الجزيرة.نت - 2/21/2026 12:17:57 PM - GMT (+3 )
الرباط– مع حلول رمضان المبارك، لا يستقبل المغاربة مناسبة دينية وروحية فحسب، بل ينتقلون إلى زمن اجتماعي مغاير، تتبدل فيه ساعات اليقظة والنوم، وتتغير وتيرة الحركة في الشوارع والأحياء والأسواق، ويعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأولويات الحياة اليومية على إيقاع الصيام.
تتراجع وتيرة الحركة والاستهلاك نهارا لتتصاعد في المساء قبيل ساعة الإفطار، إذ تتحول الأسواق إلى خلايا نحل تتسارع فيها الحركة ولا تخف إلا مع اقتراب أذان صلاة المغرب.
تتحول الأزقة إلى فضاء حميمي تفوح منه روائح تنعش الذاكرة والوجدان، روائح الحريرة وهي الحساء الذي يشكل العنوان الرئيسي للمائدة المغربية، ويحضر إلى جانبها التمر وحلوى "الشباكية" وطبق "سلّو" في استمرارية لطقوس وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، مع لمسات عصرية للجيل الجديد من معجنات محشوة وسلطات خضراوات وفواكه ومشاوي وأسماك.
تتجاوز مائدة الإفطار بعدها الأسري كفضاء لتجمع العائلة الصغيرة والكبيرة، لتصبح مساحة تضامن اجتماعي أوسع عبر تنظيم موائد إفطار جماعية في الأحياء الشعبية وحملات توزيع السلال الغذائية على الأسر المحتاجة، وتنظيم موائد إفطار مجانية للعابرين والمعوزين في المقاهي والمطاعم، إلى جانب توزيع صناديق الإفطار على المسافرين في الطرق، وهي كلها ممارسات تعكس حضور البعد التكافلي في الثقافة المغربية.
حيوية اللياليبعد الإفطار تستعيد المدن حيويتها، فتمتلئ المساجد الكبيرة والصغيرة وساحاتها والشوارع المحيطة بها بالمصلين بملابسهم التقليدية في صلاة التراويح.
ويتخذ المشهد بعدا رمزيا في معالم دينية كبرى مثل مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ومسجد حسان بالرباط، إذ يصطف آلاف المصلين جنبا إلى جنب في صفوف متراصة وخشوع كبير يعكس وحدة جماعية نادرة.
إعلان
وبينما تتنافس المساجد على اختيار أفضل القراء وأشجاهم صوتا لأداء صلاة التراويح، يحرص المصلون على التنقل بين المساجد طيلة أيام رمضان للاستمتاع بأصوات أكبر عدد من القراء، ومنهم من يسافر إلى المدن المجاورة للصلاة خلف شيوخهم المفضلين.
تتحول المساجد إلى فضاء للتنافس بين الصغار والكبار وبين الرجال والنساء في مسابقات قرآنية تعكس تمسك المغاربة بحفظ القرآن الكريم وتجويده، فيما تحرص العديد من المساجد على تنظيم أمسيات للتبرع بالدم بعد صلاة التراويح والتي تلقى إقبالا من المصلين الصائمين الراغبين في نيل مزيد من الأجر والثواب.
وتحتفظ القراءة القرآنية في المغرب بخصوصيتها من خلال تقليد الحزب الراتب وهو نظام تلاوة جماعية يومية برواية ورش عن نافع يعود إلى القرن السادس الهجري، لكنه ما زال محفوظا ومستمرا في المساجد يسهم في صون هوية دينية مغربية خاصة ويقوي الانتماء إلى مرجعية روحية مشتركة.
ما تزال شخصية "النَّفَّار" تجوب الأزقة قبيل صلاة الفجر في بعض المدن العتيقة، ويضرب على الطبل لإيقاظ السكان إلى السحور، ورغم أن المنبهات الحديثة والهواتف قلصت الحاجة إليه إلا أن بعض الشباب يحاولون إحيائها واستحضارها من الذاكرة لتظل صامدة بوصفها رمزا لاستمرارية التراث داخل نسيج حضري متحول باستمرار.
ويميل السحور المغربي إلى البساطة، شاي وزيت زيتون وخبز وجبن و "سلو" أو "ياغورت" (زبادي) وفاكهة، لكنه يمثل لحظة تأمل هادئة تسبق عودة دورة الصيام.
رمضان يجمع الأجيالعاشت الحاجة فاطنة بوعنان تغيرات رمضان في العقود الماضية ما بين بادية دكالة وأحياء الدار البيضاء الشعبية. تعود بذاكرتها إلى سبعة عقود خلت، حين كانت مائدة الإفطار بسيطة وتقتصر على حساء "الحريرة" ومعجنات مثل "المسمن" و"البغرير"، والقهوة بالحليب.
وتتذكر كيف كان جميع أفراد العائلة في القرية يجتمعون مرة كل أسبوع، ويحضر كل فرد طبقا من المكسرات والمعجنات، ويسهرون يتبادلون الأحاديث إلى موعد السحور.
وحتى عندما استقرت في المدينة، تروي للجزيرة نت أن رمضان ارتبط بالطقوس الجماعية بين الجيران، إذ كانت النساء يجتمعن لتنقية السمسم واليانسون وغيرها من المكونات التي تدخل في إعداد "سلو"، كما كن يجتمعن يوما آخر لإعداد حلوى "الشباكية" بشكل جماعي.
تصف رمضان في الماضي بأنه لم يكن شهر تبذير، وتقول "كنا نعد ما نستطيع أكله، ونتبادل مع الجيران الأطباق التي نعدها، فمثلا أعطي لجيراني طبقا من "سلو" ويرسلون لي في المقابل لأتذوق ما أعدوه من "حريرة" أو "شباكية"".
تسترجع تلك الأيام البعيدة، وتردد " تغيرت أشياء كثيرة، والعلاقات بين الجيران لم تعد بنفس الحميمية والقوة، لكن مع ذلك لم تتغير في داخلي روح رمضان".
أما بالنسبة للمعلمة الشابة هاجر الدخيلة، فإن رمضان مختلف عن باقي الشهور لعظمته وأجوائه المميزة.
ملامح ترفيهيةتقول هاجر للجزيرة نت إن للشهر الكريم مكانة خاصة في قلبها، فهو ينقلها من العبادات العادية إلى العبادة المجتهدة التي تتسع لتشمل النوافل والصدقات وإصلاح ذات البين والتكافل والسؤال عن الغير، لافتة إلى أن التقاليد والعادات المحلية والاستعدادات للشهر وفق الطريقة المغربية تضفي عليه لمسة خاصة ونكهة مميزة تجعله من أفضل الشهور وأعظمها.
إعلان
إلى جانب الطقوس الدينية والعادات الغذائية، يحتفظ رمضان في المغرب بملامح ترفيهية، فبعد صلاة التراويح تستعيد الحياة الليلية حيويتها لكن بروح مختلفة، يتوزع المغاربة بين السهرات العائلية في البيوت أو جلسات الرفاق والأصدقاء في المقاهي أو الألعاب الشعبية في الأزقة، فيما تظل لدوريات كرة القدم الرمضانية نكهة أصيلة في الأحياء الشعبية وخصوصية تميز رمضان في المغرب.
ولا تفوت الجمعيات والمؤسسات هذه المناسبة دون تنظيم حفلات في السماع والمديح لإحياء التراث الفني الأصيل ونقله إلى الأجيال الشابة.
يشكل رمضان في المغرب لوحة اجتماعية متكاملة وموسما روحيا واجتماعيا مكثفا تعيد فيه الجماعة اكتشاف ذاتها وتوطد العلاقات بين أفرادها، وتستحضر هويتها وذاكرتها المشتركة، وتختبر قدرتها على التماسك والتضامن والتسامح.
إقرأ المزيد


