الجزيرة.نت - 2/21/2026 9:48:24 AM - GMT (+3 )
Published On 21/2/2026
شارِكْ
لا يمر يوم من أيام شهر رمضان إلا ويسجل في طياته مشاهد مفصلية تمثل تحولاً استراتيجياً أعاد رسم خارطة القوى، أو شهد ميلاد فكرة غيّرت مسار أمة.
وفي الرابع من رمضان، تتزاحم الذكريات بين أول لواء عُقد في الإسلام، وبين سقوط واحدة من أشد قلاع الصليبيين الحصينة، وصولاً إلى معارك التحرر في العصر الحديث.
في الرابع من رمضان من العام الأول للهجرة، شهدت المدينة المنورة حدثاً عسكرياً تاريخياً؛ حيث عقد الرسول ﷺ أول لواء في تاريخ الإسلام.
حمل الصحابي "أبو مرثد الغنوي"، لواء أبيض وخرج تحت ظلّه 30 رجلاً من المهاجرين بقيادة عم النبي "أسد الله" حمزة بن عبد المطلب.
استهدفت السرية اعتراض قافلة لقريش بقيادة أبي جهل عند ساحل البحر الأحمر فلما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا، فأطاعوه وانصرفوا ولم يقتتلوا.
ورغم أن الوساطة القبلية منعت وقوع القتال، إلا أن "سِيف البحر" كانت الإعلان الرسمي عن ولادة قوة سياسية وعسكرية قادرة على تهديد شريان قريش الاقتصادي.
نهاية حلم صليبي (666 هـ)وضع الظاهر بيبرس أنطاكيا نصب عينيه بعدما هزم المغول في معركة عين جالوت، لأنها كانت رأس حلفاء وشركاء المغول، وبقي يخطط طوال 10 سنوات بعد تولّيه الحكم حتى استطاع بذكائه ودهائه هدم حصنها المنيع، فاتحا بذلك يوم الرابع رمضان عام 666هـ منطقة مهمة تتحكم بالطرق الشمالية للشام، وكاسرا بها شوكة الصليبيين بتدمير ثاني إمارة بعد "الرها" يؤسسها الصليبيون في أعقاب حملتهم الأولى.
عُدّ فتح أنطاكيا أعظم فتح حققه المسلمون على الصليبيين منذ فتح صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس، لما حمله من قوة وعزة وتمكين للمسلمين في مرحلة عرفوا فيها بالوهن والضعف وضياع أراض بين أيدي المغول والصليبيين.
فتحت أنطاكيا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبقيت المدينة تحت حكم المسلمين حتى سيطر عليها الإمبراطور البيزنطي نقفور الثاني، ثم وقعت بيد السلاجقة عام 1085م.
إعلان
وهكذا تناقلتها الأيدي حتى بداية الحملات الصليبية الأولى على الشام عام 1098م (491هـ) وسقوطها بيد بوهمند الذي جعل منها ثاني إمارة صليبية، وبقيت كذلك على امتداد نحو 170 سنة.
وبعد استيلاء الصليبيين عليها أزالوا كل أثر إسلامي فيها، وحوّلوا مساجدها إلى كنائس، وحصّنوها بسور طوله 12 كيلومترا، داخله 136 برجا و24 ألف شرفة، يطوف عليها حراس كل يوم وليلة بالتناوب، وجعلوها قاعدتهم العسكرية لقيادة حروبهم الصليبية، حتى غدت أعظم المدن مناعة وحصانة وقتئذ، وصار فتح المسلمين لها أمرا صعبا، إلى أن أتى الظاهر بيبرس وزلزلها بحصار دام 5 أيام فقط!
شهد هذا اليوم في بلاد الهند واقعة سياسية أليمة؛ حيث قُتل السلطان جلال الدين فيروز شاه الخلجي، مؤسس الدولة الخلجية في دلهي، غدراً على يد ابن أخيه وصهره "علاء الدين الخلجي".
رغم قسوة البداية، إلا أن علاء الدين الخلجي تحول لاحقاً إلى واحد من أعظم سلاطين الهند، والدرع الحصين الذي صد جحافل المغول ومنع تمددهم في شبه القارة الهندية.
استطاع أن يُخضع الهند الوسطى، فاستولى على مملكة غوجارات وجيتور (جنوب الهند) ومملكة تلينكانا ومدينة هاليبيد والمهرات، وضم الدكن التي لم تسقط بيد أحد من السلاطين قبله، وخاض نحو 84 معركة انتصر فيها جميعا، حتى لُقّب "الإسكندر الثاني".
العصر العثمانياستمر الرابع من رمضان في كونه موعداً للتحولات الكبرى في العهد العثماني حيث أعلنت الدولة العثمانية 1073 هـ (الموافق 12 أبريل 1663م)، رسمياً الحرب على إمبراطورية النمسا (هابسبورغ)، إثر بناء النمساويين قلعة "زيرينفار" المنيعة على الحدود، والتحرشات العسكرية بقلعة "نيوهوسل" (أويفار في المصادر العثمانية) التي كانت تمثل مفتاح الوصول لفيينا من جهة الشرق.
انطلق الصدر الأعظم فاضل أحمد باشا كوبريللي على رأس جيش عرمرم، ونجح في سبتمبر/أيلول 1663م في اقتحام قلعة "نيوهوسل" المنيعة، مما أحدث صدمة في أوروبا وباتت العاصمة فيينا مهددة فعلياً.
معركة "سانت كوتارد" (1 أغسطس 1664م)
بعد عام من الانتصارات المتتالية، وقعت المواجهة الكبرى عند نهر "رابا".
تمكنت الطليعة العثمانية من عبور النهر واكتساح الدفاعات الأولى، إلا أن تحالفاً أوروبياً غير مسبوق (حلف الراين بدعم فرنسي) شن هجوماً مضاداً ومنظماً.
عانى العثمانيون من تراجع تكتيكي بسبب شدة الهجوم الأوروبي وصعوبات جغرافية النهر، وتعتبر هذه المعركة تاريخياً من المرات النادرة التي نجحت فيها القوات المشتركة في صد الزحف العثماني في معركة مفتوحة.
معاهدة "فسفار": النصر الدبلوماسي (10 أغسطس 1664م)
على الرغم من كبوة "سانت كوتارد"، أثبت أحمد كوبريللي عبقريته السياسية؛ إذ استغل حاجة النمسا الماسة للسلام (خوفاً من أطماع فرنسا في الغرب) ليفرض شروطه في معاهدة "فسفار".
مكاسب العثمانيين:
- الإقرار بسيادة الدولة العثمانية الكاملة على إقليم ترانسلفانيا (أردل).
- الاحتفاظ بقلعة نيوهوسل الاستراتيجية والمدن المحيطة بها.
- إلزام إمبراطور النمسا بدفع "تعويضات حرب" تحت مسمى (هدية) قيمتها 200 ألف فلورين ذهبي.
- إقرار هدنة طويلة الأمد استمرت لقرابة 20 عاماً.
إعلان
إقرأ المزيد


