قرار الأمم المتحدة بإدانة الرق.. انقسام دولي وتفاعل شعبي
الجزيرة.نت -

Published On 3/4/2026

يوم 25 مارس/آذار الماضي، شهدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لحظة وصفت بالتاريخية حين اعتمدت الدول الأعضاء قرارا يعتبر تجارة الرق بالأفارقة عبر الأطلسي "أفظع جريمة ارتكبت ضد الإنسانية".

لم يقتصر القرار -الذي تقدمت به غانا وحظي بدعم واسع من أفريقيا والكاريبي- على الإدانة الرمزية، بل دعا إلى خطوات عملية تشمل الاعتذار الرسمي، والتعويضات المالية، وإعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة. وقال رئيس غانا جون دراماني ماهاما أمام الجمعية العامة: "نجتمع اليوم بتضامن رصين لإقرار الحقيقة والسعي نحو طريق للشفاء والعدالة التعويضية".

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
مشهد التصويت.. بين التصفيق والانقسام

ورغم التصفيق الحار الذي رافق الإعلان، فإن التصويت كشف عن انقسام عميق في المجتمع الدولي، إذ عارضت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين القرار، بينما امتنعت عن التصويت 52 دولة، من بينها المملكة المتحدة وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. وقد أبرز هذا الموقف التباين بين الجنوب العالمي الذي يرى في التعويضات واجبا أخلاقيا وقانونيا، والشمال الغربي الذي يرفض تحويل الاعتراف إلى التزام مالي أو قانوني.

وقد وصف القرار الأممي الاتجار بالأفارقة واسترقاقهم بأنه جريمة ذات طابع منهجي طويل الأمد، لا تزال تداعياتها ماثلة في أشكال التمييز العنصري والفوارق الاقتصادية. كما نص على ضرورة تقديم اعتذارات رسمية من الدول المتورطة تاريخيا، والنظر في تعويضات مالية لدعم المجتمعات المتضررة، وإعادة الممتلكات والآثار المنهوبة.

بين رفض قانوني ودعوات للتصحيح التاريخي

من جهتهم، برر المعارضون للقرار موقفهم باعتبارات قانونية وسياسية، فقد أعلن السفير الأمريكي دان نيغريا أن واشنطن "لا تعترف بحق قانوني في التعويض عن أضرار تاريخية لم تكن مخالفة للقانون الدولي وقت وقوعها"، واصفا المطالبة بالتعويضات بأنها "محاولة انتهازية لإعادة توزيع الموارد الحديثة على أشخاص ودول مرتبطة ارتباطا بعيدا بضحايا التاريخ".

إعلان

أما السفير البريطاني جيمس كاريوكي فقال أمام الجمعية العامة: "لا ينبغي اعتبار أي مجموعة من الفظائع أكثر أو أقل أهمية من غيرها"، مؤكدا أن "تاريخ العبودية وتداعياته المدمرة يجب ألا ينسى"، لكنه رفض تحميل المؤسسات الحديثة مسؤولية جرائم الماضي. بدورها، رأت فرنسا أن القرار قد يفتح الباب أمام "تنافس بين المآسي التاريخية" ويخلق صعوبات قانونية جسيمة.

في المقابل، رحبت أفريقيا والكاريبي بالقرار باعتباره خطوة نحو الحقيقة. فقد وصفه الاتحاد الأفريقي بأنه "خطوة مهمة نحو العدالة"، في حين اعتبره رئيس لجنة تعويضات الكاريبي هيلاري بيكلز "نقطة تحول في الأمم المتحدة" قد توفر منصة أقوى لمتابعة إستراتيجية دبلوماسية منسقة.

أما مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (غرولاك)، فقد طالبت بالانتقال "من التذكر إلى العمل".

وعلى المستوى الشعبي، نقلت صحيفة "ميامي تايمز" الأمريكية عن ناديج أنيلكا، وهي مواطنة من المارتينيك انتقلت للعيش في بنين، قولها إن القرار "خبر مبهج"، مضيفة أنها تشعر بأن عودتها إلى أفريقيا كانت "رحلة التعويض الخاصة بها".

ورغم هذا التباين، أعلنت غانا أنها ستواصل التواصل مع الدول التي عارضت القرار أو امتنعت عن التصويت، في إطار مساعي توسيع قاعدة الدعم الدولي مستقبلا.

تمثال لأرقاء أفارقة عند مدخل النصب التذكاري الوطني للسلام والعدالة في مونتغمري، ألاباما (منظمة هيومن رايتس وتش)
خطوة أولى لا تكفي

يرى خبراء القانون أن القرار رغم أهميته غير ملزم، لكنه قد يمهد الطريق لطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية، وهو ما قد يغيّر قواعد النقاش الدبلوماسي. فقد نقلت صحيفة "أمستردام نيوز" عن البروفيسور جاستن هانسفورد من جامعة هوارد قوله إن القرار "أبعد خطوة وصلت إليها الأمم المتحدة في الاعتراف بهذه القضية"، مؤكدا: "لا أستطيع المبالغة في تقدير حجم هذه الخطوة"، لكنه أقر بأنها "تبقى بعيدة عن مطلب التعويضات الفعلية".

كما طالبت منظمة "أفريكان فيوتشرز لاب" -المهتمة بقضايا التعويضات عن عواقب الاستعمار في أفريقيا- المؤسسات المالية الدولية بمعالجة التفاوتات الهيكلية الموروثة من حقبة الاستخراج الاستعماري، ودعت إلى إدراج قضية التعويضات ضمن ملفات تمويل المناخ وإعادة الهيكلة الاقتصادية.

غير أنه وفقا لتحليل نشره موقع فرونت بايج أفريكا، فإن "قرار الجمعية العامة لا يلزم الدول بدفع التعويضات، لكنه قد يقوي الحجة أمام محكمة العدل الدولية".

مسارات مستقبلية.. بين خطة كاريكوم ورؤية الاتحاد الأفريقي

وحسب تحليل الموقع نفسه، فإن ثمة مسارين رئيسيين في النقاش حول ما بعد القرار: الأول هو خطة منظمة المجموعة الكاريبية (كاريكوم) ذات النقاط العشر للعدالة التعويضية، التي تحدد مطالب واضحة تشمل التعويض المالي والاعتذار الرسمي. أما الثاني فهو خطة الاتحاد الأفريقي للتعويضات (2026–2036)، الذي يطرح رؤية تنموية أوسع تعتبر التعويضات أداة للتحول الهيكلي، وليس مجرد اعتذار أو تعويض مالي.

العبودية في الولايات المتحدة القرن الـ17 (ويكيبيديا)
دلالة الانقسام.. العدالة بين الجنوب والشمال

يعكس القرار انقساما أعمق بين الجنوب الذي يرى التعويضات واجبا أخلاقيا وقانونيا، والشمال الذي يرفض إلزام نفسه ماليا رغم اعترافه بفداحة الجريمة. ويرى مراقبون أن رفض قرار غير ملزم يكشف إدراكا بأن هذه الخطوة قد تمثل بداية لمسار قانوني طويل نحو تحقيق العدالة التعويضية.

إعلان

وكما قال وزير خارجية غانا صامويل أبلاكوا: "العدالة لا تنتهي صلاحيتها بمرور الزمن".

المصدر: الأمم المتحدة + الصحافة الأفريقية + الصحافة الأميركية + منظمة هيومن رايتس ووتش



إقرأ المزيد