الجزيرة.نت - 2/24/2026 2:27:56 PM - GMT (+3 )
Published On 24/2/2026
شارِكْ
يعد جبل قاسيون أحد أبرز المعالم الطبيعية في دمشق، وواحدا من أكثر المواقع ارتباطا بالذاكرة الجمعية للسوريين. لا يقتصر حضوره على كونه مرتفعا جغرافيا يشرف على العاصمة، بل يتجاوز ذلك إلى موقع تاريخي وثقافي ارتبط بأحداث وروايات تناقلتها المصادر القديمة، واحتفظ بمكانته بوصفه نقطة تكشف المدينة بطبقاتها العمرانية وتحولاتها عبر القرون.
موقع استراتيجي يطل على العاصمةيقع الجبل إلى الشمال من دمشق، ويمتد بمحاذاة المدينة بطول يقارب عدة كيلومترات، بارتفاع يصل إلى نحو 1150 مترا فوق سطح البحر.
يمنح هذا الارتفاع إطلالة مباشرة على أحياء دمشق القديمة والحديثة، من أسوار المدينة التاريخية إلى الامتدادات العمرانية الجديدة.
ومن قمته يمكن تتبع ملامح العاصمة بوضوح؛ حيث تظهر المنطقة القديمة بما فيها الجامع الأموي وسوق الحميدية، إلى جانب أحياء المزة وكفرسوسة وأبو رمانة والمالكي.
كما تكشف الإطلالة الامتداد العمراني الذي شهدته المدينة خلال القرن العشرين، في مشهد يختصر تحولات دمشق من مدينة مسورة إلى عاصمة مترامية الأطراف.
حضور في المصادر التاريخيةيرتبط قاسيون بعدد من الروايات الدينية والتاريخية. تذكر المصادر الإسلامية أن في سفحه أو مغاراته مواضع نسبت إلى أنبياء، كما ارتبط باسمه ما يعرف بـ”مغارة الدم”، التي تشير روايات تراثية إلى أنها الموقع الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل. ورغم اختلاف الباحثين حول دقة هذه الروايات، فإنها أسهمت في ترسيخ حضور الجبل في الوجدان الشعبي.
كما أشار مؤرخون دمشقيون، من بينهم ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، إلى الجبل بوصفه جزءا من المشهد الجغرافي الذي أحاط بالمدينة منذ نشأتها.
وتكررت الإشارة إليه في كتابات جغرافيين ورحالة مروا بدمشق، وعدوه عنصرا ثابتا في توصيف العاصمة.
تطور عمراني على السفوحشهدت سفوح قاسيون خلال العقود الماضية توسعا عمرانيا ملحوظا، إذ أقيمت أحياء سكنية امتدت تدريجيا صعودا نحو المرتفعات.
إعلان
هذا التوسع غير من المشهد الطبيعي للجبل، وجعله جزءا من النسيج العمراني للمدينة، لا مجرد خلفية طبيعية لها.
وتحولت بعض مناطقه إلى نقاط يقصدها السكان لمتابعة المشهد البانورامي للعاصمة، خصوصا في المناسبات الوطنية أو الدينية، حيث تبدو دمشق من الأعلى شبكة أضواء متصلة تكشف اتساعها وتنوع أحيائها.
رمز في الذاكرة الثقافيةحضر قاسيون في الشعر والأدب السوري بوصفه شاهدا على تحولات المدينة. استعمل اسمه في نصوص أدبية وأغان وطنية، وغدا رمزا للثبات والعلو.
كما ارتبط اسمه بعبارات شعبية تشير إلى مكانته في المخيال العام، حتى أصبح ذكر دمشق مقرونا به في كثير من السياقات.
وهذا الحضور الثقافي عزز مكانته بوصفه أكثر من موقع جغرافي؛ إذ تحول إلى علامة دالة على العاصمة نفسها. فالإشارة إلى قاسيون غالبا ما تكون إحالة مباشرة إلى دمشق، بتاريخها وسكانها وتفاصيل حياتها اليومية.
إطلالة تكشف طبقات المدينةتمنح قمة الجبل رؤية شاملة تتيح قراءة التكوين العمراني لدمشق. يمكن تمييز النواة التاريخية للمدينة بأسواقها وأزقتها، ثم ملاحظة الامتدادات الحديثة التي ظهرت في فترات لاحقة.
كما تبدو بوضوح الفوارق بين الأحياء القديمة ذات الكثافة العمرانية المرتفعة، والمناطق الحديثة ذات الشوارع الواسعة والمباني المتعددة الطوابق.
وتكشف الإطلالة أيضا الامتداد الأخضر لبساتين الغوطة التي شكلت تاريخيا حزاما زراعيا حول المدينة، رغم التراجع الذي شهدته مساحاتها خلال العقود الأخيرة. بهذا المعنى، يوفر الجبل نقطة قراءة بصرية للتحولات البيئية والعمرانية التي مرت بها دمشق.
بعد ديني وسياحيإلى جانب رمزيته التاريخية، ظل قاسيون مقصدا للزوار الراغبين في مشاهدة العاصمة من الأعلى، وتضم منطقته عددا من المقامات والمواقع التي يقصدها بعض الزائرين بدوافع دينية، إلى جانب كونه موقعا يوفر مشهدا عاما للمدينة.
وقد ساهم هذا التنوع في ترسيخ مكانته ضمن خريطة السياحة الداخلية، حيث يجمع بين البعد الطبيعي والتاريخي، ويوفر للزائر فرصة الاطلاع على دمشق من زاوية مختلفة، تعكس اتساعها وتنوعها.
على امتداد القرون، بقي جبل قاسيون حاضرا في خلفية المشهد الدمشقي، وشهد تعاقب الدول والإمارات، وتحولات البنية العمرانية، وتبدل أنماط الحياة في العاصمة.
ومع كل مرحلة تاريخية، ظل الجبل نقطة ثابتة في الجغرافيا، تتغير عند سفوحه تفاصيل المدينة، فيما يبقى هو عنصرا جامعا في صورتها العامة.
بهذه المكانة، يشكل قاسيون أحد المفاتيح لفهم دمشق؛ فهو ليس مجرد ارتفاع طبيعي، بل مساحة تكشف من الأعلى تاريخ مدينة تعد من أقدم العواصم المأهولة في العالم، وتختصر في مشهدها طبقات زمنية متراكمة تعكس عمقها الحضاري.
إقرأ المزيد


