هل يقربنا الحزن من الله أم يبعدنا عنه؟
الجزيرة.نت -

يسكن الحزن القلوب بلا استئذان، ويختلف الحكماء والفلاسفة والعارفون في طبيعته وقيمته ومآله؛ هل هو طريق للحكمة والقرب من الله، أم هو قرين اليأس والانقطاع عن المسير؟

وبين هذين المفهومين تتشكّل إجابات تمتد عبر ثلاثة وعشرين قرناً من التأمل الإنساني في هذا الشعور العصيّ على الفهم.

واستعرض برنامج "قال الحكيم" خلال حلقة "عن الحزن" -والتي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه المسألة الوجودية الكبرى، متنقلاً بين الفلسفة اليونانية والتراث الإسلامي والأدب الغربي بحثاً عن إجابة لسؤال محوري: هل يُقرّبنا الحزن من الله أم يُبعدنا عنه؟

وتتصادم في هذا الملف رؤيتان تاريخيتان جذريتان؛ إذ دعت "الرواقية" -التي ظهرت قبل 300 عام من الميلاد- إلى ركل الحزن وطرده من الروح كلياً، باعتباره شعوراً لا ينبغي أن يُمنح مكاناً في حياة الإنسان العاقل.

بيد أن هذا الموقف المتشدد لم يصمد أمام الطبيعة الإنسانية، إذ يظل القلب أرهف من أن يتكيّف مع الحزن كما تتكيف الصخرة مع الماء.

وفي المقابل، رسم الفيلسوف الكندي في رسالته "الحيلة لدفع الأحزان" مقاربةً عملية أكثر واقعية، إذ جعل تحرير القلب من التعلق المبالغ فيه بالأشياء والأشخاص هو العلاج الأجدى، لأن التعلق هو الذي يصنع الحزن عند تقلّب الأحوال.

ومن زاوية أدبية مغايرة، رأت الكاتبة الإيطالية سوزانا تامارو أن الفراغ الداخلي هو الأرض الخصبة التي تتشكل فيها الأحزان وتتسع، مما يجعل المواجهة الصادقة مع الذات شرطاً لا غنى عنه في أي علاج حقيقي للحزن.

أنواع الحزن

وعلى صعيد التراث الإسلامي تتباين المواقف تبايناً لافتاً؛ فبينما جعل الحسن البصري الحزن أفضل العبادات، وعدّه أبو إسماعيل الهروي منزلاً من منازل سالكي الطريق إلى الله، جاء ابن القيم بموقف مغاير أسعد به القلوب حين أكد أن الحزن لم يرد في القرآن الكريم إلا منهياً عنه أو منفياً، لأنه لا مصلحة فيه للقلب، وأن الشيطان يحب أن يُحزن العبد ليقطعه عن سيره في طريق الله.

غير أن ابن تيمية فرّق بين الحزن الذي يشلّ الإنسان عن الفعل والجهاد والصبر فهو منهي عنه، وبين ما في القلب من بغض الظلم وحب الخير فذاك يُثاب عليه صاحبه.

وفي مقاربة أخرى، فرّق العارف إبراهيم بن أدهم بين نوعين من الحزن لا يلتقيان؛ الحزن الذي هو لك، وهو الحزن على الآخرة وما فات من صلاح، والحزن الذي هو عليك، وهو الحزن على الدنيا وزينتها الزائلة.

وخلافاً لمن يرى في الحزن نهايةً مظلمة، رسم جلال الدين الرومي له وظيفةً تجديدية إذ شبّهه بمن يشدّ الجذور الفاسدة ليُفسح المجال للجذور الجديدة المختبئة كي تنبت، أما عبد القادر الجيلاني فجعل زوال الحزن غايةً تُبلغ بإحكام الإيمان والوصول إلى مقام الفناء عن النفس والخلق معاً.

وهكذا يبقى الحزن أعمق من أن يُختصر في حكم واحد؛ فهو إن أيقظ القلبَ وحرّكه نحو الله كان نعمة، وإن أوقف السير وقطع الطريق كان من أحابيل الشيطان.

Published On 2/3/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد