الجزيرة.نت - 3/31/2026 2:45:09 PM - GMT (+3 )
Published On 31/3/2026
شارِكْ
يشهد النظام الدولي اليوم لحظة اضطراب غير مسبوقة منذ عقود، مع تزايد النزاعات المسلحة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، وظهور نزعة جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية تميل نحو الحزم والانفراد.
ويرى كثيرون أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران -التي أقدمت عليها واشنطن دون تفويض من الأمم المتحدة أو تنسيق مع حلفائها- كشفت الستار عن عمق هذا التخلخل الهيكلي، إذ أظهرت تراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط الحروب وفرض التوازن بين قوى العالم بما يضمن العدل والمساءلة.
وعلى خلفية هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل القيادة العالمية: هل نحن أمام فراغ في السلطة الراشدة يستدعي البحث عن بديل؟ ومن قد يمتلك القدرة والرغبة على ملء هذا الفراغ؟
ويجيب الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، في مقال نشرته صحيفة غارديان البريطانية، بالإشارة بداية إلى أن حرب إيران هي آخر دليل على أن ميثاق الأمم المتحدة "بات حبرا على ورق".
ثم ينتقل ليطرح رؤية بديلة لعالم متعدد الأقطاب، لا تسيطر عليه القوى الكبرى باستخدام حق النقض (الفيتو)، ولا يكون فيه لـ5 دول (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) الحق بتقرير مصير البقية، بل يحكمه القانون الدولي والديمقراطية.
ويذهب مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إلى أبعد من ذلك، إذ يؤكد أن أزمة إيران كشفت أن العالم بحاجة إلى قائد جديد هو الصين، مشيرا إلى "مخطط من 5 خطوات" يمكن لبكين اتباعه للصعود لمركز العالم.
إصلاح الأمم المتحدةوتعود انتقادات لولا دا سيلفا لسطوة الدول الكبرى على النظام الدولي إلى ما قبل حرب إيران، إذ اتهم في شهر يناير/ كانون الثاني الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالسعي إلى أن يصبح "سيدا" لـ"أمم متحدة جديدة" عبر إنشاء مجلس السلام في غزة، وتوسيع دوره ليشمل النزاعات الدولية.
إعلان
وأكد حينها أهمية إجراء إصلاح شامل للأمم المتحدة يشمل زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
ويشير هذا التسلسل الزمني إلى أحد الأفكار الرئيسية في المقال، فالرئيس البرازيلي يرى أن "كل انتهاك للقانون الدولي يمهد الطريق للانتهاك الذي يليه".
ويضيف أن عجز مجلس الأمن الدولي أمام الأزمات في أفغانستان وإيران والعراق وليبيا وسوريا وأوكرانيا وغزة وفنزويلا، هو ما أدى إلى التهاون في كسر المحظورات، واستباحة المحرمات، وانتهاك الخطوط الحمر في القانون الدولي.
ووفق المقال، فإن القوى الكبرى اليوم أصبحت لا تكتفي بالعبث بمصير الملايين، بل حوّلت الفيتو إلى "درع وسلاح في آن واحد"، لتمارس قوتها دون الحاجة حتى إلى "ستار من الشرعية" الشكلية.
وفي هذا الصدد، أشار المقال إلى دراسة نشرتها مجلة "لانست" الطبية، تفيد بأن العقوبات الاقتصادية المفروضة دون دعم الأمم المتحدة تزيد من معدلات الوفيات في الدول المستهدفة، وكانت مسؤولة في المتوسط عن نحو نصف مليون حالة وفاة كل عام منذ السبعينيات.
القوة لا تحميويحذر لولا دا سيلفا من أن العالم يستبدل نظام الأمن الجماعي المتبادل -"على عيوبه"- بواقع "وحشي" ينعدم فيه الأمان كليا.
ويوضح أطروحته بالإشارة إلى أن العالم يعاني اليوم من أعلى معدل صراعات منذ الحرب العالمية الثانية، بسبب حكومات تقودها "الغطرسة" و"القوة". ومع كل صراع، يعشعش الحقد والألم في قلوب آلاف المتضررين، مما يؤدي بالنهاية إلى المزيد من العنف.
كما أن الأسلحة لا تحمي الاقتصادات -برأي الرئيس البرازيلي- بل تؤدي إلى انهيارها؛ فتقلبات أسعار النفط الناتجة عن حرب إيران يعني طاقة أغلى، والحصار بشكل عام يقيد التجارة، ونقص الأسمدة يرفع أسعار الغذاء ويغذي التضخم، مما يضيع فرص الاستثمار والوظائف.
ويخلص لولا دا سيلفا في مقاله إلى أن "العالم بلا قواعد هو عالم غير آمن"، وأن "العنف لا يمكن أن يحل محل الحوار"، داعيا إلى إصلاح الأمم المتحدة كي لا تبقى "مجرد متفرج" على الأزمات العالمية.
البديل الصينيبدوره بدأ أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا آدم توز مقاله بصحيفة فايننشال تايمز، بالتأكيد على أن حرب إيران كشفت فوضوية إستراتيجية الولايات المتحدة -القائد المفترض للعالم- وفشل مؤسساتها السياسية والإعلامية في محاسبة قيادة البلاد.
وفي المقابل، برأي الكاتب، تظهر الصين بصورة مستقرة تعززها خطتها الخمسية الخامسة عشرة، التي تواصل نهج النمو والتقدم الصناعي، وتحظى بترحيب الشركات العالمية. لكن السؤال الحاسم هو: كيف تستثمر بكين هذا الفراغ؟
ويقترح المقال 5 خطوات إستراتيجية قد تمكّن بكين من لعب دور القيادة العالمية.
- دعم الدول التي تواجه أزمات تمويل، وهي مهمة يسيرة على بكين بسبب فائضها التجاري الكبير.
- مشاركة نفوذها في مضيق هرمز لضمان استقرار الملاحة والطاقة، في إشارة إلى نفوذها المتنامي هناك.
- المساهمة بجزء من احتياطياتها النفطية ضمن آلية دولية لضمان استقرار أسعار الطاقة، بالتعاون مع كبار المنتجين.
- إطلاق مبادرة استثمار خضراء عالمية واسعة، تعزز الطلب على صناعاتها النظيفة وتجذب حتى الدول النفطية الباحثة عن طرق لتنويع مصادر الطاقة.
- الدفع نحو مفاوضات وقف إطلاق النار في أوكرانيا والخليج، وربط ذلك بتقييد صادرات المواد الحيوية للأطراف المتحاربة، مما يفرض ضغطا مباشرا حتى على القوى الكبرى.
ورغم أن هذه الخطوات -وخاصة الأخيرة- قد تُقابل بردود فعل وتصعيد، يرى المقال أنه حتى إذا اختارت الصين الانتظار، فإن مصداقية الولايات المتحدة تتآكل، بينما يتزايد اعتماد روسيا المعزولة دوليا على بكين، مما يجعل فرصة القيادة العالمية مفتوحة أمامها.
إعلان
في المحصلة، تكشف هذه التحولات عن عالم يقف عند مفترق طرق حاسم، وبين دعوات الإصلاح وصعود قوى جديدة، يبقى مستقبل النظام الدولي رهينا بقدرته على استعادة التوازن بين القوة والشرعية، وأهم اختبار لذلك الآن سيكون الحرب الإيرانية، فإما التفاوض والدبلوماسية، أو اندلاع حرب إقليمية لا يحمد عقباها.
إقرأ المزيد


