الجزيرة.نت - 3/15/2026 8:40:50 PM - GMT (+3 )
غزة- للمرة الأولى منذ وقت طويل، انخفض بشكل ملحوظ أزيز الطائرات المُسيّرة، المعروفة محليا باسم "الزنّانات"، في سماء قطاع غزة، فبدا ليل الخيام أخفّ وطأة وأكثر هدوءا.
فخلف جدران القماش والنايلون، التي تنقل أدنى همسة، التقطت الأجساد المنهكة المقيمة في الخيام هذا التبدل فورا، وظهر أثره في تفاصيل صغيرة لا يلحظها إلا من عاش في قلب الطنين المزمن: نوم أقل تقطعا، وسحور أكثر هدوءا، وأطفال وجدوا فسحة محدودة من الطمأنينة.
ولم يكن السكان بحاجة إلى خبراء إستراتيجيين لربط هذا الصمت النسبي، باشتعال الجبهات في إيران ولبنان منذ نحو أسبوعين، لكنهم لم يطمئنوا كثيرا إلى هذه السكينة، فهم يعرفون أنها ليست سوى استراحة عابرة في حرب لم يئنِ لها أن تضع أوزارها بعد.
ولا يعني انخفاض إزعاج الطائرات أن العدوان قد توقف، فالقصف وإطلاق النار متواصل، خاصة في المنطقة الصفراء التي تبتلع نحو نصف أراضي القطاع، كما أن غياب الطائرات ليس كاملا بل نسبيا، ويختلف بين مناطق شمال القطاع ووسطه وجنوبه.
داخل خيمة في مركز إيواء وسط مدينة غزة، تصف فاطمة صالح كيف باتت ليالي رمضان أكثر هدوءا بعد تراجع أصوات الطائرات المسيّرة، وتقول إنها لمست هذا التغيير منذ نحو أسبوعين، ومنذ ذلك الوقت، صار الليل أهدأ، وتراجع الخوف الذي كان يسبق النوم ويقطعه.
وتلفت إلى أن صوت "الزنانة" كان كافيا ليوقظ أبناءها أو يبقيهم في حال ترقب، لأنهم ربطوا بينه وبين احتمال القصف، ومع انخفاض التحليق، صار نومهم أكثر استقرارا، وأقل تقطعا من السابق.
أما المواطن عصام الداعور، فيختصر التغيير في تفاصيل يومية مباشرة: نوم أكثر راحة، وسحور أكثر هدوءا، وليالٍ أقل إنهاكا. وبالنسبة إليه، كان صوت "الزنانة" مزعجا جدا كأن "نحلة" تطن داخل الأذن، لا في السماء البعيدة.
إعلان
وفي بيت أدهم أبو شنب، كان الأثر أوضح على إخوته الصغار، فالأطفال، كما يروي، كانوا ينامون متأخرين بسبب الخوف من صوت الطيران، مما يجعل إيقاظهم للسحور أمرا شاقا.
وبالنسبة إلى إيناس غباين، لم يظهر الفرق في النوم وحده، بل في سلوك الأطفال أيضا، فبعد أن كانت "الزنانة" تلازم السماء على مدار الساعة، ويستيقظ الأولاد ليلا وهم يصرخون من الخوف، صاروا الآن أكثر هدوءا، وأصبح بإمكانهم التوجه إلى الحمام الخارجي، أو الخروج لشراء حاجات بسيطة، من دون القدر السابق من الرهبة.
وفي السياق ذاته، تصف ابتسام الهواري كيف كانت الطائرات المسيّرة "تشارك العائلة يومها وليلها"، ففي الخيام التي تفتقر إلى أدنى مقومات العزل الصوتي، يخترق الأزيز جدران الخيام ويتلف الأعصاب.
وتقول ابتسام للجزيرة نت "كنا نعيش في حالة ضغط دائم، لا يسمع أحدنا الآخر، كانت الزنانة تعيش معنا داخل الخيمة، لا يفصلنا عنها شيء، لكننا الآن نشعر براحة كبيرة، ونتمنى أن تستمر".
أذى نفسيوانتقل الحديث عن "تراجع ضجيج الزنانات" لمواقع التواصل الاجتماعي، فكتب عاصم النبيه، الصحفي والناطق السابق باسم بلدية غزة، على حسابه في فيسبوك، ملاحظا أن تحليق طائرات الاستطلاع والمسيّرات انخفض بوضوح في أجواء قطاع غزة، مع اتساع المواجهة على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.
وفي تفسيره لهذا الانخفاض، يطرح النبيه أكثر من احتمال، أهمها أن القدرات الإسرائيلية باتت موزعة على ساحات متعددة، بحيث لم تعد غزة تستأثر بالحجم نفسه من الموارد الجوية، رغم استمرار أهميتها.
ولا يقف أثر أزيز الطائرات عند حدود الإزعاج، بل يترك بصمة عميقة في الصحة النفسية للسكان، فصوت الطائرات المسيّرة لا يُسمع، في نظر كثيرين، كضوضاء عابرة، بل كإشارة إنذار دائمة تستدعي معنى الخطر والاستهداف المحتمل.
ويقول الدكتور أسامة عماد، استشاري الصحة النفسية، للجزيرة نت إن هذه الأصوات تمثل شكلا من التعرض المستمر للخطر، بما يرافقه من توتر دائم وقلق وحالة ترقّب، كما تولّد شعورا بالعجز وفقدان السيطرة، وتُبقي الإنسان في إحساس بأنه مكشوف وغير قادر على حماية نفسه.
ولا يقتصر الأثر على الجانب النفسي، إذ قد يقترن استمرار التعرض للصوت لساعات طويلة بأعراض جسدية، مثل خفقان القلب، والصداع، وتقلص العضلات، واضطرابات الهضم، وفقدان الشهية.
وتكون الآثار أشد على الأطفال، وقد تشمل اضطرابات النوم، والكوابيس، والخوف الشديد، والتبول اللاإرادي، وصعوبات التركيز والنطق، وازدياد السلوك العدواني لدى الأطفال.
فرصة للاستشفاء النفسيويرى عماد أن التراجع النسبي والمؤقت في تحليق الطيران المسيّر وانخفاض الضجيج يتيحان فرصة للاستشفاء واكتشاف الأعراض الناجمة عنه، مبينا أن انخفاض الأصوات يمنح الجهاز العصبي راحة مؤقتة من حالة الاستنفار، ويخفف بعض التوتر النفسي والجسدي، ويحسّن النوم بدرجة محدودة، من دون أن يمحو الصدمة.
ويضيف أن هذا الهدوء النسبي قد يساعد على ملاحظة آثار، مثل اضطرابات النوم والخوف والتبول اللاإرادي لدى الأطفال، بما يتيح فرصة أفضل للانتباه إلى المشكلة.
إعلان
لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني التعافي، لأن الأعراض الحادة أو الراسخة تظل بحاجة إلى تدخل طبي وخطة علاجية.
أما إذا عاد أزيز الطائرات إلى سابق عهده -بحسب الاختصاصي الفلسطيني- فقد يعود الجهاز العصبي إلى حالة الترقب والتأهب، مع احتمال عودة أو تفاقم أعراض مثل خفقان القلب، والهلع، واضطرابات النوم، والقلق والإحباط، إلى جانب آثار أشد على الأطفال في السلوك والتعلم والتركيز.
لا يقتصر الأذى الذي تسببه المسيّرات في غزة، في نظر حقوقيين، على القلق والأرق والصداع، بل يمتد إلى ما يُعدّ انتهاكا جماعيا لحقوق المدنيين وكرامتهم.
ويرى المحامي علاء السكافي، المدير التنفيذي لمؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في قطاع غزة، أن استخدام هذه الطائرات يثير إشكالا قانونيا وحقوقيا واضحا، لأنها لم تعد، بحسب وصفه، مجرد وسيلة استطلاع، بل تحولت في طريقة استخدامها إلى أداة قتل مباشرة، وغير مباشرة من خلال ما تسببه من أذى نفسي.
ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أن الضرر لا يقتصر على القتل، إذ إن الصوت المزعج المتواصل على مدار الساعة "يشكل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، ويخلّف أثرا عميقا في حياة الناس، إلى حد تعذر السماع أحيانا بسبب شدة الضجيج".
وبحسب السكافي، فإن هذا الاستخدام، بما ينطوي عليه من إزعاج دائم وترويع نفسي، يتعارض مع القيم التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، لا سيما حين يُستخدم الضجيج لإبقاء مجتمع كامل في حالة رهبة أو للضغط النفسي عليه.
ورغم انخفاض تحليق الطائرات، هذه الأيام بسبب انشغال إسرائيل بالحرب على الجبهة اللبنانية والإيرانية، فإن السكافي يشدد على أن الاحتلال يواصل عدوانه بقصف الأماكن المدنية، وقتل الأبرياء.
"مختبر مفتوح"وخلص تقرير أعدته "وكالة سند" للتحقق الإخباري التابعة لشبكة الجزيرة إلى أن إسرائيل حوّلت غزة بعد الحرب إلى مختبر مفتوح لاختبار الطائرات المسيّرة واستخدامها في القتل والمراقبة والاستهداف، ثم تسويقها عالميا بوصفها مجرّبة قتاليا.
ويقول التقرير إن قطاع صناعة المسيرات في إسرائيل بات يضم 30 شركة تنتج 93 طرازا، ويشمل طائرات استطلاع، وهجومية، وانتحارية، وطائرات إقلاع عمودي.
كما رصد اختبار 15 طرازا على الأقل من إنتاج 9 شركات داخل غزة، بما في ذلك مسيّرات هجومية ومدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويوثق التقرير الأثر النفسي لهذه المسيّرات، عبر الطنين الدائم الذي يفرض الخوف والضغط على السكان.
إقرأ المزيد


