تحشيد متصاعد.. كيف انعكست أجواء الحرب على الشارع الإيراني؟
الجزيرة.نت -

طهران- في الوقت الذي يتصاعد فيه التحشيد العسكري بالمنطقة، وتبدو الحرب على طهران أقرب من أي وقت مضى، يعيش الإيرانيون حالة من الترقب جرّاء تصادم خطاب رسمي مطمئن وقلق نابع من تلويح أمريكي باقتراب ساعة الصفر، وهو ما يضفي هدوءا هشا على المشهد الداخلي الإيراني.

وبينما تدأب قوات الجيش والحرس الثوري على رفع الجاهزية العسكرية ووضع الخطط لمواجهة السيناريوهات المحتملة، تواصل السلطات الأمنية والقضائية في إيران معالجة ملف "الاحتجاجات المطلبية التي سرعان ما تحولت إلى أعمال شغب هزت البلاد قبل أسابيع" ومحاكمة المعتقلين وبث اعترافاتهم في الصحافة الفارسية.

وعلى النقيض من سخونة الطقس هذه الأيام يبقى الهدوء النسبي سيد الموقف في حركة الشارع بطهران، وإن كان ممزوجا بمخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية، في حين تتحرك الحكومة الإيرانية على خطين متوازيين، تعزيز الجبهة الداخلية ومواصلة المسار التفاوضي لإبعاد شبح الحرب عن البلاد، مما يثير تساؤلا عن مدى تأثر الرأي العام الإيراني بأجواء الحرب؟

تباين الداخل

وعبر جولة للجزيرة نت في عدد من أحياء طهران، لا تكاد تخلو الساحات والشوارع الرئيسية من لافتات وشعارات تؤكد "القدرة على سحق أي عدوان" و"الرد القاسي" في حال تعرُّض البلاد لهجوم، لكن حركة الشارع تبدو طبيعية، والملاحظ غياب أي مظاهر هستيرية لتخزين للمؤن الغذائية والوقود.

وتبيَّن من خلال استطلاع الجزيزة نت آراء إيرانيين أنه رغم ثقة شريحة كبيرة من المواطنين بالخطاب الرسمي الواثق من قدرته على ردع العدوان، فإن ثمة قلقا يسود فئة أخرى من احتمال الحرب وتداعياتها الكارثية.

وتُذكّر أجواء الحرب الحاجة أشرف (ربة بيت – 68 عاما) بالحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) التي لا تزال آثارها حية في ذاكرتها، مؤكدة للجزيرة نت أن الشعب الإيراني ينبذ الحرب والدمار لكنه لا يسمح للحكومة بالتفريط في مصالحه وأمنه وثرواته، بل يطالبها برفض الهيمنة الأجنبية.

إعلان

في المقابل، يشكو أحمد (عاطل عن العمل – 42 عاما) الوضع الاقتصادي الصعب في بلاده ويرحّب "بأي تطور دراماتيكي يضع حدا للفساد المستشري فيه"، مضيفا للجزيرة نت "أرى عمري يتبدد بسبب شعارات ترفعها الجمهورية الإسلامية لا تعبّر عن إرادتي في حين تصطدم محاولات الاحتجاج بقبضة حديدية، ولذلك أنتظر بفارغ الصبر بدء عمل عسكري ضد هذا النظام".

أما الموظفة الشابة دلآرام (32 عاما) فترفض الحرب التي تعتقد أنها أضحت على أبواب بلادها، وقالت للجزيرة نت إن أي قوات غازية لم ولن تأتي بالرفاه، وأن تجربة الحرب على أفغانستان والعراق خير دليل على ذلك، مستدركة أن قلقها يتزايد مع تصاعد التحشيد العسكري والتوتر في المنطقة لكنها تثق بقوات بلادها المسلحة.

طهران تعاملت مع ملف الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد قبل أسابيع (الفرنسية)
وعي وتكيُّف

وتُرجع الباحثة السياسية عفيفة عابدي أسباب "استمرار الحركة الطبيعية في الشارع الإيراني وعدم خشيته الحشود الأمريكية" إلى ما "يعيشه المجتمع الإيراني منذ أكثر من 4 عقود تحت وطأة سلسلة ضغوط خارجية وتهديدات عسكرية وحروب نفسية، في تجربة فريدة شكلت وعيه الجماعي وأساليب تعامله مع الأزمات".

وأوضحت عابدي للجزيرة نت أنه منذ انتصار ثورة 1979 تتوالى الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية والتهديدات بشن هجمات عسكرية على إيران، مما خلق بيئة من "التهديد المزمن" اضطر المجتمع الإيراني إلى التأقلم معها واقعا دائما لا استثناء عابرا.

وبرأيها، فإن هذه البيئة الاستثنائية أنتجت ما يمكن وصفه بـ"التكيف الهيكلي والسلامة الذهنية" لدى الإيرانيين، حيث تطور نمط حياة قائم على معادلة "الضغط والمقاومة والبناء"، مشددة على أنه مع التهديدات العسكرية الأمريكية المتصاعدة تستمر الحياة الطبيعية في إيران، حيث الأسواق مفتوحة والمواطنون يمارسون روتينهم اليومي دون هلع.

واستدركت الباحثة عابدي أن روتين الحياة العادية في إيران هذه الأيام لا يعكس لامبالاة بقدر ما هو نتيجة حساب جماعي دقيق يدرك أن المسافة بين "التهديد اللفظي" و"الحرب الشاملة" محفوفة بتكاليف باهظة واعتبارات ردعية تمنع تجاوزها بسهولة.

وأشارت إلى أن الهدوء الظاهري في الشارع الإيراني يكشف جانبا آخر من معادلة الردع، إذ ينعكس الردع العسكري على الحالة النفسية للمجتمع، مؤكدة أن الثقة بالقدرات الدفاعية والهجومية المتراكمة تخلق شعورا بالأمان الجماعي يحول دون انزلاق الشارع إلى حالة من الذعر أو الانهيار العصبي.

أقرب للحرب

في المقابل، أشار الباحث السياسي صابر غل عنبري إلى بعض التقديرات التي تَعُد الحشود العسكرية الأمريكية الهائلة في المنطقة ليست سوى "حرب نفسية" بهدف الضغط على طهران لانتزاع أقصى التنازلات على طاولة المفاوضات، مشيرا إلى أن المعطيات الميدانية ترسم صورة أقرب إلى الاستعداد لمواجهة عسكرية واسعة منها إلى مناورة دبلوماسية.

وفي مقال نشره بصحيفة "خراسان"، رأى غل عنبري أنه من غير المنطقي أن تنفق الولايات المتحدة هذه التكلفة الباهظة لمجرد تعزيز موقفها التفاوضي، مؤكدا أن مجموعة الشواهد الموضوعية والميدانية المتوفرة عن حجم القوات ونوعية الأسلحة المرسلة إلى المنطقة والتي تشمل تجهيزات لا تُستخدم إلا في العمليات العسكرية الفعلية، تشير إلى أن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة أوسع نطاقا وأكثر تعقيدا من ذي قبل.

إعلان

ومع ذلك، تواصل الإدارة الأمريكية ترديد رواية إعلامية مفادها أن الرئيس دونالد ترمب لم يحسم أمره بعد، وفق الكاتب الذي يعتقد أن هذا التناقض الصارخ بين الواقع العسكري والخطاب الإعلامي يعزز فرضية أن واشنطن تمضي قدما في مسار عسكري متكامل، وأن الخطاب المعلن ليس سوى غطاء إعلامي مُعقَّد ضمن الحرب النفسية المصاحبة للاستعدادات القتالية.

إدارة الأزمة

وفي السياق، يعتقد مدير مركز آفاق للدراسات الإيرانية جلال جراغي أن إدارة الأزمات أصبحت جزءا من الحمض النووي للنظام الإيراني، مما يفسر ظهوره بكفاءة أكبر في اللحظات الحرجة مثل أزمة وفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي وحرب الـ12 يوما (حرب إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران الماضي)، مما يعزز ثقة الشارع الإيراني بالسلطات الرسمية.

ورأى جراغي في حديثه للجزيرة نت أن العيش في بيئة أمنية مزمنة زاد من كفاءة السلطات الإيرانية في إدارة الأزمات، إذ طورت آليات متعددة الطبقات للتعامل مع سيناريوهات التوتر الحاد لتكون قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية والاستجابة للاحتياجات الداخلية بشكل متزامن، وهذا ما تقوم به الحكومة الحالية، حسب وصفه.

وأضاف أن استعداد الحكومة الإيرانية لا يقتصر على المستوى العسكري فحسب بل هو مزيج من الاستعداد الدفاعي، والمرونة الاقتصادية، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، والتعامل مع المطالب الاجتماعية والمعيشية.

وأوضح جراغي أن الحكومة نجحت بالفعل في إخماد الاحتجاجات الأخيرة من خلال اعترافها بالمطالب المعيشية، ومحاورة ممثلي الحركة الاحتجاجية التي بدأت من بازار طهران، والعمل على خفض أسعار السلع الأساسية.

ولدى إشارته إلى تعامل السلطات الإيرانية بحزم مع العناصر الخارجة عن القانون التي استغلت الحركة الاحتجاجية، خلص جراغي إلى أن الشارع الإيراني استوعب بسرعة حجم التهديدات المحدقة ببلاده، فوضع حدا للاحتجاجات التي كان من شأنها توفير ذريعة للأجندة الأجنبية.



إقرأ المزيد