الجزيرة.نت - 3/2/2026 2:11:25 AM - GMT (+3 )
يكبر الإنسان فيظن أن حرياته ستتسع فإذا بها تضيق؛ كل فعل له حساب، وكل خطوة لها قيد، حتى يتساءل في حيرة حقيقية: هل الحرية التي يطلبها موجودة أصلاً، أم أنه يبحث عن وهم جميل؟
وتناول برنامج "قال الحكيم" خلال حلقة "عن الحرية" -والتي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذا السؤال الوجودي، متنقلاً بين الفلسفة الغربية والتراث الإسلامي الصوفي بحثاً عن إجابة لمعضلة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة الجذور في باطنها.
تتصادم في مفهوم الحرية رؤيتان متعارضتان؛ فبينما يذهب الكاتب المسرحي الأيرلندي برنارد شو إلى أن الحرية تعني المسؤولية ولهذا يخافها معظم الناس، يرى المفكر الفرنسي جان باتيست أن الحرية -بلا قانون- ليست سوى سيل مدمر لا ينفع أحداً.
وبين هذين القطبين يقع توفيق الحكيم بتعريفه الإنساني العميق؛ إذ لا معنى لأي مكوّن من مكونات الحياة بلا حرية اختيار حقيقية نابعة من إرادة الشخص ذاته.
غير أن الفيلسوف الأمريكي هنري دفيد ثورو يذهب في اتجاه مغاير تماماً، إذ يجعل العصيان أساس الحرية ويعتبر المطيع عبداً بطبعه، بيد أن هذه المعادلة تصطدم بحدودها حين تنتقل من عالم العلاقات البشرية إلى عالم العلاقة مع الخالق.
السعادة والنفسوهنا يبرز التراث الإسلامي بفهم مختلف جذرياً للحرية؛ حيث يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن الحرية الحقيقية تبدأ بالتحرر من عبودية كل ما سوى الله تعالى، فإذا فرغ القلب من سائر العبوديات حلّت فيه العبودية الحقة لله وحده.
ويلخص معادلته الشهيرة في عبارة بالغة الدقة: "السعادة كلها أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة كلها أن تملكه نفسه"، وهو تعريف يقلب المفهوم السائد رأساً على عقب؛ فالحرية ليست اتباع الرغبات بل التحرر منها.
وفي الاتجاه ذاته، جعل الإمام أبو القاسم القشيري الحرية الحقيقية هي ألا يكون القلب تحت رقّ شيء من المخلوقات لا في الدنيا ولا في الآخرة، وألا يستعبده هوى عاجل أو طموح آجل أو حظ نفس، وهو وصف يرسم صورة لإنسان انعتق انعتاقاً شاملاً من كل القيود المرئية وغير المرئية.
وبلغ العالم الصوفي أبو يزيد البسطامي بهذه الفكرة ذروتها حين سُئل عمّا يريد فأجاب: "أريد ألا أريد"، في إشارة إلى أن أعلى درجات الحرية هي التخلص من الاختيار الذاتي بالكلية وتفويض الأمر كله للخالق، وهو ما يعكسه أيضاً قول الجنيد الذي جعل كمال الحرية متوقفاً على كمال العبودية لله.
اما العالم الشافعي أبو بكر البارزي فحذر من أن الخمول والتعود على الراحة سجن من نوع خاص لا يراه صاحبه، وأن الحرية الحقيقية تستلزم معارضة الهوى ومقاومة العادات المريحة التي تستعبد الروح بلطف.
ويأتي العالم المتصوف جلال الدين الرومي ليجعل الحركة والسعي والانفتاح على العوالم سبيلاً للتحرر من القوقعة الداخلية التي يفرضها الإنسان على نفسه بيده.
وهكذا يخرج التأمل في الحرية بمفارقة مدهشة؛ كلما ظننت أنك تتحرر باتباع رغباتك ازددت أسراً لها، وكلما قاومتها وملكت نفسك كنت إلى الحرية الحقيقية أقرب.
Published On 2/3/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


