لماذا لا تكفي القوة لفتح مضيق هرمز؟
الجزيرة.نت -

بين واقع ميداني معقد وسرديات سياسية متقلبة، تكشف تقارير أمريكية وتحليلات متخصصة أن المعركة على مضيق هرمز لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن على ترجمة قوتها العسكرية إلى سيطرة ميدانية، وسط فجوة متزايدة بين ما يُعلن وما يتحقق على الأرض.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحدث مرارا وتكرارا عن خيار نشر قواته في المضيق لحماية السفن النفطية والتجارية والسماح لها بالمرور، غير أنه لم يقدم على ذلك حتى الآن.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ومع تصريحاته المتذبذبة التي أربكت حلفاءه الأوروبيين، أعلن مجلس الدفاع الإيراني الإثنين أن المرور عبر المضيق مرهون بالتنسيق مع طهران، وصاحب ذلك تحذير من أن أي هجوم على السواحل أو الجزر الإيرانية سيقود إلى تلغيم مسارات الوصول في الخليج.

وأربكت هذه التصريحات الأسواق العالمية، إذ إنها أشارت إلى سيطرة إيران الفعلية على المضيق الحيوي، كما طرحت سؤالا أساسيا موجها أساسا إلى واشنطن: لماذا لم يُفتح المضيق بالقوة بعد؟ ويجيب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز على ذلك بتحليل 3 نقاط:

أولا: الجغرافيا مواتية لإيران

يشير التقرير إلى أن طبيعة مضيق هرمز الجغرافية تمنح إيران أفضلية إستراتيجية كبيرة؛ فالمضيق ضيق وضحل، مما يجبر السفن على المرور ضمن مسارات مائية محددة تقع بمحاذاة السواحل الإيرانية، مما يسهل استهدافها.

وأكدت الباحثة كايتلين تالمادج -وهي أستاذة متخصصة في قضايا أمن الخليج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- للصحيفة أن "الإيرانيين فكّروا كثيرا في كيفية استغلال الجغرافيا لصالحهم".

التضاريس الجبلية المطلة على المضيق تسمح للقوات الإيرانية بإخفاء الأسلحة في الكهوف والمرتفعات

وأضافت أن التضاريس المطلة على المضيق تسمح للقوات الإيرانية بإخفاء الأسلحة في الكهوف والمرتفعات، مما يمكنها من استهداف السفن أو أي قوات مارة.

بدورها أوضحت الضابطة السابقة في البحرية الأمريكية جينيفر باركر، التي تعمل حاليا باحثة في كلية الأمن القومي بجامعة أستراليا، أن قرب السفن الاضطراري من اليابسة يحد من سرعة استجابتها، إذ قد لا تمتلك سوى دقائق للتعامل مع أي هجوم، مما يزيد من صعوبة تأمين المرور.

خبراء أكدوا لنيويورك تايمز أن ترسانة إيران من صواريخ كروز المضادة السفن تشكل تهديدا قويا (أسوشيتد برس)
ثانيا: ذخيرة إيران مرنة

لفت التقرير إلى أن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة يجب أن تبدأ بتجريد إيران من قدرتها على مهاجمة السفن، فمنذ بدء الحرب استهدفت طهران ما يصل إلى 17 سفينة، وفقًا لشركة "كيبلر" المتخصصة في بيانات الملاحة البحرية.

إعلان

ولكن رغم آلاف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تنجح الحليفتان في القضاء على مقومات إيران العسكرية.

ويعود ذلك -وفق التقرير- إلى أن ترسانة طهران متنقلة ويصعب رصدها أو تدميرها بالكامل، وتشمل الطائرات المسيرة، والزوارق السريعة، وصواريخ كروز، والألغام البحرية "بالغة الخطورة".

"بطاريات الصواريخ الإيرانية متنقلة ومن الصعب العثور عليها واستهدافها"

بواسطة العقيد المتقاعد مارك كانسيان

وأكد العقيد المتقاعد مارك كانسيان أن "بطاريات الصواريخ الإيرانية متنقلة ومن الصعب العثور عليها واستهدافها"، مشيرا إلى أن خيار الضربات الجوية وحده لن يجرد طهران من مخالبها.

كما حذر الخبير في مركز التحليلات البحرية الأمريكي جوناثان شرودن من أن مجرد تهديد إيران باستخدام الألغام كفيل بأن يقلب الموازين بالكامل، ويبدد استقرار الأسواق النسبي الذي تهدف واشنطن للحفاظ عليه عبر التأكيد بأنها تملك زمام المواجهة.

ثالثا: مخاطر العمليات البرية

استعرض التقرير أيضا خيار نشر قوات مشاة البحرية لتنفيذ عمليات محدودة، مثل تأمين الجزر داخل المضيق أو نصب أنظمة دفاع جوي لحماية قوافل السفن، لكنه أكد أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة.

فبحسب خبراء، قد تضطر القوات الأمريكية إلى تجنب التوغل داخل الأراضي الإيرانية بسبب حجم وتعقيد القوات البرية الإيرانية، والاكتفاء بعمليات محدودة على جزر إستراتيجية.

أي خسائر بشرية أمريكية قد تغيّر مسار الحرب بالكامل

بواسطة الضابطة السابقة في البحرية الأمريكية جينيفر باركر

ومع ذلك، تظل هذه العمليات غير آمنة خصوصا في مناطق مثل جزيرة قشم التي تضم حضورا عسكريا إيرانيا قويا، بحسب التقرير.

وحذرت باركر من أن أي خسائر بشرية أمريكية قد تغيّر مسار الحرب بالكامل، قائلة إن "مقتل أو أسر القوات البرية سيغيّر ديناميكيات الحرب بشكل كامل".

سفن شحن بالقرب من مضيق هرمز، 11 مارس/آذار 2026 (رويترز)
محدودية الحلول العسكرية

وحتى في حال تنفيذ عمليات عسكرية واسعة وتأمين مرافقة للسفن، يبقى النجاح محدودا برأي الصحيفة. فالمرافقة البحرية تتطلب موارد ضخمة، ولا يمكنها حماية سوى عدد قليل من الناقلات في كل مرة، مقارنة بعشرات السفن التي كانت تعبر يوميا قبل الحرب.

الولايات المتحدة تدير أزمة مضيق هرمز عبر "السرديات" أكثر من إدارتها عبر الوقائع

ويكمن التحدي الحقيقي في إقناع شركات الشحن والتأمين بأن المخاطر المتربصة بالمضيق أصبحت مقبولة، وهو أمر من الصعب تحقيقه، لكنه الإستراتيجية التي تتبعها إدارة ترمب الآن، بحسب نيويورك تايمز.

وينتقد مقال نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية هذا النهج بشدة، قائلا إن الولايات المتحدة تدير أزمة مضيق هرمز عبر "السرديات" أكثر من إدارتها عبر الوقائع، مما أدى إلى فجوة مقلقة بين ما يُقال وما يحدث فعليا على الأرض.

السرديات أمام الواقع العسكري

وترى الكاتبة ميسون كفافي، مستشارة برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، أن واشنطن تحاول "فرض واقع غير قائم" عبر تصريحات توحي بسيطرتها على مضيق هرمز، مستندة إلى خطاب يركّز على قدراتها العسكرية وخطط مستقبلية لم تتحقق بعد على الأرض.

إعلان

هذه المقاربة، بحسب المقال، قد تنجح بمنح الأسواق انطباعا -وإن كان مؤقتا- بأن الأمور تحت السيطرة، لكنها لا يمكن أن تخفي الواقع على الأمد الطويل.

ولفتت الكاتبة هنا إلى محدودية القوة الأمريكية في إدارة الممرات الحيوية، فقد كشف مضيق هرمز أن امتلاك القوة أو مقومات الإنتاج النفطي لا يعني القدرة على ضمان تدفق الطاقة، إذ لم تنجح واشنطن رغم تفوقها العسكري على الورق من تأمين الملاحة بشكل فعلي.

وحذرت الكاتبة من عواقب ذلك على الأسواق العالمية التي لم تعد تتفاعل فقط مع الأحداث، بل مع مصداقية الرواية السياسية. فكلما تكررت تصريحات لا يدعمها الواقع، تراجعت ثقة الأسواق في الإشارات الأمريكية.

معضلة الولايات المتحدة الحقيقية مع المضيق ليست بسبب أنها "أخطأت في تقدير قدرات إيران، بل لأنها أخطأت في تقدير قدراتها الذاتية"

بواسطة الخبيرة ميسون كفافي

ويزيد من التقلبات تغير سياسات الإدارة الأمريكية تجاه الأزمة وعدم وجود إستراتيجية متماسكة تجاه إيران، فالتراجع عن مواقف سابقة، أو إطلاق تصريحات متناقضة حول الحرب أو التفاوض، يعكس غياب خطة واضحة لتحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة.

وخلصت الكاتبة إلى معضلة الولايات المتحدة الحقيقية مع المضيق ليست بسبب أنها "أخطأت في تقدير قدرات إيران، بل لأنها أخطأت في تقدير قدراتها الذاتية"، إذ افترضت خطأ أن كونها أكبر منتج للنفط في العالم يمنحها تلقائيا القدرة على فرض إرادتها على طرق التجارة العالمية.



إقرأ المزيد