جيسي جاكسون.. أحد أبرز قادة حركة الحقوق المدنية الأمريكية في القرن العشرين
الجزيرة.نت -

سياسي وحقوقي وقس أمريكي، ومن أبرز قادة حركة الحقوق المدنية الأمريكية في القرن العشرين إلى جانب مارتن لوثر كينغ الابن، قبل أن ينخرط لاحقا في العمل السياسي الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي.

أسس تحالف "رينبو/بوش"، وخاض سباق الرئاسة مرتين في الثمانينيات، وقدّم في مسيرته خطابا ركّز على العدالة الاجتماعية، وتوسيع التمثيل السياسي للفئات المهمّشة، وربط بين المطالب الحقوقية التقليدية وقضايا اقتصادية واجتماعية أوسع. وكان حضوره السياسي محور نقاش حول كيفية تحويل الاحتجاج إلى عمل مؤسساتي فعّال.

توفي في 17 فبراير/شباط 2026، بعد مسار طويل تنقّل فيه بين العمل الديني والميداني والسياسة الحزبية والدبلوماسية غير الرسمية.

المولد والنشأة

وُلد جيسي لويس يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 1941 في غرينفيل بولاية كارولينا ساوث، ونشأ في ظل نظام الفصل العنصري المعروف بـ"جيم كرو".

وكانت البيئة الاجتماعية في الجنوب آنذاك قائمة على الفصل القانوني والمؤسسي بين البيض والسود، وهو سياق أثّر في تكوينه المبكر.

حمل جاكسون عند الولادة اسم جيسي لويس بيرنز، قبل أن يتبنّاه لاحقا تشارلز هنري جاكسون فحمل اسمه.

وشكلت ظروف نشأته، بما فيها الفوارق التعليمية والاجتماعية، إطارا مبكرا لاهتمامه بقضايا المساواة والهوية، وهو ما انعكس لاحقا في خطابه العام.

جيسي جاكسون داخل سيارة للشرطة بعد اعتقاله إثر مشاركته في اعتصام بنيويورك أوائل 1971 (أسوشيتد برس)
الدراسة والتكوين العلمي

التحق جاكسون بجامعة إلينوي بمنحة رياضية، قبل أن ينتقل إلى جامعة كارولينا نورث للزراعة والتقنية -إحدى الجامعات التاريخية للسود- ويلتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية وينال البكالوريوس في علم الاجتماع عام 1964، وبرز في تلك الفترة بالنشاط الطلابي وترأس اتحاد الطلبة.

وفي أثناء دراسته الجامعية، انخرط جاكسون في حركة الحقوق المدنية وانضم إلى فرع غرينسبورو لمؤتمر المساواة العرقية (كور)، وأسهم عام 1963 في تنظيم احتجاجات أدت إلى إنهاء الفصل العنصري في المطاعم والمسارح المحلية.

إعلان

واختير جاكسون لاحقا مديرا ميدانيا لعمليات "كور" في ولايات الجنوب الشرقي ورئيسا لمجلس حقوق الإنسان الجامعي في كارولينا نورث، كما شارك في عام 1964 مندوبا في المؤتمر الوطني للشباب الديمقراطيين.

تابع دراسته في معهد شيكاغو اللاهوتي بعد تلقيه منحة روكفلر، وحصل على الماجستير في علم اللاهوت عام 2000. وفي هذه المرحلة، عمل مع الناشط السياسي مارتن لوثر كينغ الابن في إطار "مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية"، كما أصبح قسا مرسوما.

وأتاح له هذا الانخراط الاحتكاك المباشر بقيادات حركة الحقوق المدنية وأساليبها التنظيمية، وأسهم في انتقاله من النشاط الطلابي إلى العمل السياسي الأوسع.

مارتن لوثر كينغ الابن (يمين) وإلى جانبه مساعده جيسي جاكسون في شيكاغو يوم 19 أغسطس/آب 1966 (أسوشيتد برس)
التجربة الحقوقية

تطوّرت علاقة جاكسون بكينغ الابن من تواصل مبكر في أوائل الستينيات إلى شراكة تنظيمية داخل حركة الحقوق المدنية، قبل أن تشهد توترات في مرحلتها الأخيرة.

انخرط جاكسون رسميا في العمل ضمن "مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية" بعد مشاركته في مسيرات "سيلما" عام 1965، وسرعان ما برز باعتباره أحد الوجوه الشابة النشطة في التنظيم.

تولّى إدارة برنامج شيكاغو الاقتصادي المعروف بـ"عملية سلة الخبز" المعني بالضغط الاقتصادي لتحسين فرص التوظيف للأمريكيين الأفارقة، ثم توسعت صلاحياته ليشرف على البرنامج وطنيا. وفي هذه المرحلة، حظي بتقدير كينغ لفاعليته التنظيمية وقدرته على الحشد.

بيد أن اتساع حضوره داخل الحركة ترافق مع خلافات حول أسلوب القيادة وحدود المبادرة الفردية. وتشير شهادات إلى أن العلاقة بين جاكسون وكينغ شهدت توترا قبيل اغتيال كينغ في 4 أبريل/نيسان 1968، بسبب تباينات في الرؤية والتنظيم.

الثاني من اليمين مارتن لوثر كينغ الابن وعلى يمينه جيسي جاكسون في ممفيس قبل يوم من اغتيال كينغ في 3 أبريل/نيسان 1968 (أسوشيتد برس)

وكان جاكسون في ممفيس يوم اغتيال كينغ، وقال إنه كان قريبا منه في لحظاته الأخيرة، مع ذلك شكك بعض مساعدي كينغ بالرواية متهمينه باستغلال الحادثة للترويج لنفسه، خاصة وأن جاكسون ظهر بقميص ملطخ بدماء قائدهم بعدها بأيام أمام الصحافة، وقد أثارت هذه القضية جدلا واسعا في أوساط الحركة.

وفي السنوات التالية، قدّم جاكسون نفسه أحد أبرز حاملي إرث كينغ السياسي، وهو طرح لقي قبولا لدى مؤيديه، فيما أثار تحفظات لدى آخرين داخل حركة الحقوق المدنية.

لاحقا، غادر جاكسون إطار البرنامج وأسس مساره التنظيمي المستقل بإنشاء منظمة "بوش" عام 1971 لدعم الأفارقة ونبذ العنصرية، ويعني اسمها اختصار "الشعب الموحد لخدمة البشرية".

وفي عام 1984، أنشأ جاكسون "التحالف القومي لقوس قزح" للدفاع عن حقوق الأمريكيين من أصول أفريقية والنساء ومجتمع "الشاذين جنسيا"، ثم دمج المنظمتين عام 1996 ضمن تحالف "رينبو/بوش".

جيسي جاكسون مع زوجته أثناء استراحة من حملته الانتخابية في لوس أنجلوس يوم 18 مايو/أيار 1984 (أسوشيتد برس)
التجربة السياسية

عام 1983 أعلن جاكسون ترشحه للرئاسة، فكان ثاني أمريكي من أصل أفريقي (بعد شيرلي تشيشولم) يخوض حملة على مستوى البلاد للترشح للرئاسة، وأول مرشح أسود.

إعلان

وخاض جاكسون الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي عامي 1984 و1988، معتمدا على "ائتلاف قوس قزح"، ولم يفز بالترشيح، لكنه حصل على نسبة لافتة من الأصوات، مما عزّز حضوره داخل الحزب.

وفي تلك المرحلة، تعاون مع شخصيات مثل رونالد والترز لدعم توسيع آليات التمثيل داخل الحزب. ويرى بعض الباحثين أن هذه التحولات التنظيمية أسهمت لاحقا في تسهيل صعود شخصيات من خلفيات متنوعة، من بينهم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

في المقابل، واجه جاكسون انتقادات حادة، أبرزها الجدل الذي أثارته تصريحات نُسبت إليه في حملة 1984 استعمل فيها مصطلحا عدّ مسيئا لليهود، مما اضطره إلى تقديم اعتذار علني. وشكلت هذه الحادثة محطة اختبار لعلاقته بقاعدته الانتخابية وبالتحالفات التي سعى لبنائها.

وشغل جاكسون منصب "سيناتور ظل" لواشنطن العاصمة عام 1989، في إطار المطالبة بمنحها صفة ولاية كاملة. وعام 1997، عيّنه الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون مبعوثا خاصا لتعزيز الديمقراطية في أفريقيا.

جيسي جاكسون (يمين) مع رونالد ريغان في أثناء مراسم بحديقة البيت الأبيض يوم 4 يناير/كانون الثاني 1984 (أسوشيتد برس)

وعلى المستوى الدولي، اضطلع جاكسون بأدوار تفاوضية غير رسمية، من بينها:

  • التوسط لإطلاق سراح الطيار الأمريكي روبرت غودمان في سوريا عام 1984.
  • الإسهام في الإفراج عن رهائن في العراق عام 1991.
  • المشاركة في جهود إطلاق أسرى أمريكيين في حرب كوسوفو عام 1999.

وانقسمت الآراء حول هذه التحركات؛ فبينما عُدّت مبادرات إنسانية ناجحة، وُصفت أيضا بأنها تدخلات موازية قد تتعارض مع القنوات الدبلوماسية الرسمية.

استمر جاكسون في نشاطه حتى بعد تسعينيات القرن العشرين، مشاركا في إعادة إحياء مسيرة "الأحد الدامي" والتظاهر مع حركة "حياة السود مهمة" بعد مقتل الأمريكي من أصول أفريقية جورج فلويد على يد الشرطة عام 2020.

وقد أثّرت سياساته التقدمية على مسار السياسيين مثل النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وعضو مجلس الشيوخ برني ساندرز.

وفي عام 2003، أنشأ جاكسون مشروع وول ستريت الذي يهدف إلى توسيع الفرص الاقتصادية للأمريكيين من أصول أفريقية من خلال تشجيع الاستثمار الشركاتي في المجتمعات والأعمال الأقلية.

وفي عام 2004، أصبح مضيفا لبرنامج إذاعي وطني بعنوان "أبق الأمل حيا". واستمر حضوره في المجال العام لسنوات لاحقة، سواء عبر الخطابة أو التعليق على قضايا سياسية واجتماعية معاصرة.

جيسي جاكسون يلقي الكلمة الرئيسية في حفل تخرج جامعة مورغان لعام 2015 احتفالا بالذكرى الخمسين لقوانين حقوق التصويت لعام 1965 (الفرنسية)
الجوائز والأوسمة

حصد جاكسون عددا من الأوسمة كان أبرزها:

  • أكثر من 40 شهادة فخرية.
  • جائزة "قلادة سبينغارن" من "الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين".
  • ظهرت صورته على ختم بريدي خاص بخدمة البريد الأمريكية، ليصبح ثاني شخص حي ينال هذا التكريم عام 1991.
  • وسام الحرية الرئاسي عام 2000.
  • درجة الماجستير الفخرية من معهد شيكاغو اللاهوتي تقديرا لعقود خدمته المدنية.
أبرز المؤلفات

تناولت أعمال جاكسون قضايا التمييز والنظام الجنائي والعلاقة بين العرق والعدالة. كما أدى دورا في النقاش العام حول استخدام مصطلح "أمريكيون أفارقة" بدلا من "سود"، في سياق إعادة تعريف الهوية داخل الخطاب السياسي والإعلامي.

وكان من أبرز مؤلفاته:

  • "مباشرة من القلب" عام 1987.
  • "الإعدام خارج نطاق القانون" عام 2003.
الوفاة

توفي جاكسون في شيكاغو يوم 17 فبراير/شباط 2026 عن عمر ناهز 84 عاما، بعد معاناة مع مرض باركنسون (اضطراب عصبي يؤثر على الحركة ولا يمكن علاجه) منذ عام 2017، واضطراب عصبي نادر يعرف بالشلل فوق النووي التقدمي وشخص به عام 2025.

إعلان



إقرأ المزيد