معضلة ممرات الإمداد.. كيف ترسم جغرافيا الفصائل بنك الأهداف بالعراق؟
الجزيرة.نت -

Published On 25/3/2026

شارِكْ

يتجه المشهد العسكري في العراق نحو مزيد من التعقيد مع تصاعد الاستهدافات التي تطال مواقع الفصائل المسلحة، في ظل تداخل جغرافي يربط بين مسارات الإمداد ومناطق الانتشار، ويعيد رسم خريطة الأهداف ضمن سياق الحرب الإقليمية الأوسع.

وتكشف التطورات الأخيرة عن تحوّل لافت في طبيعة الضربات، إذ لم تعد تقتصر على مواقع متفرقة، بل باتت تتركز على ممرات حيوية تشكل العمود الفقري للربط اللوجستي بين الفصائل داخل العراق وخارجه.

ويشير عبد القادر عراضة، عبر الشاشة التفاعلية على قناة الجزيرة، إلى أن أبرز هذه التطورات تمثل في استهداف المستوصف العسكري داخل قاعدة الحبانية غرب بغداد، مما أسفر عن مقتل 7 جنود عراقيين وإصابة 13 آخرين.

ويضيف أن هذه القاعدة، الواقعة على بعد نحو 90 كيلومترا من العاصمة، تعد من أبرز المواقع التي شهدت تصعيدا، في وقت تتزايد فيه الهجمات التي تطال مواقع الحشد الشعبي في مناطق متفرقة.

ويمتد نطاق الاستهدافات -وفق عراضة- إلى جرف الصخر في بابل، ومواقع في صلاح الدين بينها اللواء 15، إضافة إلى اللواء 31 في تكريت، فضلا عن ضربات في الموصل، بما يعكس اتساع رقعة العمليات.

ولا يقتصر التصعيد على الداخل العراقي، إذ طالت الضربات أيضا مطار أربيل، حيث تحدثت تقارير عن استهداف تموضعات للقوات الأمريكية، في مؤشر على ترابط الساحة العراقية مع مسار المواجهة الإقليمية.

وفي بغداد، تتواصل الضربات على مراكز الدعم اللوجستي في محيط المطار الدولي، إلى جانب قصف في منطقة السيدية، في حين برز استهداف قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي كأحد أبرز التطورات النوعية.

سياق أوسع

ويضع الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد الركن نضال أبو زيد هذه التطورات في سياق أوسع، موضحا أن قاعدة الحبانية تحولت من منشأة عسكرية تقليدية إلى مركز قيادة عمليات للفصائل في غرب العراق.

إعلان

ويشير إلى أن الفصائل المستهدفة تنتمي لما يعرف بـ"المليشيات الولائية"، التي أعادت تنظيم صفوفها مع اندلاع المواجهة مع إيران، ومن بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء ولواء أبو الفضل العباس.

وتكمن أهمية هذه الاستهدافات -بحسب أبو زيد- في أنها تتركز على ممر بري حيوي يمتد من ديالى مرورا بجرف الصخر وبغداد وصولا إلى الحدود العراقية السورية، وهو ما يعكس استهدافا مباشرا لبنية الإمداد.

ويضيف أن هذا "الكوريدور"، أو الممر، لم يكن مجرد خط انتشار، بل مسارا لوجستيا إستراتيجيا يربط بين الفصائل في العراق ونظيراتها في سوريا، ويؤمّن تدفق الدعم البشري والعسكري بين الجبهتين.

كما يشير إلى وجود ممر آخر يمتد من ديالى إلى الحبانية فالرمادي وصولا إلى البوكمال، وهو ما يعزز فرضية أن بنك الأهداف الحالي يُرسم وفق معادلة قطع الإمداد لا مجرد استهداف نقاط ثابتة.

حرية حركة

وفي تفسيره لتحليق الطيران الأمريكي على ارتفاعات منخفضة فوق هذه المناطق، يوضح أبو زيد أن ذلك يعكس إدراكا لغياب منظومات دفاع جوي فعالة لدى العراق، مما يمنح الطيران حرية حركة واسعة.

ويضيف أن ما تمتلكه الفصائل من مضادات طائرات لا يرقى إلى مستوى تهديد فعلي للطائرات الحربية، وهو ما يفسر نمط الطلعات الجوية المكشوفة نسبيا خلال الفترة الأخيرة.

وفي موازاة ذلك، تحاول الحكومة العراقية احتواء التصعيد، إذ تشير تصريحاتها الأخيرة إلى رغبة في ضبط المشهد الأمني ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة، رغم تصاعد وتيرة الضربات.

ويأتي ذلك في وقت تتقاطع فيه الضربات داخل العراق مع تطورات ميدانية أوسع، بينها تصعيد إيراني تجاه إسرائيل، حيث تشير المعطيات إلى اتجاه طهران نحو تقنين إطلاق الصواريخ.

ويرى أبو زيد أن هذا التقنين يعكس تحولا نحو "حرب استنزاف"، تقوم على ضربات محسوبة ومنخفضة الوتيرة، لكنها مستمرة، بما يحقق ضغطا طويل الأمد دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن العراق يتحول تدريجيا إلى ساحة مفصلية في هذه الإستراتيجية، حيث تتقاطع ممرات الإمداد مع خطوط النار، لتشكل الجغرافيا عاملا حاسما في تحديد مسار العمليات وبنك الأهداف.



إقرأ المزيد