من مصدّق إلى معركة هرمز.. 75 عاما من نار النفط بين طهران وواشنطن
الجزيرة.نت -

في كل مرة يتصاعد فيها الدخان فوق مياه الخليج، لا تبدو إيران كأنها تخوض معركة جديدة بقدر ما تبدو وكأنها تسترجع معركة قديمة لم تنتهِ قط.

فالحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا تُقرأ في طهران بوصفها مواجهة عسكرية عابرة، بل باعتبارها فصلا متأخرا من صراع بدأ قبل 75 عاما، حين قرر رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق أن ينتزع النفط من قبضة النفوذ البريطاني ويضعه تحت سيادة الدولة.

لهذا لا تمر ذكرى تأميم النفط في إيران، التي تحل في 20 مارس/آذار، كعطلة رسمية فقط، بل كاستدعاء لجرح تأسيسي في الذاكرة السياسية الإيرانية، أي جرح التدخل الخارجي، وإسقاط التجربة الديمقراطية، وربط الثروة الوطنية بإرادة القوى الكبرى.

وبينما تتسع اليوم رقعة الاشتباك، وباتت الحرب تستهدف المنشآت والممرات النفطية، يعود اسم مصدّق إلى الواجهة، لا بصفته رجل ماضٍ، بل باعتباره مفتاحا لفهم الحاضر.

إيران من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم (رويترز)
النفط بوصفه ولادة للسيادة

في ربيع عام 1951، لم يكن قرار تأميم النفط مجرد خطوة اقتصادية أو إدارية، بل إعلانا سياسيا مدويا بأن إيران تريد استعادة قرارها الوطني من يد شركة النفط الأنجلو-إيرانية، التي كانت تمثل في نظر الإيرانيين الوجه الأوضح للهيمنة البريطانية.

وتحول مصدّق سريعا إلى رمز شعبي واسع. لم يكن الرجل يتحدث فقط عن عائدات النفط، بل عن الكرامة الوطنية، وعن حق الإيرانيين في التحكم بثروتهم ومسار دولتهم.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النفط في إيران مادة خاما تُستخرج من الأرض، بل صار معنى سياديا كثيفا، تختلط فيه الثروة بالكرامة، والسياسة بالهوية.

لكن ما بدا في طهران فعل تحرر وطني، قرأته لندن وواشنطن بوصفه تهديدا لمصالحهما، وخصوصا في مناخ الحرب الباردة، حيث كانت كل حركة استقلالية في المنطقة تُفحص أيضا بمنظار الخوف من التمدد السوفياتي.

انقلاب 1953.. لحظة الجرح الكبير

لم يطل الوقت حتى جاء الرد. ففي أغسطس/آب 1953، أُطيح بحكومة مصدّق في عملية سرية دبرتها بريطانيا والولايات المتحدة، وعُرفت لاحقا باسم "أجاكس".

إعلان

وبهذا الانقلاب لم تخسر إيران رئيس حكومة فحسب، بل خسرت -في نظر كثير من الإيرانيين- فرصة بناء دولة حديثة مستقلة القرار.

ومنذ ذلك التاريخ ترسخت في الوعي الإيراني رواية لم تتزحزح، وهي أن واشنطن لم تُسقط رجلا، بل سحقت تجربة ديمقراطية كاملة لأنها اصطدمت بمصالحها النفطية والإستراتيجية.

ولهذا لم يعد تدخل 1953 مجرد واقعة تاريخية، بل صار أصلا نفسيا وسياسيا في تشكيل نظرة الإيرانيين إلى الولايات المتحدة.

هناك، بالتحديد، بدأت طبقات الكراهية والارتياب تتراكم. وهناك أيضا بدأت فكرة "الخيانة الخارجية" تترسخ في المخيال الإيراني الحديث.

الشاه.. النفط في خدمة القبضة الحديدية

بعد إسقاط مصدّق، عاد الشاه محمد رضا بهلوي أكثر التصاقا بواشنطن، وأكثر اعتمادا على النفط في تثبيت حكمه.

وتحولت عائدات الخام إلى ركيزة للنظام، كما تحوّل الدعم الأمريكي إلى مظلة سياسية وأمنية تحميه من خصوم الداخل.

ومع اتساع الفجوة بين ثراء الدولة وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، صار النفط في نظر كثير من الإيرانيين وقودا للاستبداد، لا فقط مصدرا للثروة.

وزاد من هذا الشعور ارتباط الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها "السافاك"، في الوعي الشعبي بالدعم التقني والسياسي الأمريكي، بحيث بدا القمع الداخلي امتدادا لتدخل خارجي طويل.

هكذا لم يعد الصراع مع واشنطن منفصلا عن طبيعة الحكم في الداخل. كان الاثنان، في المخيال الثوري لاحقا، وجهين لمعنى واحد، وهو الهيمنة.

الثورة والثأر المؤجل

حين انفجرت الثورة الإيرانية في 1978-1979، لم تكن مجرد انتفاضة على الشاه و"الفساد والاستبداد"، بل كانت أيضا انفجارا مؤجلا في وجه التاريخ الذي بدأ مع مصدّق.

كان انقلاب 1953 حاضرا بقوة في خطاب الثورة بوصفه اللحظة التي سُرقت فيها إيران من نفسها، وسُلّمت إلى حكم ملكي مدعوم من الخارج.

وحين اقتحم طلاب ثوريون السفارة الأمريكية في طهران بداية 1979 واحتجزوا دبلوماسيين أمريكيين، لم يكن ذلك، في نظرهم، فعلا منفصلا عن هذا السياق.

لقد رأوا في السفارة رمزا متجددا للدور الأمريكي في الانقلاب على مصدّق، بينما رأت واشنطن في الحادثة إهانة كبرى وقطيعة لا رجعة فيها.

منذ تلك اللحظة، لم تعد العلاقة بين البلدين علاقة نزاع سياسي قابل للاحتواء، بل صارت بنية صراع كاملة، عبارة عن ذاكرة مثقلة، وشعارات متوارثة، وخصومة تُغذّيها الأحداث كلما خفتت.

الحرب الحالية.. عودة الصراع إلى أصلِه

ما يجعل ذكرى التأميم هذا العام مختلفة هو أنها تأتي على وقع حرب مفتوحة، تعيد النفط مرة أخرى إلى قلب المواجهة.

فالصراع اليوم لا يدور فقط حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو أمن إسرائيل، بل يمس أيضا الشريان الذي بدأ عنده الخلاف أصلا، أي الطاقة، والسيادة، والتحكم بالممرات الحيوية.

في القراءة الإيرانية، لا تبدو الحرب الراهنة سوى حلقة جديدة في مسار طويل من محاولات إخضاع البلاد عبر النفط والعقوبات والعزل.

بيد أن الحرب ذهبت هذه المرة إلى أبعد من ذلك، إذ اشتعلت عند بوابة الطاقة نفسها "مضيق هرمز"، الذي أفضت المعارك إلى إغلاقه فعليا، فتحوّل من ممر تجاري إلى ساحة حرب، ومن شريان للنفط العالمي إلى عنوان لاختناق الأسواق وقلق العواصم.

إعلان

وفي المقابل، ترى واشنطن في إيران تهديدا دائما للملاحة الدولية، ولأمن حلفائها، وللاقتصاد العالمي الذي بدأ يلمس آثار الاضطراب في الأسعار والإمدادات والتأمين البحري.

هكذا لا تبدو الحرب الحالية مجرد نزاع طارئ، بل عودة صريحة إلى أصل الخصومة المتمثل في النفط، والسيادة، ومن يملك حق التحكم بالممر الإستراتيجي.

من ذاكرة المظلومية إلى تعبئة الحاضر

تعرف السلطة في إيران جيدا كيف تستثمر هذه الذاكرة. فحين تُستحضر قصة مصدّق والانقلاب عليه، لا يُراد فقط شرح الماضي، بل تعبئة الحاضر أيضا.

إذ يصبح من السهل ربط الحرب الجارية بسلسلة ممتدة من "الاستهداف الخارجي"، من شركة النفط الأنجلو-إيرانية، إلى انقلاب 1953، إلى دعم الشاه، إلى العقوبات، وصولا إلى المواجهة الحالية.

هذه السردية تمنح النظام قدرة على تحويل الصراع مع واشنطن إلى قضية سيادة وطنية، لا مجرد صراع سياسي مع قوة عظمى.

وفي بلد لا تزال فيه الذاكرة التاريخية فاعلة بقوة، فإن استدعاء مصدّق لا يبدو مجرد حنين، بل أداة تفسير وتحشيد وتحصين داخلي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يبدو العداء بين إيران والولايات المتحدة، في الوجدان الإيراني على الأقل، أزمة قابلة للتسوية السريعة، بل ثأرا تاريخيا مفتوحا.

النفط.. من رمز للتحرر إلى وقود للحرب

المفارقة القاسية أن النفط الذي مثّل قبل 75 عاما حلما بالتحرر الوطني، يعود اليوم ليكون أحد أخطر عناوين الحرب.

فما كان عند مصدّق مشروعا للسيادة، صار اليوم نقطة اشتعال إقليمية ودولية، تتداخل فيها الجغرافيا بالعسكرة، والاقتصاد بالانتقام، والذاكرة بالحسابات الإستراتيجية.

هكذا يبدو الشرق الأوسط وكأنه يدور في الحلقة نفسها: ثروة تحت الأرض، وقوى كبرى فوقها، ودول تحاول أن تنتزع حقها في القرار، فيما تتنازعها خرائط النفوذ والنار.

في الذكرى الـ75 لتأميم النفط، لا يحضر مصدّق بوصفه صورة في كتاب تاريخ، بل باعتباره شبحا سياسيا يخيّم على الحرب الحالية. فالرجل الذي أراد أن يجعل النفط عنوانا للاستقلال، يعود اسمه اليوم ليفسر لماذا لا ترى إيران في مواجهتها مع واشنطن نزاعا طارئا، بل استمرارا لحرب طويلة لم تخمد جذوتها منذ 1951.

وبين التأميم والحرب، تغيرت الأسماء والأنظمة والأسلحة، لكن العقدة بقيت كما هي، فالنفط في إيران ليس مجرد ثروة، بل ذاكرة وطنية، وجرح سيادة، ولغة صراع لا تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى الآن.



إقرأ المزيد