مقديشو اليمن.. حكاية لجوء معلَّقة في حي البساتين بعدن
الجزيرة.نت -

عدن- على تخوم العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، يتمدد حي البساتين بوصفه مساحة تختزل حكاية لجوء ممتدة منذ عقود، حيث ينتهي الإسفلت وتبدأ الأزقة الرملية الضيقة، وتتداخل العربية مع الصومالية في تفاصيل الحياة اليومية، وتحمل الوجوه ذاكرة مكان آخر لم تُمحَ بالمسافات ولا بمرور الزمن.

يُعرف الحي بين السكان بتسميات متعددة، منها "حي الصوماليين" و"مقديشو اليمن"، في إشارة إلى التحول الديموغرافي الذي شهده منذ تسعينيات القرن الماضي، حين دفعت الحرب الأهلية في الصومال آلاف العائلات إلى عبور خليج عدن بحثا عن ملاذ آمن. واليوم، تقدّر مصادر محلية عدد سكان الحي بأكثر من 40 ألف نسمة، يشكل القادمون من أصول صومالية أغلبيتهم، ويعيشون في ظروف قاسية تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع وضع قانوني معلَّق.

وصل بعضهم أطفالا ممسكين بأيدي أقربائهم، في حين وُلد آخرون في عدن ولم يعرفوا وطنا غيرها، ولكنَّ القاسم المشترك بينهم جميعا ظل واحدا، هو صفة اللاجئ التي لم تغادر أوراقهم.

سوق حي البساتين، حيث يسعى السكان إلى تأمين قوت يومهم (الجزيرة)
معيشة قاسية

مع ساعات الصباح الأولى، يتجمع عشرات الرجال عند مداخل الشوارع الرئيسية في انتظار فرصة عمل يومية في البناء أو الأعمال اليدوية، ويعتمد كثير من سكان الحي على هذا النمط الهش من العمل، إذ يعني العثور على عمل تأمين الطعام، في حين يترك غيابه اليوم التالي مفتوحا على المجهول.

ويقول السكان إن العمل غير المستقر بات السمة الأبرز للحياة في حي البساتين، مع تفشي الفقر المدقع وتراجع المساعدات الإنسانية.

من بينهم عاشور حسن، وهو شاب في منتصف الثلاثينيات، يقف عند مفترق طريق رئيسي منتظرا من يستأجره لغسل سيارته. يقول للجزيرة نت إنه يكسب ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ريال يمني يوميا (أقل من ثلاثة دولارات)، وهو دخل لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته التي تعيش في غرفة واحدة داخل حي يفتقر إلى الخدمات الأساسية، وتحيط به طرق ترابية وأكوام من النفايات.

إعلان

بصوت يختلط فيه التعب باليأس، يختصر عاشور واقع الحي قائلا "نعيش على اليوم فقط، إن وجدنا عملا أكلنا، وإن لم نجده ننتظر الغد بلا طعام".

ولا تقتصر محاولات الصمود على الرجال وحدهم، إذ تضطلع النساء بدور محوري في إعالة الأسر، فتعمل بعضهن في تنظيف المنازل، في حين تدير أخريات مشروعات صغيرة محدودة، مثل بيع الخبز والمأكولات الشعبية التي تمزج بين النكهات اليمنية والصومالية، وتلقى رواجا خاصا خلال شهر رمضان.

وتنعكس مظاهر الفقر بوضوح في النسيج العمراني للحي، منازل متلاصقة، بعضها مبني من الزنك ولا يتجاوز غرفة أو غرفتين، تفصل بينها طرق ترابية تغطيها القمامة. ويدفع هذا الواقع كثيرا من الأطفال إلى العمل المبكر، فينبشون بين النفايات بحثا عن مواد قابلة للبيع، كالبلاستيك أو الخردة، للإسهام في إعالة أسرهم.

عاشور حسن ينتظر فرصة عمل يومية لتأمين قوت أسرته (الجزيرة)
انتماء معلَّق

لكن الفقر ليس العبء الوحيد الذي يثقل كاهل سكان حي البساتين، فثمة شعور أعمق بالانتماء المعلَّق، فالجيل الأول من اللاجئين لا يزال يحتفظ بذكريات الوطن البعيد ويتحدث لغته، في حين نشأ الجيلان الثاني والثالث في عدن، يتحدثون العربية بلهجتها المحلية، ولا يعرفون عن الصومال سوى ما تنقله الحكايات العائلية.

تجسّد فاطمة جامع هذه المفارقة، فهي أم لأربعة أطفال، وُلدت في عدن لأبوين صوماليين، وتقول للجزيرة نت "لا نعرف بلدا غير اليمن، درسنا هنا وتزوجنا هنا، لكننا لا نملك هوية يمنية، وما زلنا في نظر القانون لاجئين".

تعيش فاطمة مع أسرتها في منزل متواضع من غرفتين، يعمل زوجها حمّالا في أحد أسواق المدينة، في حين تسهم هي في إعالة الأسرة بإعداد مأكولات شعبية وبيعها. ومع ذلك، تؤكد أن دخلهم "لا يكاد يغطي إيجار المنزل والطعام" بسبب غلاء المعيشة وتراجع فرص العمل.

ويمتد هذا الشعور بالغربة القانونية إلى آلاف اللاجئين الصوماليين في اليمن. فبموجب اتفاق بين الحكومة اليمنية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، يُمنح القادمون إلى السواحل اليمنية صفة اللجوء تلقائيا، مع خيار الإقامة في مخيم الخراز غرب عدن أو الاستقرار في أي مدينة يمنية.

حسين عادل يعكس قصص البؤس والصمود لآلاف اللاجئين الصوماليين (الجزيرة)
واقع بائس

ورغم أن اليمن ظل منذ عام 1991 بلد عبور وملاذ للاجئين الصوماليين، فإن التحولات التي شهدها منذ 2014 فاقمت هشاشة أوضاع الجميع، فالحرب وتراجع المساعدات وتقلص فرص العمل زادت من الضغوط على المجتمعات المضيفة واللاجئين معا.

ويؤكد تقرير صادر عن مفوضية اللاجئين عام 2025 أن تمويل برامج الدعم في اليمن لم يتجاوز 35% من الاحتياجات الفعلية، وهو ما انعكس مباشرة على حياة آلاف الأسر. ويقول سكان حي البساتين إن المساعدات التي كانوا يتلقونها في السابق تقلصت بشكل كبير، بل توقفت في كثير من الأحيان.

يوسف محمد (53 عاما) أحد أوائل الوافدين إلى الحي في التسعينيات، يعيل أسرة من سبعة أفراد، يقول للجزيرة نت إنهم "لم يحصلوا منذ سنوات على أي دعم من المنظمات"، مضيفا أن بعض الأسر "اختارت العودة إلى الصومال على البقاء والموت جوعا هنا". ويرى أن الأزمة تشمل الجميع "لكن اللاجئ يبقى الحلقة الأضعف".

إعلان

ومع قتامة المشهد، نجح عدد محدود من أبناء الحي في شق طريقهم عبر التعليم أو مشروعات صغيرة أسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي، ولكنَّ هذه النماذج تبقى استثناء أمام واقع يومي مثقل بالحاجة.

ولا يزال تدفق اللاجئين مستمرا. ففي إحدى زوايا الحي، يقف حسين عادل (30 عاما) متكئا على عكاز، وقد وصل إلى عدن قبل أشهر فقط على متن قارب صغير يُقل مهاجرين أفارقة.

ويقول للجزيرة نت إنه فر من الموت والجوع، لكنه وجد نفسه في مواجهة واقع أكثر قسوة. يعيش حسين على سطح منزل أحد أقاربه، ويجوب المدينة نهارا بحثا عن عمل متقطع، وتعود إعاقته إلى إصابته برصاص حرس الحدود العماني أثناء رحلة العبور.

ومع حلول المساء، يهدأ الضجيج في أزقة حي البساتين. رجال يتكئون على جدران منازل متآكلة، وأطفال يطاردون كرة في ممرات ضيقة بالكاد تتسع لأحلامهم. تبدو الحياة عادية في ظاهرها، كأي حي شعبي في مدينة أنهكتها الأزمات، ولكنَّ الأيام في "مقديشو اليمن" تمضي على إيقاع انتظار طويل، ومستقبل ما زالت ملامحه معلَّقة بين ذاكرة بحر عبره اللاجئون هربا من الموت، ومدينة احتضنتهم رغم جراحها، وواقع لم يمنحهم بعدُ يقين الاستقرار.



إقرأ المزيد