موقع سي ان ان بالعربية - 2/22/2026 12:58:49 PM - GMT (+3 )
(CNN)-- لطالما رغبت أولينا بيلوزيرسكا وزوجها في إنجاب أطفال. كانت تبلغ من العمر 34 عامًا وكانا على استعداد لبدء المحاولة عندما اندلعت الحرب في شرق أوكرانيا عام 2014. انضم الزوجان إلى القتال وقررا تأجيل إنجاب طفل. وعندما تركت بيلوزيرسكا الخدمة العسكرية، كانت تبلغ من العمر 41 عامًا، وأخبرها الأطباء أن فرصها في الإنجاب شبه معدومة. كان الأوان قد فات.
ومع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، يتراجع معدل المواليد في البلاد بشكل حاد، حيث يعاني عدد متزايد من الأشخاص من مشاكل في الخصوبة أو يؤجلون قرار الإنجاب. في الوقت نفسه، تتزايد الخسائر على جبهات القتال، واستقر ملايين الأشخاص الذين فروا كلاجئين في الخارج. والنتيجة هي واحدة من أسوأ الأزمات الديموغرافية في العالم.
وقالت عالمة الديموغرافيا الأوكرانية البارزة، إيلا ليبانوفا، لشبكة CNN: "إنها كارثة. لا يمكن لأي دولة أن توجد بدون سكان. حتى قبل الحرب، كانت الكثافة السكانية في أوكرانيا منخفضة وموزعة بشكل غير متساوٍ للغاية."
وأضافت ليبانوفا أن أوكرانيا فقدت نحو 10 ملايين شخص منذ بداية الحرب، بين قتلى ومغادرين للبلاد ومقيمين في مناطق تحت الاحتلال الروسي. وبينما يشهد معدل المواليد في البلاد انخفاضاً مستمراً منذ سنوات - وهو اتجاه شائع في أوروبا - فقد انهار الآن بشكل شبه كامل.
وأجبر العدوان الروسي غير المبرر ملايين الأوكرانيين على تعليق حياتهم. لكن بالنسبة للعديد من النساء، قد يكون لهذا القرار ثمن باهظ.
وعندما عادت بيلوزيرسكا من الجبهة، أُبلغت أن فرصتها في إنجاب طفل لا تتجاوز 5%. وقالت: "نصحني الأطباء بعدم إضاعة الوقت والخضوع لعملية زرع بويضة متبرعة على الفور". لم تكن متحمسة للفكرة، فبدأت علاج الخصوبة، رغم أن الاحتمالات كانت ضئيلة للغاية.
وقالت بيلوزيرسكا لشبكة CNN في كييف: "يعيش الجنود يومًا بيوم. ينتظرون بفارغ الصبر المساء واليوم التالي. لديهم احتياجات ملحة - من أين يحصلون على المال لشراء طائرات بدون طيار، أو لإصلاح سياراتهم. لا يخططون لأي شيء للمستقبل".
ولزيادة فرص نجاح عملية التلقيح الصناعي (IVF)، يحاول الأطباء عادةً استخراج ما بين 10 و15 بويضة في كل دورة. في حالة بيلوزيرسكا، تمكنوا من استخراج بويضة واحدة فقط، وحذروها فورًا من أن احتمالية كونها سليمة ضئيلة. وبعد تخصيبها بحيوانات زوجها المنوية، حذروها مرة أخرى: مخاطر عدم نجاح العملية عالية.
وكانت الأيام القليلة التالية عذابًا حقيقيًا، حيث انتظر الزوجان بفارغ الصبر لمعرفة مصير الجنين. وعندما نجا، كانت بيلوزيرسكا، البالغة من العمر 42 عامًا آنذاك، مستعدة لاغتنام فرصتها الوحيدة في إنجاب طفل.
في ذلك الوقت، شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا. وبصفتها ضابطة عسكرية مدربة تدريبًا كاملًا، كانت بيلوزيرسكا مطلوبة بشدة للعودة إلى الجبهة. بقي الجنين في كييف، مجمدًا ومحفوظًا في بنك للتجميد مع ما يقارب 10,000 جنينا آخر.
وقالت بيلوزيرسكا لشبكة CNN: "عدتُ إلى الحرب، وكنتُ أخشى بشدة أن تتعرض العيادة للقصف، فاتصلتُ بها وسألتُ عما سيحدث، وما إذا كان سيتم نقل بنك التجميد إلى الخارج، وما إذا كان آمنًا". طمأنوها بأن العيادة محاطة بجدار مُحصّن يحمي الأجنة. صحيح أنه لن يصمد أمام ضربة مباشرة، لكنه سيحميها من الشظايا والحطام.
ويُعدّ الدكتور فاليري زوكين من رواد طب الإنجاب في أوكرانيا، وهو مدير العيادة التي حُفظ فيها جنين بيلوزيرسكا. تُسمى العيادة "ناديا"، أي "الأمل" باللغة الأوكرانية.
وصرح لشبكة CNNبأن الحرب تُلحق أضرارًا جسيمة بمعدلات الخصوبة في أوكرانيا. وقال: "أرى ذلك بأم عيني. نشهد المزيد من المضاعفات، والمزيد من التشوهات، والمزيد من الصعوبات في إتمام الحمل". وأوضح أن الفحوصات الجينية الروتينية على الأجنة المُجهضة كشفت عن ارتفاع حاد في نسبة التشوهات الكروموسومية منذ بداية الحرب.
بلد الأرامل
ظهرت على إيرينا إيفانوفا جميع علامات الحمل المبكرة. لكنها لم ترغب في إخبار زوجها حتى تتأكد. كان متحمسًا للغاية لاحتمالية إنجاب الأطفال، ولم ترغب إيفانوفا في أن تُعلّق آماله خشية أن يكون الأمر مجرد إنذار كاذب.
وعندما تأكدت من حملها، كان الأوان قد فات لإخباره. فقد قُتل زوجها، بافلو إيفانوف، حب حياتها، وأحد نخبة طياري إف-16 في أوكرانيا، في 12 أبريل/نيسان 2025.
وعندما وُلدت ابنتها في ديسمبر/كانون الأول، أطلقت عليها إيفانوفا اسم يوستينا، وهو الاسم الذي اختاره الزوجان معًا عندما كانا يحلمان بإنجاب الأطفال. تتمتع يوستينا بعيون بافلو الزرقاء الفاتحة، ويبدو أنها ورثت عنه هدوءها.
وقالت إيفانوفا لشبكة CNNوالدموع تنهمر على وجهها: "عندما سمعت بكاءها، في تلك اللحظة الأولى، شعرت وكأنني بدأت أتنفس من جديد. يمكنك أن تشعر بأعظم فرح وأعظم ألم، وتعتاد على أن يكونا جزءًا منك ومن حياتك الآن."
ولا تنشر أوكرانيا بياناتها عن الخسائر البشرية، لكن تقريرًا صدر في يناير/كانون الثاني عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث أمريكي، قدّر أن ما بين 100 ألف و140 ألف أوكراني قُتلوا منذ بدء الغزو الشامل قبل أربع سنوات.
وبسبب ارتفاع سن التجنيد في البلاد نسبيًا، وإعفاء أصغر المجندين سنًا من الخدمة في الخطوط الأمامية، يبلغ متوسط عمر الجندي الأوكراني حوالي 43 عامًا، وهو عمر أكبر بكثير من نظرائه في العديد من الدول الغربية.
ونتيجةً لذلك، فإنّ معظم الرجال والنساء الذين يفقدون أرواحهم على الجبهات متزوجون ولديهم أطفال، وتتحول أوكرانيا إلى بلدٍ للأرامل والأيتام. تُظهر الإحصاءات الرسمية وجود 59 ألف طفل يعيشون الآن بدون والديهم البيولوجيين في أوكرانيا، معظمهم في أسر حاضنة.
تُدرك أوكسانا بوركون جيدًا وصمة العار التي تُلاحق الأرامل الشابات. فقد قُتل زوجها فولوديمير هونكو في باخموت صيف عام 2022. ولأنها نشأت في ثقافةٍ يُفترض فيها أن يكون الحزن سرًا، وغالبًا ما يُنظر إلى النساء غير المتزوجات نظرةً دونية، فقد جعلت من مهمتها تيسير حياة الأرامل في أوكرانيا.
في مقهى دافئ بوسط كييف، كانت بوركون وصديقتاها جوليا سيليوتينا وأولينا بيليتسكا يتبادلن القصص وهنّ يحتسين القهوة والشوكولاتة الساخنة، بينما كان مولد الديزل الخاص بالمقهى - الذي أصبح ضروريًا بسبب تدمير روسيا المستمر للبنية التحتية للطاقة في أوكرانيا - يُصدر صوتًا خافتًا في الخلفية.
جمعت الحزن المشترك والرغبة في مساعدة الأخريات اللواتي يمررن بنفس الظروف ثلاث نساء أرامل. تضم مجموعتهن الإلكترونية لدعم أرامل العسكريين الآن أكثر من 6000 عضوة، كما ينظمن لقاءات دورية مباشرة، وأمسيات تأبينية، وفعاليات أخرى.
وتُعدّ بوركون القوة الدافعة وراء العديد من هذه المشاريع، وهي التي أقنعت بيليتسكا بالمشاركة في مشروع يهدف إلى توفير هدايا عيد ميلاد لأبناء الشهداء.
وبعد أن ترملت في سن الـ45 من عمرها، تقبّلت بيليتسكا حقيقة أنها لن تنجب طفلاً بعد الآن. كانت هي وزوجها يحاولان الإنجاب ويتلقيان العلاج عندما التحق بالحرب.
وقالت لشبكة CNN: "لقد حرمتني الحرب من سنوات كان بإمكاني فيها الإنجاب"، فيما قالت إيرينا لشبكة CNN إنها وبافلو إيفانوف كانا مصممين على إنجاب الكثير من الأطفال - بالتأكيد أكثر من ثلاثة.
وانخفض معدل الخصوبة في أوكرانيا، أي عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في المتوسط طوال حياتها، إلى أقل من طفل واحد، مقارنةً بـ 1.4 في أوروبا و1.6 في الولايات المتحدة.
وحتى قبل الحرب، كان من النادر أن يفكر زوجان شابان مثل عائلة إيفانوف في إنجاب أكثر من طفلين. لقد كانا بالضبط من النوع الذي تحتاجه أوكرانيا للتغلب على أزمتها الديموغرافية الحادة. لكن ذلك الحلم تبدد مع وفاة زوجها.
قد يهمك أيضاً
إقرأ المزيد


