المعضلة الإستراتيجية التي تواجه دول الخليج اليوم
الجزيرة.نت -

مع اكتمال الشهر الأول على اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بات جليا أن هذا الصراع لا يسير وفق النماذج التقليدية للحروب بين الدول.

ما يتشكل أمامنا ليس نزاعا ثنائي الأطراف بعناوين واضحة، بل بنية صراعية متعددة المستويات تتداخل فيها الدول والفاعلون من غير الدول، وتنتقل جبهاتها عبر الحدود السيادية بصورة تجعل أدوات الردع الكلاسيكي أقل فاعلية مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة.

المتغير الأبرز في هذه المرحلة هو التوظيف الممنهج لشبكة الوكلاء الإيرانيين كأداة إستراتيجية للاستمرار في الصراع مع تخفيف تكاليفه السياسية والعسكرية المباشرة.

وقد اتضح هذا النمط تباعا: بدءا من لبنان، حيث مثل حزب الله الجبهة الأولى والأكثر تنظيما، مرورا بالفصائل المسلحة العراقية التي باتت تستهدف دول الخليج لأول مرة من أراضٍ عربية، وصولا إلى اليمن حيث تلوح جبهة حوثية لتكمل هذا القوس الجغرافي من التهديدات.

استمرار الحرب ودخول الوكلاء في المشهد كشف المعضلة الإستراتيجية التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي. فهذه الدول بنت موقفها على مبدأ راسخ يقضي بتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة مهما تصاعدت الاستفزازات، وهو مبدأ يعكس حسابات عقلانية دقيقة تأخذ في الاعتبار البنية الاقتصادية المعرضة للاهتزاز، وحجم الأصول التي باتت في دائرة الخطر.

غير أن الاستهداف المباشر لأراضيها من فصائل تعمل من داخل دولة عربية مجاورة يعرض هذا المبدأ لاختبار غير مسبوق.

فمن الناحية النظرية، كلما تكررت الضربات عبر الوكلاء وظل الرد مقيدا، تحول ضبط النفس من علامة رشد إستراتيجي إلى ما يفسَر على أنه انكشاف قابل للاستغلال. والأخطر أن هذا المنطق قد يدفع نحو تصعيد لم يكن خيارا أصيلا، بل محصلة لتراكم الضغوط.

توسع الجبهات من لبنان إلى العراق

إعلان

يمثل لبنان النموذج الأصلي لإستراتيجية الوكالة الإيرانية؛ إذ عمل حزب الله تاريخيا كذراع عسكرية ذات قدرات شبه نظامية توفر لطهران إمكانية الإسقاط العسكري على حدود إسرائيل الشمالية دون الدخول في مواجهة مباشرة. غير أن الشهر الأول من الحرب كشف أن هذا النموذج لم يعد قاصرا على الجبهة الشمالية، بل امتد جغرافيا نحو الخليج العربي.

الاستهداف الذي نفذته فصائل عراقية مسلحة بحق دول خليجية يمثل نقطة تحول نوعية في بنية الصراع لسببين جوهريين:

  • أولهما، أنه يُسقط لأول مرة دول الخليج من موقع المراقب الحذر إلى موقع الطرف المستهدف مباشرة.
  • وثانيهما، أن مصدر الاستهداف جاء من أرض عربية، مما يضيف طبقة من التعقيد السياسي والقانوني تجعل الرد أكثر إشكالية.

في إطار نظرية الوكالة في العلاقات الدولية، تعد هذه الإستراتيجية نموذجا متقدما لما يعرف بـ"الإنكار الموثوق" (Plausible Deniability)، إذ تحتفظ إيران بهامش إنكار مسؤوليتها المباشرة، بينما تتحقق أهدافها الإستراتيجية عبر وكلائها الميدانيين.

الجبهة اليمنية: تهديد يعيد رسم المعادلة

يظل اليمن المتغير الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالحوثيون يحتلون موقعا جيوستراتيجيا بالغ الأهمية يطل على مضيق باب المندب وخطوط الملاحة التجارية الدولية. أي توسع للجبهة اليمنية في سياق الصراع الراهن لن يعيد صياغة الضغط العسكري فحسب، بل قد يرتب تداعيات اقتصادية عالمية تتجاوز نطاق الإقليم بأسره.

وفي هذا السياق، حذر المتحدث العسكري باسم الحوثيين يوم الجمعة في بيان من أن الجماعة ستتدخل عسكريا في ظل ما وصفه بـ" العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران"، وأن اتساع رقعة الصراع في حال استمرار الحرب، سيعني انخراطا مباشرا فيها.

وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يتأخر كثيرا، بعد إعلان هيئة البث الإسرائيلية عن رصد هجوم صاروخي انطلق صباح اليوم من اليمن، ليعطي مؤشرات عن دخول الحوثيين فعليا إلى حلبة الصراع.

إن اندراج هذه الجبهة ضمن قوس الوكلاء الإيرانيين يعني أننا أمام منظومة تهديد متكاملة تمتد من البحر المتوسط حتى باب المندب، مما يجعل أي إستراتيجية أمنية تفتقر إلى هذا البعد الشامل قاصرة عن مواجهة المشهد الفعلي.

الاستنزاف الاقتصادي ورفع التكلفة

لا يمكن قراءة هذا الصراع بمعزل عن أبعاده الاقتصادية التي باتت تشكل ضغطا موازيا للضغط العسكري. فمنذ الأسابيع الأولى للمواجهة، ارتفعت أسعار النفط الخام استجابة لحالة انعدام اليقين في منطقة تضخ نحو ثلث احتياجات الطاقة العالمية.

وفي حين قد يبدو هذا الارتفاع مكسبا آنيا لدول الخليج المصدِرة، إلا أنه ينطوي على مخاطر هيكلية تتعلق بصعوبة ضمان استمرارية تدفق الصادرات في ظل تصاعد التهديدات.

الخطر الأشد إلحاحا يتمثل في أمن الممرات البحرية. فمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يبقى الأكثر عرضة للتداعيات المباشرة للصراع، فيما يشكل باب المندب نقطة ضغط إضافية إذا ما تحرك الحوثيون بصورة منسقة، وهو ما يجري الآن بالفعل.

الجمع بين هذين المضيقين في دائرة التوتر الواحدة سيناريو لم تختبره أسواق الطاقة الدولية من قبل، وتداعياته على أسعار التأمين البحري وسلاسل الإمداد العالمية ستكون عميقة وسريعة.

إعلان

على الصعيد الإقليمي، تواجه اقتصادات الخليج تحديا مركبا: فهي تسعى إلى استكمال مساراتها التنموية الطموحة في إطار رؤى التحديث الوطنية، في حين يستنزف الصراع رأس المال الاستثماري ويقيد تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.

سابقة تاريخية: حرب الناقلات ودروسها المستعادة

لفهم عمق المخاطر الاقتصادية الراهنة، لا بد من استحضار السابقة التاريخية المقاربة المتمثلة في حرب الناقلات (1981-1988)، التي اندلعت في خضم الحرب العراقية-الإيرانية وتحولت إلى أحد أكثر المواجهات البحرية دموية وتكلفة في العصر الحديث.

فقد شهدت تلك المرحلة استهداف نحو 451 ناقلة تجارية وسفينة، وإغراق ما يزيد على 223 ناقلة نفطية، ومقتل نحو 430 بحارا، وتراجعا بنسبة الربع في حركة الشحن التجاري عبر الخليج، إلى جانب ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتكاليف التأمين البحري.

أوجه التشابه مع المشهد الراهن لافتة للنظر؛ فكما لجأت إيران في الثمانينيات إلى استهداف الناقلات الكويتية والسعودية؛ ردا على دعمهما للعراق، تلجأ اليوم إلى وكلائها لاستهداف دول الخليج؛ ردا على موقفها من الصراع الدائر.

وكما أدت هجمات إيران البحرية آنذاك إلى تدويل الصراع، واستجرار التدخل العسكري الأمريكي لحماية الناقلات التي رفع بعضها الأعلام الأمريكية، فإن الضغط المتصاعد على خطوط الملاحة اليوم قد يفضي إلى ديناميات مشابهة، والدخول في صراع مستمر حتى لو انتهت الحرب الحالية كمعادلة صفرية.

غير أن ثمة فوارق جوهرية تجعل المشهد الراهن أكثر تعقيدا من سابقه. فحرب الناقلات في الثمانينيات جرت في سياق حرب بين دولتين بجبهة واحدة، في حين يضاف اليوم عامل الوكلاء المتعددين والجبهات المفتوحة، مما يضاعف نقاط الاشتعال المحتملة، ويقلص هامش التحكم في التصعيد.

فضلا عن ذلك، يمتلك الحوثيون في اليمن موقعا يطل على باب المندب في آنٍ واحد مع امتلاك طهران ورقة هرمز، وهو ما يشكل تهديدا مزدوجا لم تعرفه حرب الناقلات الأولى.

التحولات البنيوية في الصراع

بعد شهر من اندلاع هذه المواجهة، تتضح ملامح بنية صراعية تتميز بثلاث سمات جوهرية:

  • توزيع المسؤولية عبر شبكة وكلاء يصعب الاستهداف والمحاسبة.
  • وامتداد الجبهات جغرافيا لتشمل أراضي أطراف لم تختر الانخراط.
  • وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية بصورة تجعل تكاليف الصراع موزعة على نطاق أوسع مما تعكسه الخسائر الميدانية وحدها.

والدرس الأعمق الذي تمنحه حرب الناقلات في الثمانينيات هو أن الصراعات التي تبدأ بضربات انتقائية محدودة نادرا ما تبقى محدودة، وأن أسواق الطاقة والملاحة الدولية تدفع ثمنها قبل أن تُرفع الرايات البيضاء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد