صحافة المنصات لا المؤسسات.. كيف يعيد الشباب تفكيك مفهوم الخبر؟
الجزيرة.نت -

Published On 25/3/2026

شارِكْ

يواجه قطاع الإعلام اليوم تحولا بنيويا لم يسبق له مثيل، حيث كشفت دراسة استقصائية معمّقة لمعهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، عن تبدل جذري في خارطة استهلاك الأخبار لدى الأجيال الشابة (تحت سن 35 عاما).

وأكدت الدراسة أننا لم نعد أمام مجرد تغيير في الوسيلة، بل نحن بصدد إعادة تعريف كاملة لماهية الخبر، حيث انتقل الثقل من المؤسسات الإعلامية المرجعية ذات الإرث التاريخي إلى منصات الخوارزميات التي يحرّكها صُنّاع المحتوى والمؤثرون.

سقوط حراس البوابة

ويرى الباحثون في معهد رويترز أن من يسمون بالجيل الرقمي لم يعد يمارسون الطقوس الإخبارية التقليدية كزيارة المواقع الرسمية أو متابعة النشرات، بل يعتمدون بشكل كلي على ما يُعرف بـ"الاستهلاك العرضي" (Incidental Consumption)؛ وهي حالة يعثر فيها الشاب على الخبر بالصدفة أثناء تصفحه للمنصات مثل "تيك توك" أو "إنستغرام".

الشباب يعمدون بوعي تام إلى الابتعاد عن القصص الإخبارية التي تسبب لهم الإحباط أو الشعور بالعجز النفسي (شترستوك)

وبحسب الباحثين، فإن هذا النمط أدى تاريخيا إلى تآكل دور المحررين بوصفهم حراس البوابة (Gatekeepers)؛ أي أولئك الذين يمتلكون سلطة تقرير ما هو "مهم" للجمهور، وإلى انتقال هذه السلطة اليوم إلى "الوساطة الخوارزمية" (Algorithmic Mediation)، حيث تقوم برمجيات المنصات بتفصيل المحتوى وفقا لاهتمامات المستخدم الشخصية، مما يجعل الخبر مجرد قطعة واحدة في فسيفساء الترفيه اليومي.

ارتباك اقتصاد الانتباه وفخ تجنب الأخبار

وتوضح الدراسة أن الصحافة اليوم تخوض معركة شرسة في إطار ما يعر باقتصاد الانتباه (Attention Economy)، وهو مفهوم يرى أن وقت المستخدم هو السلعة الأغلى والأنفس.

وفي هذا السباق، يجد الشباب أنفسهم محاصرين بفيض من الأنباء الكارثية، مما دفعهم لتبني إستراتيجية دفاعية تُسمى "تجنب الأخبار الانتقائي" (Selective News Avoidance)؛ حيث يعمد الشاب بوعي تام إلى الابتعاد عن القصص الإخبارية التي تسبب له الإحباط أو الشعور بالعجز النفسي.

هذا الجيل يبحث عما يسميه "الشفافية الراديكالية"؛ فهم يفضلون الصحفي الذي يظهر بملابس غير رسمية ويتحدث بلغة مباشرة قريبة من لغتهم.

بواسطة معهد رويترز

ويشير تقرير معهد رويترز إلى أن غرف الأخبار التي تكتفي بنقل الأزمات كما هي تخسر هذا الجمهور لصالح ما يسمى "الصحافة البنّاءة" (Constructive Journalism)؛ وهو نهج يطالب به الشباب، لا يكتفي بعرض المشكلة بل يركز على "السياق والحلول"، ساعيا لتمكين القارئ بدلا من إغراقه في اليأس.

هيبة المؤسسة وأصالة الشخصية

ثمة تحول جوهري آخر رصدته دراسة معهد رويترز، وهو صعود "صحافة الشخصيات" (Personality-led News)؛ حيث يبني الشباب ثقتهم بناءً على "الأصالة" (Authenticity) والارتباط العاطفي بصانع المحتوى أو الصحفي الفرد، أكثر من ولائهم للعلامة التجارية لمؤسسة إعلامية ما.

إعلان

فهذا الجيل، بحسب دراسة رويترز، يبحث عما يسميه "الشفافية الراديكالية"؛ فهم يفضلون الصحفي الذي يظهر بملابس غير رسمية ويتحدث بلغة مباشرة قريبة من لغتهم، ويرون في "الرصانة المصطنعة" نوعا من الحواجز التي تحول دون فهم الحقيقة.

ويخلص المعهد إلى أن البقاء في هذا العصر يتطلب الانتقال من دور "المُملي للمعلومة" إلى دور "الميسّر" (Facilitator)؛ أي الصحفي الذي يساعد الجمهور على فك شفرات العالم المعقد، ويقدم له "المنفعة" والارتباط الاجتماعي عبر محتوى تفاعلي يتجاوز القوالب الجاهزة.

المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)



إقرأ المزيد