ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة
الجزيرة.نت -

قد تتمثل أزمة نقص إمدادات البترول أو الغاز الطبيعي للشخص العادي في صعوبة النقل والوصول للعمل أو المدرسة، وقد تظهر في نقص القدرة على إنتاج المواد الغذائية، التي تحتاج إلى طاقة لنقلها وتعبئتها وما شابه.

لكن السينما نظرت إليها بشكل أكثر عمقا وشمولا، ورأت أنها قد تؤدي إلى انهيار مجتمعات بكاملها، وحللت الروابط والبنية الاجتماعية، وفي الخيال السينمائي قد يرتد الإنسان -بسبب نقص إمدادات الطاقة- مئة عام إلى الوراء أو أكثر.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

قدم صناع الأفلام عددا كبيرا للتحذير من كابوس نقص الوقود في العالم، جاء بعضها إثر القرار العربي بقطع إمدادات البترول عن الغرب، تضامنا مع مصر، في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، لكن ذلك الكابوس العالمي لم يغب عن خيال السينمائيين بعد ذلك أبدا.

كانت البداية عام 1973، بعد حرب أكتوبر بأشهر بسيطة، حين عرض فيلم "نقل من آيداهو" (Idaho Transfer)، الذي جاء تعبيرا عن ذلك القلق من نقص الموارد وبحثا عن حلول جذرية بالسفر إلى المستقبل.

وقدم فيلم "ماكس المجنون" (Mad Max) عام 1979 زاوية انهيار النظام المجتمعي، وتحول الطرق السريعة إلى كمائن، وظهور أحقاد وصراعات تتجاوز قدرة القواعد والقوانين على الاحتمال.

وبدا القلق الفلسفي واضحا في فيلم "الشروق الأخير" (The Last Sunrise) عام 2019، إذ قاربت الشمس، التي تعد المصدر الأساسي للطاقة، على الأفول، وبدا الفيلم ضوءا أحمرا ينذر بنهاية العالم.

وكان الأكثر قربا من واقع المجتمعات هو فيلم "غاز" (Gas) عام 1981، الذي يصور أزمة الحياة اليومية في ظل نقص البترول والغاز.

وفي عالم الوثائقيات، يروي فيلم "رحلة الطاقة" (Power Trip) قصة حقيقية دارت أحداثها في دولة جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن العشرين، عندما وجدت البلاد نفسها في مواجهة أزمة طاقة حادة شلت الحياة اليومية.

إعلان

عبر خمسة أعمال سينمائية، صورت الأفلام عالما كابوسيا بلا طاقة، ظهر في صورة غابة، أو عالم بدائي يعيش مرحلة ما بعد الكارثة، أو بقايا مجتمعات تبحث عن كواكب أخرى.

ظلال البترول العربي

تدور أحداث قصة فيلم "نقل من آيداهو" (Idaho Transfer)، للمخرج بيتر فوندا، في المستقبل القريب، الذي يشهد أزمة بيئية هائلة نتجت عن استنزاف الموارد الطبيعية. وينجح عالم شاب في ابتكار جهاز للسفر عبر الزمن، لكنه يكتشف أنه لن ينجح في استخدامه إلا المراهقون ذوي الصحة الجيدة. وبالفعل يشكل فريقا منهم ويرسلهم إلى المستقبل لمعرفة مصير البشرية بعد عقود من التدهور البيئي ونقص الموارد.

ملصق فيلم نقل من آيداهو (آي أم دي بي)

يسافر الفريق إلى المستقبل ليجد عالما مختلفا تماما؛ إذ تختلف الطبيعة، ويقل عدد السكان، وتبدو الحضارة وكأنها انتهت بالفعل. لا تسير التجربة كما تم التخطيط لها، ويكتشف المسافرون أن العودة إلى الماضي صارت ضربا من المستحيل، ومع تصاعد التوتر داخل المجموعة يحاولون فهم ما حدث للعالم والتكيف مع بيئة غريبة.

والتقط النقد الخيط سريعا بعد عرض الفيلم، إذ ربطه النقد الكلاسيكي بالقلق من نفاد الموارد وأزمة الطاقة التي ظهرت بعد المقاطعة العربية.

وقد وصفت "موسوعة الخيال العلمي" (The Encyclopedia of Science Fiction) العمل بأنه انعكاس لقلق عصره، وقالت إنه "يعكس مخاوف السبعينيات من استنزاف الموارد الطبيعية وتدهور البيئة".

رأى الباحث زخاري فروهلينغ أن الفيلم يطرح سؤالا مباشرا عن مستقبل الحضارة في ظل استنزاف الطاقة، وكتب أن الفيلم "يتعامل صراحة مع سؤال: ماذا سنفعل عندما ينفد الوقود الأحفوري الذي يعتمد عليه مجتمعنا؟"، معتبرا أنه انعكاس ثقافي لصدمة أزمة النفط في السبعينيات.

الحياة اليومية ورحلة العذاب

يقدم المخرج الكندي لي روس في فيلم "غاز" (Gas)، قصة تدور أحداثها في بلدة صغيرة تقع في غرب الولايات المتحدة، أثناء أزمة الوقود في نهاية السبعينيات. يبدأ المخرج عمله بمشهد صريح ومباشر لطوابير طويلة تتراص أمام محطات البنزين وبسائقين ينتظرون حصتهم المحدودة من الوقود.

تدير إحدى المحطات الصغيرة سيدة تدعى جين، وتحاول الاستمرار في عملها رغم المناخ المخيف، إذ يظهر رجل أعمال ثري يسعى للسيطرة على سوق الوقود في البلدة عبر خلق نقص متعمد في الإمدادات لإجبار السكان على الشراء من شركته.

ومع اشتداد الأزمة، تتحول حياة الناس اليومية إلى صراع للحصول على البنزين، وتظهر السوق السوداء والمشاجرات بين السائقين. وحين يكتشف السكان أن الأزمة نتيجة احتكار متعمد، يتكاتفون للدفاع عن محطة جين الصغيرة.

يتخذ الفيلم مسارا فوضويا، تولد من خلاله الكوميديا أثناء محاولتهم لإفشال خطة المحتكر. ورغم الطابع الساخر، يعكس الفيلم أجواء القلق الاجتماعي التي صاحبت أزمة النفط عام 1979، ويطرح سؤالا أوسع حول ما يحدث للمجتمع عندما تتحول الطاقة إلى سلعة نادرة يمكن التلاعب بها لتحقيق الربح.

في مراجعة نشرها الناقد ريتشارد وينترز في موقع "سكوبوفيليا موفي بلوغ" (Scopophilia Movie Blog)، يشير إلى الخلفية التاريخية للعمل قائلا "إنه عام 1979، كانت أزمة الطاقة في قمتها"، ويوضح أن الفيلم يعرض مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين نتيجة نقص الوقود، قبل أن يكشف أن رجل نفط ثريا يخلق الأزمة عمدا لتحقيق أرباح أكبر.

إعلان

أفول الشمس

يقدم المخرج الصيني ون رين في فيلم "الشروق الأخير" (The Last Sunrise) عام 2019 قصة خيال علمي تدور في مستقبل قريب يعتمد فيه العالم بالكامل على الطاقة الشمسية.

تبدأ الأحداث عندما يكتشف العلماء أن الشمس بدأت تخفت تدريجيا، وهو ما يعني أن الأرض قد تغرق قريبا في ظلام دائم. يظهر عالم الفيزياء يانغ، الذي يدرك حجم الكارثة قبل غيره، ويحاول مع عدد من العلماء البحث عن حل ينقذ البشرية.

ينتشر القلق والذعر في المجتمعات، وتتغير الحياة اليومية مع اختفاء الضوء الطبيعي وتراجع الطاقة، وتستهلك المدن ما تبقى من مخزون الطاقة، بينما يحاول الناس التكيف مع عالم يقترب من الظلام الأبدي.

مشهد من فيلم "ماد ماكس" (أى ام دي بي)

يقترح العلماء مشروعا طموحا لإنشاء مصدر طاقة بديل يعتمد على تكنولوجيا الاندماج النووي لمحاكاة ضوء الشمس.

ومع تسارع الأحداث يدخل العالم في سباق مع الزمن قبل أن تنهار الحضارة، ليطرح الفيلم سؤالا وجوديا حول قدرة العلم على إنقاذ البشر عندما يفقدون مصدر الطاقة الذي تقوم عليه حياتهم.

يرى الناقد غرانت واتسون في موقع "فيكشن ماشين" (Fiction Machine) أن الفيلم يخلق "إحساسا عاما باليأس لأنه لا وسيلة واقعية للنجاة في الوقت المتاح"، لكنه مع ذلك يحتفظ "بخيط من الأمل وسط عالم يتجه نحو موت بطيء".

يلاحظ الناقد شينغتينغ غونغ في موقع "سينما سكيبست" (Cinema Escapist)، أن المخرج ينجح في تقديم قصة إنسانية رغم محدودية الإمكانات الإنتاجية، إذ يصف العمل بأنه "حكاية مؤثرة عن شخصين يحاولان النجاة من نهاية العالم".

وتبرز هذه القراءات الفيلم بوصفه تأملا سينمائيا في هشاشة المجتمعات الحديثة عندما تفقد مصدر الطاقة الذي تعتمد عليه.

سينما الواقع

يقدم المخرج الأميركي بول ديفلين في الفيلم الوثائقي "رحلة الطاقة" (Power Trip) عام 2003 قصة أزمة الطاقة التي ضربت دولة جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ انهارت شبكة الكهرباء في العاصمة وحاولت شركة الطاقة الأميركية (AES Corporation) إنقاذ الموقف بالتحديث والاستثمار.

تحولت المهمة إلى صراع بين منطق السوق والواقع الاجتماعي، لأن أغلب السكان اعتادوا على الحصول على الكهرباء دون دفع الفواتير.

يوثق الفيلم حياة مهندسي الشركة وهم يحاولون إصلاح الشبكة وإعادة تشغيلها وسط الفقر والفساد والبيروقراطية، ومع تكرار الانقطاعات يتضح أن أزمة الكهرباء ليست مجرد مشكلة تقنية، بل انعكاسا لمرحلة انتقالية صعبة يعيشها المجتمع الجورجي بين اقتصاد الدولة القديمة واقتصاد السوق الجديد.

ملصق فيلم رحلة الطاقة (الجزيرة)

لاحظ الناقد دينيس هارفي في مجلة "فارايتي" (Variety) أن الفيلم "يرصد بذكاء الصدام بين الرأسمالية الغربية والواقع الاجتماعي في دولة خارجة من النظام السوفياتي"، معتبرا أن الوثائقي يوضح كيف يمكن لأزمة الكهرباء أن تتحول إلى أزمة مجتمع كامل.

ماكس المجنون

قدم المخرج الأسترالي جورج ميلر في فيلم "ماكس المجنون" (Mad Max) عام 1979 تصورا لعالم يقترب من الانهيار نتيجة أزمة طاقة تضرب المجتمع. تدور الأحداث في أستراليا، حيث بدأت مؤسسات الدولة تفقد سيطرتها مع انتشار العنف على الطرق السريعة.

يعمل الشرطي "ماكس روكاتانسكي"، الذي جسده ميل غيبسون، ضمن وحدة خاصة لمطاردة العصابات التي تجوب الطرق، فقد أصبحت السيارات والوقود موارد إستراتيجية في عالم يزداد اضطرابا.

تتصاعد الأحداث عندما تدخل عصابة دراجات نارية في صراع دموي مع الشرطة، وينتهي الأمر بمقتل عائلة الشرطي ماكس، وهو ما يدفعه إلى مطاردة أفراد العصابة في رحلة انتقام عبر طرق صحراوية.

يقدم الفيلم صورة لمجتمع بدأ يتفكك تحت ضغط الأزمات الاقتصادية ونقص الطاقة، وتتحول الطرق إلى ساحات صراع، ويصبح الوقود موردا يحدد ميزان القوة.

إعلان

ومن خلال هذا العالم القاسي يرسم الفيلم ملامح حضارة على حافة الانهيار، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقا في أجزاء السلسلة اللاحقة.

رأى الناقد روجر إيبرت أن الفيلم "مثير بصريا ويكشف عالما ينهار ببطء"، وأشار إلى أن قوة العمل تكمن في تصويره مجتمعا يقترب من الفوضى أكثر من كونه مجرد فيلم مطاردات.



إقرأ المزيد