - 4/10/2026 6:46:54 PM - GMT (+3 )
مع تغير الفصول وارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة، نقوم نحن البشر بالتكيف مع الطقس من خلال الملابس، فنرتدي المعاطف الثقيلة أو نستخدم التدفئة عند تساقط الثلوج، أو نرتدي الملابس الخفيفة عند ارتفاع الحرارة.
ورغم محاولاتنا لتغيير شعورنا بالحرارة أو البرودة، تبقى درجة حرارة أجسامنا الداخلية ثابتة إلى حد كبير، لكن هناك بعض الحيوانات التي تتغير درجة حرارتها الداخلية مع درجة حرارة البيئة، بينما يغير البعض الآخر درجة حرارة جسمه فقط في أوقات معينة من السنة.
بغض النظر عن الطريقة، تتحكم كل الحيوانات في درجة حرارة أجسامها. بعضها يفعل ذلك داخليا، بينما يستخدم البعض الآخر البيئة المحيطة. وفي كلتا الحالتين، يبقى الحفاظ على نطاق درجة الحرارة المناسب أمرا حاسما لضمان البقاء.
تسمى الثدييات مثلنا كائنات داخلية الحرارة، لأنها تولد الحرارة عبر عمليات التمثيل الغذائي (الأيض) ووسائلها الداخلية، وتمتلك القدرة على تنظيم درجة حرارة أجسامها من الداخل بشكل مستقل عن البيئة الخارجية.
تُعرف هذه العملية باسم الاتزان الحراري، وتتحكم فيها منطقة صغيرة وحيوية في الدماغ تُعرف باسم تحت المهاد (الوطاء أو الهيبوثالاموس)، حيث يستقبل هذا الجزء من الدماغ معلومات من مختلف أجزاء الجسم، ثم يرسل الإشارات اللازمة لتنظيم الاستجابة الحرارية المناسبة.
بحسب نوع الثديي، توجد عدة آليات لتنظيم درجة حرارة الجسم. فالعديد من الحيوانات تعتمد على تبخير الماء عبر الغدد العرقية. أما الحيوانات المغطاة بالفرو فلديها قدرة محدودة على التعرق، ولذلك تعدل فروها من خلال تسطيحه أو نفشه للتحكم في العزل الحراري، أو تعتمد على اللهاث لزيادة التبخر عبر اللسان والفم والرئتين. وتعتمد الكلاب والقطط والخنازير على هذه الآلية في تنظيم حرارتها.
إعلان
وتتفادى الطيور فرط الحرارة من خلال اهتزاز الحلق، وهو آلية تبريد حيوي تشبه اللهاث عند الثدييات، حيث تهز الطيور عضلات الحلق بسرعة مع فتح الفم، ما يسمح بتبخر الرطوبة من الغشاء الحلقي. وتعد طيور الغاق والبجع والبوم من أبرز الأمثلة على استخدام هذه الآلية.
كما توجد استراتيجيات مختلفة للتعامل مع الطقس البارد. فالثدييات -مثل الدببة القطبية والفظ- تمتلك جلدا سميكا وطبقة من الشحم للحماية. وتستخدم أيضا القشعريرة (انتصاب الشعر) لتقليل فقدان الحرارة، حيث يؤدي ذلك إلى إبطاء تدفق الهواء فوق الجلد وتقليل تبديد الحرارة.
وهناك بعض أنواع الأسماك التي تكيفت مع درجات الحرارة المنخفضة من خلال تطوير بروتينات مضادة للتجمد، والتي تمنع الماء داخل الجسم من التجمد. وتوجد هذه الخاصية بشكل رئيسي لدى الأسماك التي تعيش في المياه الباردة، مثل المناطق القطبية الشمالية والجنوبية.
أما الحيوانات التي لا تستطيع إنتاج أو تخزين الحرارة داخل أجسامها، فتسمى كائنات خارجية الحرارة، لأنها تعتمد بشكل أساسي على مصادر حرارة خارجية مثل أشعة الشمس لتدفئة أجسامها، وتنظم درجة حرارتها سلوكيا بدلا من توليد الحرارة داخليا، وتتفاوت درجة حرارة أجسامها تبعا للبيئة.
بينما يمكن للكائنات داخلية الحرارة تحمل نطاق واسع من درجات الحرارة بفضل إنتاجها الداخلي للحرارة، فإن ذلك يستهلك طاقة تعادل نحو 10 أضعاف ما تحتاجه الكائنات خارجية الحرارة، لكنها تظل قادرة على البقاء في بيئات متنوعة والحفاظ على درجة حرارة أجسامها ضمن حدود معينة. فإذا ارتفعت درجة الحرارة الداخلية أكثر من اللازم، فإنها تُصاب بفرط الحرارة، أما الحالة المعاكسة، انخفاض الحرارة، فتحدث عندما يصبح الجسم شديد البرودة.
من ناحية أخرى، تتمتع الزواحف بميزة بسيطة، وهي القدرة على التنقل بين ضوء الشمس والظل، لتعديل درجة حرارة جسمها لتناسب الأنشطة الحيوية، وهو حل يتميز بمعدل أيض منخفض مقارنة بالثدييات والطيور، مما يسمح لها بالبقاء لفترات طويلة دون طعام. لكن هذه الطريقة تقيدها بالمناطق التي توفر الحرارة التي تحتاجها.
كما تلجأ بعض الحيوانات -مثل الخفافيش وطيور البطريق الإمبراطورية- إلى سلوك يُعرف بسرقة الحرارة أو التطفل الحراري، حيث تستفيد هذه الحيوانات من حرارة كائن آخر لرفع درجة حرارة جسمها أو الحفاظ عليها، بدلا من إنتاجها ذاتيا. وتتضمن هذه الاستراتيجية التجمع لتقليل فقدان الحرارة أو الاستفادة من جحور دافئة.
حدود التكيف الحراري مع البيئةتحافظ بعض الكائنات الحية -مثل البشر وعدد هائل من أنواع الثدييات والطيور- على درجة حرارة جسم داخلية مستقرة نسبيا بغض النظر عن تقلبات درجات الحرارة في البيئة المحيطة، وتُسمى حيوانات متساوية الحرارة، وتعتمد على آليات فسيولوجية وأيضية داخلية لتوليد الحرارة أو تبديدها.
ويسمى البعض الآخر من الكائنات -مثل بعض الثدييات الصغيرة والطيور- متغايرة الحرارة، لأن حرارة أجسامها تعتمد على حرارة الوسط الخارجي، حيث ترفع درجة حرارة أجسامها ومعدل أيضها أثناء النشاط وتخفضها بشكل كبير عند الراحة (السبات اليومي) لتتكيف مع درجة حرارة محيطها، كما هو الحال لدى الزواحف.
إعلان
وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن عددا أكبر بكثير من الحيوانات -مقارنة بما كان يُعتقد سابقا- يعتمد هذا النهج المرن المعروف بـ"تغاير الحرارة"، حيث تغير هذه الحيوانات درجة حرارة أجسامها على مدى دقائق أو ساعات أو حتى أسابيع لتتوافق مع البيئة المحيطة بها.
على سبيل المثال، بينما يكفي اختلاف درجتين مئويتين لقتل معظمنا، يسخن جسم الليمور القزم ذو الذيل الدهني ويبرد تبعا لدرجة حرارة الهواء الخارجي، حيث يمكن أن تتقلب درجة حرارته بنحو 25 درجة مئوية خلال يوم واحد فقط. ومع ذلك، لا يمكن لجميع الحيوانات أن تعتمد على هذا النهج، لأن معظمها يحتاج إلى الحفاظ على درجة حرارة ضمن حدود مناسبة لعمل وظائفها الحيوية بشكل سليم.
يعد الشكل الأكثر شهرة من تغاير الحرارة هو البيات الشتوي، حيث تدخل بعض الحيوانات في فترات طويلة مما يسميه العلماء "الخمول العميق"، يتباطأ خلالها معدل الأيض، وتنخفض درجة حرارة أجسامها إلى ما فوق درجة التجمد بقليل، ويقل نشاط دماغها، لتوفير الطاقة والبقاء عند ندرة الغذاء خلال فصول الشتاء الطويلة والباردة.
لكن البيات الشتوي ليس سوى طرف واحد مما يعتبره بعض العلماء الآن طيفا واسعا. إذ يمكن للعديد من الثدييات النجاة من الليالي الباردة عبر الدخول عند الحاجة في حالة تُعرف بالخمول المؤقت أو السطحي، تستطيع خلالها الاستيقاظ بسرعة، مع الحفاظ على انخفاض أقل حدة في معدل الأيض ودرجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب، وذلك للبقاء على قيد الحياة في الظروف القاسية أو في حالات نقص الغذاء أو الجفاف.
على سبيل المثال، توثق إحدى الدراسات أن الخفافيش الشرقية طويلة الأذنين تعدل استخدام الخمول تبعا للتغيرات اليومية في الظروف الجوية، إذ تقضي وقتا أطول في الخمول عند البرودة، وتدخل في هذه الحالة أيضا بوتيرة أكبر مع زيادة الرياح والأمطار، لما تسببه من ارتفاع استهلاك الطاقة وصعوبة العثور على الحشرات.
وأظهرت دراسة أخرى أن إناث الخفافيش الرمادية الحوامل تدخل في خمول خلال عواصف الربيع، مما يعلق الحمل مؤقتا، ويساعدها على اختيار توقيت الولادة في البيئات القاسية. بالمقابل، نادرا ما تلجأ السناجب الطائرة السكرية – وهي جرابيات ليلية صغيرة قادرة على الانزلاق بين الأشجار باستخدام غشاء جلدي – إلى الخمول، لكنها تلجأ إليه في حالات الطوارئ المناخية، حيث يمكن أن تنخفض حرارة أجسامها بنحو 15 درجة مئوية.
وبدلا من التبريد بالتبخر الذي قد يسبب الجفاف، تلجأ خفافيش مدغشقر ذات الأنف الورقي إلى الخمول، فتدخل في نوبات قصيرة قد تمتد حتى 7 ساعات في الحر الشديد، مما يخفض الأيض لأقل من 25% ويرفع حرارة الجسم إلى نحو 42.9 درجة مئوية.
كما أظهرت تجربة أن رفع حرارة جسم الأبوسوم ذيل الحلقة – وهو جرابي أسترالي صغير يعيش في الغابات والحدائق – بنحو 3 درجات خلال موجة حر يوفر نحو 10 غرامات من الماء في الساعة، وهو مقدار كبير لحيوان يقل وزنه عن 800 غرام.
التكيف لمواجهة المخاطرهذا الاستخدام المرن للخمول يمكن أن يساعد الكائنات متغايرة الحرارة على تجاوز الكوارث. ففي إحدى التجارب لاحظ الباحثون -استجابة لحادثة فيضان عرضية داخل المختبر- فترة غير معتادة من الخمول امتدت لعدة أيام لدى الفأر الشائك الذهبي، حيث انخفضت درجة حرارته إلى نحو 24 درجة مئوية.
قد تدفع تهديدات من نوع آخر، مثل الافتراس، بعض الحيوانات إلى الاختباء، فالزغبة المأكولة -وهي نوع من القوارض الصغيرة الشبيهة بالسنجاب- تدخل أحيانا في خمول طويل أوائل الصيف رغم اعتدال الحرارة ووفرة الغذاء، ويُرجح أنها تختار قضاء الليل في جحورها تجنبًا للبومات النشطة خلال هذه الفترة.
إعلان
وبطريقة مماثلة، تعدل الخفافيش آكلة الحشرات استخدام الخمول تبعا لمراحل القمر، حيث تقضي وقتا أطول فيه مع اكتماله لتجنب الرصد، بينما يقلل الدونارت ذو الذيل السمين -وهو جرابي لاحم صغير يشبه الفأر- نشاطه في البيئات الخطرة، وتصبح حرارة جسمه أكثر تقلبا لتوفير الماء والطاقة.
ورغم أن هذا النمط الحياتي القائم على تغاير الحرارة يمنح بعض الحيوانات هامشا من القدرة على التكيف مع تقلبات بيئاتها، فإنه من غير المرجح أن يعفيها من تحديات التغيرات المناخية المتسارعة التي تهدد الكثير من الحيوانات بالانقراض.
إقرأ المزيد


