الجزيرة.نت - 2/19/2026 8:32:37 PM - GMT (+3 )
حين نشر الكاتب إحسان عبد القدوس روايته الاجتماعية الشهيرة "لن أعيش في جلباب أبي" عام 1982، لم يكن يتوقع أن تتحول شخصية التاجر العصامي عبد الغفور البرعي إلى واحدة من أكثر الشخصيات رسوخا في الوجدان العربي، لا المصري فحسب.
غير أن التحول الأهم جاء مع المعالجة التلفزيونية للرواية في مسلسل حمل الاسم نفسه، من سيناريو وحوار السيناريست مصطفى محرم، وإخراج المخرج أحمد توفيق، وبطولة النجم نور الشريف في أحد أبرز أدواره.
ورغم مرور ما يقارب ثلاثة عقود على عرض العمل، لا تزال شخصية عبد الغفور تستدعى في النقاشات اليومية وعلى منصات التواصل، كأنها لم تغادر الشاشة قط، ما جعلها من أبرز الشخصيات الأيقونية في تاريخ الدراما المصرية.
نجاح من اللحظة الأولىإذا كنتم من جيل السبعينيات أو الثمانينيات ستتذكرون كيف كانت الدراما الرمضانية حدثا جماعيا بامتياز، تتوحد حوله البيوت وتكاد تخلو الشوارع خلال وقت البث، في هذا السياق عرض مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" في رمضان 1996، ليحقق نسب مشاهدة مرتفعة، ويتصدر أحاديث الجمهور.
لم يكن نجاحه نابعا من حبكته فحسب، بل من قدرته على ملامسة تحولات اجتماعية واقتصادية عاشها المجتمع المصري في التسعينيات، أبرزها صعود طبقة جديدة من رجال الأعمال، وتبدل القيم بين جيلين.
وقد اعتبر العمل نموذجا للدراما الاجتماعية الممتدة التي تمزج بين الحكاية الشعبية والطرح الطبقي، وهو ما عزز مكانته في الذاكرة الجمعية.
وتدور القصة حول رحلة صعود عبد الغفور، الذي يبدأ حياته عاملا بسيطا في وكالة البلح، ثم يشق طريقه تدريجيا حتى يصبح من كبار التجار.
يتابع الجمهور هذا التحول من الفقر والكد اليومي إلى الثراء والنفوذ، مع التركيز على الثمن الإنساني الذي يدفعه البطل في سبيل النجاح.
لكن المسلسل لا يكتفي بسرد قصة صعود اقتصادي، بل يجعل من التوتر الأسري محوره الأساسي، خاصة حين يكبر الأبناء ويتفجر الخلاف بين جيل يؤمن بأن الخبرة العملية هي الطريق الأصدق للنجاح، وجيل يرى أن التعليم والاستقلال هما السبيل إلى تحقيق الذات.
إعلان
ويتخذ هذا التباين بعدا وجوديا؛ إذ يظهر عبد الغفور كأب يسهل اتهامه بالتعنت وقصر النظر، قبل أن يتضح أن رفضه لطموح ابنه لا ينطلق من تقليل شأن العلم، بل من خوفه من أن يبتعد عن الطريق الذي سبق وأثبت نجاحه.
وفي حين يرى الأب في تمرد ابنه نوعا من إنكار الجميل، يرى الابن في سلطة والده قيدا على حريته، ومن ثم يمكن القول إن عبد الغفور أب يتمتع بإحساس عال بالمسؤولية؛ يوفر ويحمي ويتدخل حين تستدعي الحاجة، لكنه يقع أحيانا في فخ الخلط بين الحماية والهيمنة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزاله في صورة الأب القاسي، لأن لحظات ضعفه وقلقه على أسرته تكشف عن إنسان يخشى الفقد أكثر مما يعشق السيطرة.
ومن أكثر الجوانب التي جذبت الجمهور تجاه البطل، علاقته بزوجته، التي أحبها منذ اللحظة الأولى وظل وفيا لها وحريصا على إسعادها، دون أن يتخلى عن انتهاج نظام صارم داخل بيته حفاظا على تماسك الأسرة.
وهو ما كان متسقا مع قوانين بيئته التي ترى أن دوره الأول هو الإنفاق السخي وتوفير الحماية مقابل الاحترام والطاعة، وأن الاستقرار يتحقق عبر وضوح الأدوار داخل المنزل.
ورغم ما قد يؤخذ عليه اليوم بعد إعادة المشاهدة وقراءة العمل، فإنه لم يقدم كشخصية طاغية تميل إلى العنف أو الإهانة، بل كرجل تقليدي يحاول حماية عالمه من الانهيار، ولأن ذكوريته لم تطرح كقهر فج، بل قناعة راسخة تشكلت في سياق اجتماعي وزمني محدد، بدا وقتها نموذجا مألوفا أكثر منه مستفزا.
إنسان قبل أن يكون رمزابالعودة إلى الرواية، سنجد أن عبد الغفور يظهر بوصفه نموذجا دالا على التحول الطبقي؛ مع تركيز واضح على فكرة التمرد على إرث الأب، أما في النسخة التلفزيونية، فقد اكتسبت الشخصية أبعادا إنسانية أكثر دفئا، عززها أداء الفنان نور الشريف، الذي أجاد التعبير عن لحظات من التردد والانكسار لم تكن بهذا التفصيل والرهافة في النص الأصلي.
هكذا لم يعد عبد الغفور رمزا اجتماعيا فحسب، بل إنسانا من لحم ودم: يخطئ ويندم ويتردد ويعيد حساباته. يخاف من الفقر لأنه عرفه، ويخشى فقدان النفوذ لأنه بناه بجهده.
هذا التناقض بين القوة والهشاشة هو ما منح الشخصية خلودها وجعل الجمهور يعجز عن كره الشخصية حتى حين يختلف معها.
والأهم أنه سمح بالتبعية للمشاهد أن يرى فيه صورة قريبة لأب أو عم أو جار صنع نفسه بعرقه ثم مع الوقت بات عاجزا عن فهم عالم يتغير بسرعة أكبر من قدرته على الاحتمال.
من الشاشة إلى منصات التواصلوبين الصرامة والقلق، وبين السلطة والحب، بقي عبد الغفور البرعي شخصية تتجاوز زمنها، لأنها تمس جوهر العلاقة المعقدة بين الآباء والأبناء في مجتمع دائم التحول.
بيد أن حضور شخصية عبد الغفور البرعي لم يتوقف عند حدود العرض التلفزيوني، إذ أسهمت منصات التواصل في إعادة إحياء الشخصية عبر تداول شبه دائم للصور وأشهر الجمل في "الميمز (Memes)" و"الكوميكس (Comics)"، أحيانا من باب السخرية اللطيفة من الآباء المتشددين ورجال الأعمال التقليديين.
هذا التداول الرقمي وما صحبه من انتشار هائل لم يفرغ الشخصية من معناها، بل أعاد تقديمها لجيل لم يشاهد المسلسل من الأساس، وهو ما أسهم في تعزيزها بوصفها رمزا ثقافيا في أذهان الجميع ومنحها حياة ثانية، وربما ثالثة خارج إطارها الزمني الأول.
إعلان
إقرأ المزيد


