الجزيرة.نت - 2/24/2026 3:37:36 PM - GMT (+3 )
واشنطن- يشهد اليوم الثلاثاء مفتتحُ العام الرابع من القتال في الحرب الروسية الأوكرانية تحولا كبيرا في موقف الولايات المتحدة من دعم شبه كامل وغير محدود لمدة سنتين تحت حكم الرئيس السابق جو بايدن، إلى نهج أكثر حذرا وتركيزا على التفاوض تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، مما خلق تقلبات كبيرة امتدت آثارها إلى خارج أوكرانيا لتهز صلابة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
كما تحوّل موقف واشنطن من نهج إدارة بايدن "مهما طال الوقت"، إلى إستراتيجية تعطي الأولوية للمفاوضات السريعة وربما القسرية، في عهد ترمب، ما خلق انقسامات مع الحلفاء الأوروبيين.
ويعطي ترمب أولوياته نحو إنهاء سريع للصراع، ولا سيما وقف إطلاق النار مع استعادة أوكرانيا نحو 20% من أراضيها التي استولت عليها روسيا منذ بدء القتال يوم 24 فبراير/شباط 2022.
بيع الأوهاموفي حملته الانتخابية الثانية، تعهّد ترمب بوقف الحرب الأوكرانية خلال أول 24 ساعة له في البيت الأبيض، وهو ما لم يحدث.
وقال ماثيو والين الرئيس التنفيذي لمشروع الأمن الأمريكي، وهو مركز بحثي يركز على الشؤون الإستراتيجية والعسكرية، للجزيرة نت: "هذا صراع واسع النطاق بدأه قائد سلطوي لا يستطيع شخصيا الاعتراف أو قبول الفشل. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيا لديه ما يخسره أكثر بإنهائه مقارنة بالاستمرار فيه".
أما خبير الشؤون الأوروبية ونزع السلاح بمعهد بروكينغز، ستيف بايفر، فقال للجزيرة نت "لم يتمكن ترمب من تحقيق نهاية للحرب خلال 24 ساعة، أو خلال عام واحد، لأنه فشل في دعم دبلوماسيته بالضغط على موسكو التي لم تبدِ مرونة بالمفاوضات كما فعلت كييف، ولم يفعل الكثير لزيادة الضغط الاقتصادي والعسكري على الكرملين، لذا يواصل بوتين القتال بدلا من التفاوض بجدية".
من جانبه، اعتبر رئيس برنامج أمن آسيا والمحيط الهادي بمعهد "هدسون" والمسؤول السابق بوزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، باتريك كرونين، في حديثه للجزيرة نت، أن "ترمب أخطأ في تقدير أساسيات الحرب: فقد قلّل من عزيمة موسكو وكييف على القتال من أجل الأهداف الأساسية، وبالغ في تقدير تأثير حوافزه ودبلوماسيته القسرية، وأشار إلى إرهاق أمريكي كاف لإقناع بوتين بأن الوقت -وربما النصر- في صالح روسيا".
وتذبذب موقف واشنطن كذلك من الرئيس الروسي الذي وصفه بايدن بـ"مجرم حرب"، في حين يصفه ترمب بـ"الصديق"، ويكرر أنه يحاول ببساطة إيقاف القتل ولا يتخذ جانبا، لذلك يتبع نهجا أقل عدوانية تجاهه.
إعلان
واعتبر الخبير والين أنه بينما لا يزال ترمب يحتفظ بدرجة معينة من الدعم النقدي لأوكرانيا، يميل إلى تفضيل من يمتلكون سلطة كبيرة واستعدادا لاستخدامها. ويرى كييف ضعيفة رغم قدرتها على الصمود 4 سنوات من الهجمات المتواصلة من دولة أكبر منها عدة أضعاف.
من ناحية أخرى، يرى خبير السياسة الخارجية والدبلوماسي السابق ولفغانغ بوستزتاي أن الرئيس الأمريكي يتبع نهجا متحفظا تجاه روسيا على عكس بايدن. فمن ناحية، لديه نبرة تصالحية تجاهها وينتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقسوة. ومن أخرى، فرض عقوبات صارمة على موسكو، خاصة على صناعة النفط فيها، و"تُعتبر العقوبات الأمريكية الأكثر إيلاما بين جميع العقوبات الدولية".
وقال بوستزتاي للجزيرة نت إن المشكلة تكمن في أن تصريحات ترمب العلنية تدفع أوكرانيا نحو قبول ما هو هزيمة كاملة، أي تغيير الحدود بالقوة. وقد يكون لهذا تأثير سلبي بعيد المدى. ويعتقد أن بعض التصريحات الواضحة لدعمها من ترمب ستكون منطقية بالتأكيد وتدفع روسيا نحو قبول تجميد الصراع.
معضلة الناتوويمكن القول إن الحرب في أوكرانيا أسهمت في ذبذبة موقف واشنطن من حلف الناتو وأهميته خلال حكم بايدن وترمب، وأجبرت الحلف على أن يأخذ الإنفاق الدفاعي على محمل الجد. وربما بالمثل، أجبرت تهديدات ترمب المختلفة وشكوكه تجاه التحالف، الأعضاء الأوروبيين على إدراك أنهم قد لا يستطيعون الاعتماد على أمريكا للأبد.
وذكر الخبير والين أنه بينما تم ترسيخ مستقبل الناتو في البداية عبر التهديد الظاهر الذي وضعته روسيا عندما هاجمت أوكرانيا، فإن تصرفات واشنطن خلال العام الماضي جعلت هذا المستقبل موضع شك كبير.
وأضاف "إذا تغيّرت سلوكيات وخطاب الولايات المتحدة نحو الإيجابي والبناء، فقد نرى الناتو أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى بسبب تزايد التزامات الدول الأعضاء في الإنفاق الدفاعي، لكنّ الأفعال والكلمات التي تشكك في قدسية وحدة الحلف لها القدرة على تدميره".
ورأى الخبير بوستزتاي أن حرب أوكرانيا أظهرت للأوروبيين أن موسكو لا تزال تشكل تهديدا تقليديا كبيرا، وبالتالي بدأ أعضاء الناتو الأوروبيون إعادة تسليح الدول، وهي عملية تسارعت بشكل كبير بسبب كلمات ترمب القاسية. والحلف أداة مهمة للولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الإستراتيجية، ودوله هي السوق الأهم لصناعة الدفاع الأمريكية "بلا منازع".
بيد أن خطاب ترمب القاسي ضد الناتو يتناقض مع استمرار وجود الآلاف وتمركزهم على الحدود الشرقية للحلف. وهذا يضمن أنه في حال وقوع عدوان عسكري روسي، ستكون القوات الأمريكية متورطة منذ البداية. ولا يمكن لأي رئيس أمريكي سحب تلك القوات من أوروبا، ناهيك عن مغادرة الناتو، دون موافقة الكونغرس.
في حين قال ستيف بايفر إن أعضاء الناتو يرون الآن أن روسيا تواجه تهديدا عسكريا مباشرا. وأن معظم أعضاء الناتو الأوروبيين يخصصون أموالا كبيرة لبناء جيوشهم. ويبلغ عدد أعضاء الحلف الآن 32، مع إضافة فنلندا والسويد اللتين طلبتا الانضمام بعد الغزو الروسي الشامل في 2022.
من جانبه، اعتبر كرونين أن ما يحدث من ذبذبة لا يعني تراجعا أو ضعفا، بل تغييرا كبيرا، وقال للجزيرة نت "الحرب وتقسيم العمل الجديد في واشنطن يسرعان نحو هوية دفاعية أوروبية أقوى مع الحفاظ على الناتو كإطار لا غنى عنه لردع روسيا. هذا ليس نهاية الحلف، بل تحوله. إنها نهاية التحالف كما كنا نعرفه، وليس نهايته نفسه".
إعلان
إقرأ المزيد


