من الهبوط إلى تسرب المياه.. علماء يشرحون للجزيرة نت أزمة سد النهضة
الجزيرة.نت -

منذ أصبح مشروع "سد النهضة" في إثيوبيا أمرا واقعا، كان هناك رأي متوازن يحاول التوفيق بين دولتي المصب "مصر والسودان" والجانب الإثيوبي، يدور حول ضرورة التعاون بينهما في الإدارة الرشيدة للسد، لأن دولتي المصب من المفترض أن يكونا أكثر حرصا على سلامة السد من إثيوبيا نفسها، لأن أي خلل في هيكله سيحول مياهه إلى قنبلة مائية تدمر الأخضر واليابس عندهما.

وبينما تؤكد إثيوبيا دوما على متانة السد وقوته، كانت تخرج من حين لآخر بعض الدراسات التي تشير إلى تأثير الحجم الضخم من المياه التي تحتجزها بحيرة السد في استثارة زلازل قد تنال من بنيته على المدى الطويل، لكن دراسة جديدة لفريق بحثي دولي ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ مثلت الزلازل في هذه الدراسة التي شارك فيها باحثون من مصر والصين والهند والولايات المتحدة ونيبال، فصلا واحدا من قصة الخطر متعددة الفصول، والتي تشمل أيضا تسرب مياهه إلى باطن الأرض وحدوث هبوط وتشوه في جسم السد، بحسب الدراسة المنشورة بدورية "إنترناشونال جورنال أوف ديزاستر ريسك ريدكشن" (International Journal of Disaster Risk Reduction).

وتجري أحداث قصة الخطر هذه في "سد السرج" المساعد للسد الرئيسي، أو ما يعرف أيضا بـ"السد الركامي"، لتتضمن تفاصيلها المدعمة بالأدلة العلمية، حقائق مهمة، تؤكد كما يقول أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الدكتور هشام العسكري للجزيرة نت، أن "التعاون بين دولتي المصب وإثيوبيا لضمان سلامة هذا السد، لم يعد أمرا قابلا للنقاش، لأنه أصبح وفق ما خلصنا إليه من نتائج في الدراسة مسألة مصيرية بالنسبة لدولتي المصب".

استخدم الباحثون أقمارا صناعية تقيس تغير الجاذبية الأرضية مثل "غرافيتي ريكوفري أند كلايمت" أو ما يعرف اختصارا بـ "جريس" (ناسا)
ما هو سد السرج؟

وسد السرج، سد مساعد يتم بناؤه بجوار السد الرئيسي، وليس في مجرى النهر نفسه، وذلك بهدف حماية مياه خزان السد من التسرب.

إعلان

وتحتوي المنطقة المحيطة بخزان سد النهضة على منخفضات طبيعية وممرات جانبية يمكن أن تتسرب منها المياه، وإذا لم يبن سد السرج، ستخرج مياه الخزان من هذه المنخفضات، بدلا من أن تبقى خلف السد الرئيسي.

ويحتجز هذا السد وحده حوالي 89% من مياه الخزان، وهو أطول من السد الرئيسي، إذ يمتد بطول خمسة كيلومترات وارتفاع 50 مترا، وبدون وجوده لا تستطيع إثيوبيا الوصول للسعة التخزينية المستهدفة، وهي 74 مليار متر مكعب.

والمشكلة المرصودة من قبل أن هذا السد تم تأسيسه على صخور متشققة وضعيفة جيولوجيا، وبالتالي، كان الهدف من الدراسة الجديدة رصد تأثير ذلك على سلامة هذا السد، لأن أي خلل يصيبه، سيكون تأثيره أخطر من أي خلل آخر في منظومة سد النهضة.

ضياع المياه

وانطلقت الدراسة من مجموعة من الأسئلة التي يثيرها هذا الوضع الجيولوجي الهش، ومن ثم سعت للإجابة عليها، وكان السؤال الأول يدور حول مسؤولية هذا الوضع عن تسرب المياه.

ويقول الباحث بجامعة تشابمان والمشارك بالدراسة الدكتور سوريندرا ماهارجان للجزيرة نت: "استخدمنا أقمارا صناعية تقيس تغير الجاذبية الأرضية مثل "غرافيتي ريكوفري أند كلايمت" أو ما يعرف اختصارا بـ "جريس"، ونجحنا في بناء نموذج مائي متكامل، يقارن بين ما يدخل الخزان وما يُفترض أن يبقى وما يختفي فعليا".

والفكرة الأساسية لهذا النموذج هي أن الماء له كتلة، وبالتالي عند وجود كمية كبيرة منه (مثل خزان سد النهضة)، يزداد وزن الأرض تحتها قليلا، ولأن الجاذبية الأرضية تتأثر بالكتلة، فإن زيادة الماء تزيد الجاذبية المحلية بشكل طفيف جدا، بينما نقص الماء يقللها.

والأقمار الصناعية مثل "غرافيتي ريكوفري أند كلايمت" تستطيع قياس أصغر التغيرات في الجاذبية الأرضية على الأرض بدقة عالية جدا، ويستخدم ذلك لقياس التسرب عن طريق مراقبة التغيرات في الجاذبية فوق خزان سد النهضة باستمرار عبر الأقمار، فعندما يُملأ الخزان، يتم رصد الزيادة الواضحة في الجاذبية بسبب الكتلة الجديدة للمياه، وإذا لوحظ لاحقا انخفاض مفاجئ في الجاذبية، فهذا قد يشير إلى أن بعض الماء تسرب إلى باطن الأرض أو تبخر، لأنه لم يبقَ كله على السطح.

وعبر نموذج رياضي وهيدرولوجي، تمكن الباحثون من ترجمة هذه التغيرات في الجاذبية إلى كمية المياه المفقودة أو المتسربة إلى التربة والصخور المسامية حول السد.

ويقول: "كانت النتيجة التي توصلنا لها صادمة إذ أن حوالي 41 مليار متر مكعب من المياه تسربت إلى باطن الأرض أثناء الملء، وهذا رقم ضخم جدا، يوازي أكثر من نصف الحصة السنوية لمصر".

ويضيف: "خطورة هذا التسرب أنه يقلل فعليا من كفاءة السد، ويضغط على الصخور الضعيفة، وأخيرا، فإنه يفتح مسارات تسرب جديدة قد تتوسع مع الزمن".

وجد العلماء ارتباطا كبيرا بين حالة ملء الخزان وحدوث زلازل شهريا (إذاعة فانا عبر فيسبوك)
نشاط زلزالي غير طبيعي

وكان السؤال الثاني الذي سعت الدراسة للإجابة عليه يدور حول ما إذا كان ملء خزان سد السرج يسبب زلازل، ويقول الأستاذ في مركز جامعة ييل للحلول الجغرافية المكانية الدكتور أوستن مادسن للجزيرة نت إن "طرح هذا السؤال كان منطقيا، لأن الفكرة الفيزيائية تقول ببساطة أن وزن مليارات الأطنان من المياه، يضغط على القشرة الأرضية، وبالتالي يوقظ فوالق قديمة نائمة".

إعلان

ورصد الباحثون في هذا الإطار "نشاطا زلزاليا غير طبيعي، وكانت الزلازل مرتبطة بفوالق قديمة ومناطق نشاط بركاني".

وتتميز مناطق النشاط البركاني بصخور ساخنة وصهارة قريبة من السطح وضغوط داخلية مرتفعة وكثرة الشقوق والصدوع، وهذا يجعلها أكثر حساسية لأي تغير في الضغط، سواء من مياه أو وزن إضافي.

وتقع مناطق النشاط البركاني في إثيوبيا بالقرب من الحوض العلوي للنيل الأزرق، ضمن مئات الكيلومترات من السد، وهذا يجعلها أكثر تأثرا بوزن المياه الهائل، ونفس الشيء بالنسبة للفوالق القديمة، إذ أن منطقة السد تقع ضمن الحوض العالي للنيل الأزرق في إثيوبيا، وهي جزء من الدرع العربي-النوبي القديم، الذي يحتوي على فوالق قديمة ممتدة منذ ملايين السنين.

ويوضح أوستن أنه "باستخدام تحليل إحصائي يعرف باسم "نموذج انحدار بواسون"، وجدنا ارتباطا كبيرا بين حالة ملء الخزان وحدوث زلازل شهريا بزيادة متوسطة قدرها 3.42".

ومع ذلك، يؤكد أوستن أنه من الصعب القول بشكل قاطع أن كل هذه الزلازل ناتجة عن السد، لأن المنطقة تشهد بشكل دوري زلازل تقع بشكل طبيعي، لكنه يجزم أن الزلزال الوحيد الذي كان له علاقة مباشرة بلا أدنى شك بالسد، هو الزلزال الذي وقع في 8 مايو/أيار 2023 بقوة 4.4 درجة، والذي كان مركزه على بعد 110 كيلومترات فقط من السد، ووقع في منطقة لم تشهد زلازل منذ 150 عاما.

ويقول: "لا شك أن سد النهضة كان له علاقة بهذا الزلزال، لأنه وقع في منطقة فوالق قديمة لم تشهد زلازل منذ فترة طويلة، حيث عملت هذه الفوالق كمسارات طبيعية تسمح للمياه المتسربة من السد بالتسرب إلى الأعماق، وهذا يجعل تلك الفوالق أكثر عرضة للانزلاق، وبالتالي يزداد خطر الزلازل في هذه المواقع بالذات".

هبوط بجسم السد

وانطلاقا من الوضع الجيولوجي الهش لمنطقة بناء سد السرج أو ما يعرف بـ"السد الركامي"، كان السؤال الثالث، الذي سعى الباحثون للإجابة عليه هو "هل جسم السد آمن؟".
يقول الباحث بكلية شميد للعلوم والتكنولوجيا بجامعة تشابمان الدكتور ريجويس توماس، وأحد أعضاء الفريق البحثي للجزيرة نت: "للإجابة على السؤال، استخدمنا تقنية فضائية اسمها "بيرسستنت سكاترر إنترفيرومتري"، والتي تقيس الحركة بدقة الملليمتر".

وتعمل هذه التقنية عن طريق التقاط القمر الصناعي صورا رادارية متكررة لنفس المنطقة على مدى أشهر أو سنوات، وتركز التقنية على نقاط ثابتة جدا تسمى المشتتات الدائمة، مثل المباني، الصخور الصلبة، الجسور، والمنشآت الخرسانية.

وتعكس هذه النقاط إشارة الرادار بشكل ثابت عبر الزمن، ويتم مقارنة الإشارة الرادارية بين الصور المتعاقبة، وحساب أي تغير دقيق في المسافة بين القمر الصناعي وتلك النقاط، وأي تغير في المسافة يتم ترجمته إلى هبوط أرضي أو ارتفاع أو انزلاق بطيء.

ويقول توماس: "كانت النتيجة الصادمة التي رصدناها هي حدوث هبوط غير متساوٍ يصل إلى 40 ملم".

مسارات واضحة للتسرب

ولأن الهبوط غير المنتظم مقلق للغاية، لأنه يتسبب في حدوث تشققات، تؤدي بدورها إلى تسرب للمياه، ليحدث مع الوقت نتيجة لذلك، تآكل داخلي وانهيار محتمل في جسم السد، كان السؤال الرابع الذي سعى الباحثون للإجابة عليه هو "هل هناك مسارات تسرب واضحة؟".

يقول الباحث بقسم علوم بيانات الغلاف الجوي والبيانات الجغرافية المكانية بجامعة سيجد بالمجر، والمشارك بالدراسة الدكتور علي الجندي للجزيرة نت: "للإجابة على هذا السؤال استخدمنا أقمارا مثل "سينتنال 2″، حيث تقوم آلية عملها على أن المياه المتسربة إلى التربة تغير رطوبة التربة ونباتات المنطقة، ليقوم هذا القمر متعدد الأطياف باكتشاف هذه التغيرات، والتي تتجسد في ظهور مناطق رطبة أكثر من الطبيعي، وتغير لون النباتات أو نموها بسبب زيادة الماء، والنتيجة هي تحديد المناطق التي قد يتسرب إليها الماء حول السد".

إعلان

وباستخدام هذه الطريقة، يؤكد الدكتور الجندي رصدهم لتغيرات لونية غير طبيعية، ومناطق رطبة تظهر وتختفي، وتطابقا بين هذه المناطق ومسارات صدوع جيولوجية، وهذا يعني أن المياه تجد طريقها عبر الشقوق القديمة في الصخور.

ماذا لو فشل سد السرج؟

كانت الإجابة على الأسئلة الأربعة تنبئ بخطر محتمل، لذا حرص الباحثون على إجراء محاكاة لانهيار السد، كشفت أنه يمكن أن يتسبب في موجة فيضانية تعبر الحدود خلال ساعات، وتصل إلى السودان ثم مصر، وتضع ملايين البشر على حافة الخطر.

ويقول الدكتور هشام: "دراستنا بهذا المنهج المتكامل، هي بمثابة راية حمراء يتم رفعها مبكرا قبل أن يتشكل الخطر العابر للحدود".

والحل الذي يقترحه هو حتمية حدوث تعاون اليوم قبل غد بين إثيوبيا ودول المصب لفحص السد الركامي وإجراء دراسات هندسية حول إمكانية إصلاح أخطائه، فإذا لم تكن هناك إمكانية للإصلاح، فليس من حل سوى التفريغ البطيء لهذا السد وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه، ويتم الاقتصار على السد الأساسي بسعة 19.5 مليار متر مكعب، وبدون ذلك، فالخطر قادم لا محالة.



إقرأ المزيد