الجزيرة.نت - 2/24/2026 1:42:43 PM - GMT (+3 )
انتهت قبل أيام في جنيف جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية الروسية الأوكرانية الأمريكية بهدف التوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وعلى الرغم من التعتيم الكبير على سير المفاوضات، فإن انطباعا عاما تولَّد في ضوء التصريحات المقتضبة من أطراف المفاوضات بأنه من المبكر جدا الحديث عن اختراقات كبرى في المسار التفاوضي، نظرا لحجم الهوة الواسع والتضارب في المواقف إزاء كثير من القضايا بين طرفي النزاع.
بارقة أملبدأ الحراك الدبلوماسي الحقيقي لتسوية سلمية للنزاع بعد قمة الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون الأمريكية العسكرية قرب مدينة أنكوريج بولاية ألاسكا في أغسطس/آب الماضي.
وأفرزت هذه القمة تفاهمات روسية أمريكية شكلت خارطة طريق لبدء عملية تفاوضية جدية، صيغت على شكل مقترح حمل اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مكون من 28 بندا.
اصطدمت المقترحات الأمريكية بمعارضة أوكرانية أوروبية، وحاولت كييف بمساعدة حلفائها الأوروبيين تقديم صيغة معدلة لمقترحات ترمب من 20 بندا، الأمر الذي رفضته روسيا، وأصرت على أن أي تفاوض أو تسوية يجب أن يتماشى مع روح قمة أنكوريج.
ومن دون شك، اصطدم ترمب كذلك بموقف روسي صلب، وبغضّ النظر عما يُروَّج له إعلاميا بشأن الضغوط الأمريكية على الروس والتهديدات بعقوبات قاتلة وغيرها، فإن الكرملين يتعامل مع أداء ترمب على أنه جزء من الاستعراض الأمريكي الذي يغيب فعليا عن طاولة المفاوضات.
تبني روسيا إستراتيجيتها التفاوضية متمسكة بمسارين دبلوماسي وعسكري لا يبدو أنها ستتراجع عنهما، وترى أن التفاوض يمكن أن يسير متوازيا مع القتال، بما يضمن تحقيق شروطها التي دخلت الحرب من أجلها.
وتتركز الشروط الروسية على إزالة الأسباب التي أدت إلى النزاع، وهي:
إعلان
- ضمان أمن روسيا وأمن أوروبا الإقليمي.
- عدم توسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقا.
- بقاء أوكرانيا على الحياد.
- تخفيض القدرات العسكرية الأوكرانية.
- ضمان حقوق الناطقين بالروسية.
- القضاء على النازية في أوكرانيا، إذ تعتقد روسيا أن أوكرانيا تمارس "إبادة جماعية" في مناطق الشرق وأنها خاضعة للنازيين الجدد.
- الاعتراف الرسمي بالواقع على الأرض، ما تم ضمه دستوريا من أراضي أوكرانيا إلى روسيا: شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس (مقاطعتا دونيتسك ولوغانسك) إضافة إلى مقاطعتي زابوروجيا وخيرسون.
في هذا السياق، ترفض موسكو بشكل قاطع أي وقف لإطلاق النار قبل التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب تماما ولا يجمدها، وتعتقد موسكو أن أي وقف لإطلاق النار سيتيح للجانب الأوكراني التقاط الأنفاس وتقوية قدراته العسكرية بمساعدة الأوروبيين بالدرجة الأولى بهدف العودة إلى القتال مجددا.
يقول الساسة الروس على مختلف مستوياتهم بصراحة إن الضغط العسكري في ساحة المعركة وما يحققه من تقدم يومي للقوات الروسية على مختلف الجبهات، بحسب ما يصرح به ممثلو وزارة الدفاع الروسية، يقوي موقف روسيا ويُضعف في المقابل الموقف الأوكراني خلف طاولة التفاوض.
عمليا، قسَّم بوتين الوضع إلى واقعين متناقضين، أحدهما يشهد اجتماعات ومفاوضات مكثفة، حيث يناقش الغرب بشكل مكثف ضمانات أمنية لأوكرانيا، ويقوم ترمب بتشكيل مجلس سلام، والآخر يشهد قيام روسيا بتدمير أوكرانيا تدريجيا.
عقدة المفاوضات الرئيسيةمن التصريحات الرسمية تبدو قضيتا المسائل الإقليمية والضمانات الأمنية عائقا رئيسيا أمام وضع الخطوط العريضة للاتفاقيات، فمن الصعب تصديق التوصل إلى تفاهم متبادل بشأن هذه القضايا، نظرا للأصوات المتباينة خاصة من أوكرانيا وأوروبا.
فمن ناحية، ليس سهلا على الجانب الأوكراني التخلي عن أراضي الدولة، وتلبية المطالب الروسية بالانسحاب العسكري من الأراضي التي لا تسيطر عليها القوات الروسية فعليا في إقليم دونباس.
كما أن كييف تريد ضمانات أمنية حقيقية لمنع تكرار أي غزو جديد لروسيا، هذه الضمانات برأي أوكرانيا يمكن أن يحققها وجود عسكري للأوروبيين أو الناتو على أراضيها، وهو ما ترفضه موسكو بشكل قطعي.
على الجانب الآخر، ترى روسيا أنها هي أيضا بحاجة إلى ضمانات أمنية، فتهديد الناتو بالنسبة لها كان أحد الأسباب الجذرية التي تحدثنا عنها آنفا، ومن ثَم يبدو البحث عن مخرج لهذه المعضلة على شكل دوران لا ينتهي في حلقة مفرغة.
على الطرف المقابل، تتجاهل وسائل الإعلام والأوساط السياسية الغربية مطالب روسية أخرى لا تقل تعقيدا عن المسألتين الإقليمية والأمنية، فالكرملين إن وافق للضرورة الدبلوماسية على التفاوض مع حكومة فولوديمير زيلينسكي لكنه يرفض تماما توقيع أي اتفاقات سلام مرتقبة مع حكومة غير شرعية بنظره.
فموسكو ترى أن ولاية زيلينسكي انتهت منذ أشهر، لذا فهو لا يملك الشرعية لتوقيع أي اتفاقات، وبرزت هذه الجزئية فجأة على الساحة الأوكرانية بعد أن طالب ترمب بإجراء انتخابات رئاسية فورية.
أومأت كييف علنا قائلة "جاهزون خلال 60-90 يوما"، ولكن هناك حاجة إلى الوقت وإلى إجراء انتخابات في ظروف ملائمة تتطلب وقفا لإطلاق النار، وهو ما يندرج في إطار لاءات الرفض الروسية.
إعلان
لا يرفض الكرملين فكرة فرض إدارة خارجية على أوكرانيا، إذ توجد سوابق لذلك في نزاعات أخرى، بحيث تخلق هذه الإدارة الخارجية الظروف الملائمة لإجراء انتخابات تأتي بسلطة شرعية إلى كييف.
وهنا أيضا تضع موسكو شرطا إضافيا: في أي انتخابات يجب أن يشارك فيها المواطنون الأوكرانيون الذين يعيشون خارج أوكرانيا، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في روسيا، الذين يُقدَّر عددهم بين 6 و8 ملايين شخص، وهو رقم قد يبدو حاسما بالمعنى الانتخابي.
في أوكرانيا وأوروبا بدأت تُطرح أسماء يمكن أن تكون خليفة لزيلينسكي، بينها قائد القوات الأوكرانية السابق والسفير الحالي لأوكرانيا في لندن زالوجني، ومدير مكتب الرئيس الأوكراني بودانوف، وعمدة كييف كليتشكو. وجميع هذه الشخصيات ما هي إلا تنويعات على الفكرة نفسها "أوكرانيا مشروع غربي مناهض لروسيا".
تعتقد موسكو أن ترمب يفهم أن النزاع في أوكرانيا ليس حربا من أجل الديمقراطية، وأن ترمب لا يحتاج إلى هذه السلطة الحالية في أوكرانيا، بل هو يفهم النزاع وسيلة للضغط على أوروبا، وأداة لإضعاف روسيا، ولاستغلال الموارد، وفي الوقت نفسه فرصة لبيع الأسلحة الأمريكية.
كما تبدو موسكو أيضا مقتنعة بأن أمريكا لا تحقق السلام لأحد، إنما تنفذ عملية خاصة للتخلص من المسؤولية وغسل اليدين وتحميلها للأوروبيين، وهي جزء من إستراتيجيتها الجيوسياسية لضمان مصالح أمريكا، لا مصالح أوكرانيا التي لا يستطيع معظم الأمريكيين حتى أن يحددوا موقعها على الخريطة.
وبالنسبة لموسكو فإن فلسفة السياسة الخارجية تاريخيا لها "كود" واضح وبسيط "الدولة المحيطة بروسيا يجب أن تكون إما صديقة لروسيا أو محايدة أو جزءا من روسيا" لا توجد خيارات أخرى.
بمعنى أن أي صفقة أو اتفاق سلام بشأن أوكرانيا يجب أن يقترن بتغيير "المشروع الأوكراني المعادي لروسيا"، أما الكلام الكثير عن القانون الدولي واحترام سيادة الدول وحدودها فيبقى في إطار الشعارات.
من الملاحظ في الأشهر الأخيرة تراجع دور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الملف الأوكراني، أو بالأصح تراجع من الواجهة إلى الظل.
فلافروف تعرَّض لانتقادات كثيرة داخل روسيا لمواقفه المتشددة، لدرجة أن وصفه الرئيس بوتين بشيء من الدعابة بأنه أقرب إلى أن يكون وزير دفاع من أن يكون وزيرا للخارجية، ومن ثَم تصدَّر ملف التفاوض شخصيات خارج المؤسسة الدبلوماسية، تحت قيادة مباشرة من الرئيس بوتين.
فقد برز اسم فلاديمير ميدينسكي مساعد الرئيس الروسي ووزير الثقافة السابق مع بداية الحرب في أوكرانيا، حيث ترأس وفد التفاوض الروسي منذ الجولة الأولى في بيلاروسيا وما تبعها من جولات في إسطنبول وجنيف.
يحمل ميدينسكي درجة دكتوراه في التاريخ، ووُلد في بلدة سميلا بمقاطعة تشيركاسكي الأوكرانية، ووصفته مجلة فوربس بأنه "رجل من الدائرة الأيديولوجية لفلاديمير بوتين".
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميدينسكي منذ عام 2017 بتهمة "التورط في نشر معلومات مضللة ودعاية روسية"، ولا يبدو أن بوتين سيتخلى عن ميدينسكي خلال العملية التفاوضية، فهو معروف بصاحب الرأس البارد الذي من الصعب استفزازه، إضافة إلى معرفته لأوكرانيا معرفة ممتازة نظرا لأصوله.
أما المفاوض الرئيسي الثاني الذي برز إلى الواجهة عقب قمة ألاسكا، فهو كيريل ديمترييف مدير صندوق الاستثمارات المباشرة، ومبعوث الرئيس الروسي الخاص لشؤون الاستثمار الدولي.
ديمترييف رجل الظل الذي ينقل الرسائل بين الكرملين والبيت الأبيض، ويتفاوض بشكل مباشر باسم الرئيس الروسي مع مبعوثي الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
إعلان
وهو رجل أعمال، ومدير مالي بارز في روسيا. وُلد في كييف عام 1975، ثم تخرَّج في جامعة ستانفورد بامتياز، وفي كلية هارفارد للأعمال (حاصل على ماجستير إدارة الأعمال ومنحة بيكر الدراسية).
في عام 2011، أصبح ديميترييف الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي. وفي عام 2022، وبعد بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وُضع ديميترييف وصندوق الاستثمار المباشر الروسي على قوائم العقوبات من قِبل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا.
في يونيو/حزيران 2017، أفادت شبكة "سي إن إن" بأن مجلس الشيوخ الأمريكي يحقق في مزاعم وجود صلات بين فريق ترمب وصندوق الاستثمار المباشر الروسي.
وفي عام 2018، نشرت صحيفة فايننشال تايمز تقريرا عن لقاء ديميترييف مع إريك برينس -المستشار السابق لترمب ومؤسس شركة بلاك ووتر العسكرية الخاصة- في سيشيل، وقبل ذلك نشرت صحيفة ذا إنترسبت وصحيفة واشنطن بوست تقارير مماثلة.
برأي الأوساط السياسية في روسيا، يبدو ديميترييف الخيار الأمثل للرجل "التكنوقراطي الرمادي" القادر على إقناع الأمريكيين بما يخدم مصالحهم ومصالح روسيا على حد سواء.
وبسبب جذوره الأوكرانية، يمتلك ديميترييف فهما عميقا للثقافتين الأوكرانية والأمريكية، وكذلك للنخب السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، وهو أمريكي التعليم والخبرة المالية، ويتمتع بعلاقات شخصية مع المؤسسة الجمهورية.
كل هذه المعطيات يمكن أن تكون عوامل مساعدة على انجاح مهمة ديمترييف في التسوية الأوكرانية، التي أصبحت توصف بعد تصدُّر رجال الأعمال للمشهد التفاوضي بأنها قد تكون على شكل صفقة تجارية بأبعاد سياسية.
اتفاق سلام أم صفقة تجارية؟
اعترفت الحكومة الروسية في إستراتيجية تطوير القاعدة المعدنية-الخام حتى عام 2050 بوجود اعتماد كبير على استيراد معدات استكشاف الموارد الطبيعية واستخراجها، إذ يتجاوز هذا الاعتماد 90% في معدات الحفر، و50% في الآلات التعدينية، و30% في معدات الجيوفيزياء الأرضية، وغيرها.
ويفسّر استعداد الكرملين لتقديم تسوية بشروط الصفقة المتعلقة بإنهاء النزاع في أوكرانيا سلميا، ولا سيما ما يخص إشراك الولايات المتحدة في استغلال الموارد الطبيعية في القطب الشمالي.
قد يدور الحديث عن استقطاب الأمريكيين إلى مشروع "آركتيك للغاز الطبيعي المسال-2" الذي جُمّد بعد أن فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الشركات التي تقدّم خدمات هندسية وبنائية ونقل للمشروع.
وقد شملت العقوبات شركات وسفنا مدرجة ضمن البنية اللوجستية لنقل الغاز من منشآت "يامال للغاز الطبيعي المسال"، ونتيجة لذلك توقَّف المشروع عمليا عن العمل، في حين تفرَّق الشركاء الأجانب: الصين وفرنسا واليابان.
إضافة إلى أن وضع سوق النفط والغاز لا يبعث على الارتياح في الولايات المتحدة، ويثير قلق إدارة ترمب بشكل خاص التعاون الإستراتيجي بين الصين وروسيا، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيكه بوصفه أولوية قصوى، لذلك تسير الدبلوماسية الرسمية "لافروف وروبيو"، والصفقة التجارية التي يديرها المبعوثون الخاصون "دميترييف وويتكوف وكوشنر"، بشكلٍ متوازٍ ولكن بإيقاعين مختلفين وبأهداف متباينة.
كما يُعَد سحب القوات الأوكرانية من دونباس جزءا أساسيا من "صفقة أنكوريج" التي تتضمن استثمارات أمريكية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية الروسيين، وعودة الحكام الروس إلى النخبة العالمية، مقابل خروج روسيا من "الأزمة الأوكرانية".
إذا تمكنت روسيا وأوكرانيا من التوصل إلى اتفاق فهناك بالفعل خيارات مختلفة للصفقة الرسمية، أحدها يتيح إمكانية عقد صفقة ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. الحرب لن تنتهي بانتصار ولا بهزيمة، بل بصفقة تُكتب الآن تحت الطاولة.
يقول ألكسي أريستوفيتش المستشار السابق للرئيس الأوكراني إن "مأساة أوكرانيا تكمن في أن ملايين الناس قد تضرروا، والمقابر في كل مكان، ومع ذلك يجري الحديث الآن عن توقيع اتفاقية كان يمكن توقيعها في اليوم الأول من الحرب وبشروط أفضل بكثير. نتيجة هذه السنوات تم بيع أوكرانيا بأكملها، كل شيء بيع، والآن يجبرونها على توقيع اتفاقية تقتضي بأن ما تبقى وما لم يُستخرج بعد، وحتى ما هو موجود في باطن الأرض على عمق كيلومتر، يجب أن يُعطى أيضا، أي التفريط بالسيادة".
إعلان
ويسود رأي في أوساط الخبراء في الجيوسياسية الأوراسية أنه عمليا تدخل المؤامرة لتقسيم إرث الاتحاد السوفيتي السابق مرحلة حاسمة، ستكون مخرجاتها ربما اتفاق سلام تطبيقه لن يكون سريعا ومعقدا للغاية وقد يحتاج إلى أشهر وربما سنوات، وبالتوازي صفقة جيوسياسية تجارية يستفيد منها الأمريكيون بالدرجة الأولى والروس بدرجة أقل على النحو التالي:
- المال لأمريكا
- الأرض لروسيا
- الديون لأوروبا
- والمجد لأوكرانيا.
إقرأ المزيد


