كيف أرغمت "إذاعة عبد الناصر" بي بي سي على النطق بالصومالية؟
الجزيرة.نت -

في أروقة المستعمرات البريطانية بمنتصف الخمسينيات، لم يكن القلق نابعا من تقارير عسكرية ميدانية فحسب، بل من صدى صوت آت من القاهرة بلغة لم تكن لندن قد ألفتها على موجاتها بعد.

فبينما كانت "إذاعة القاهرة" تبث روح التحرر بلسان صومالي فصيح، وجدت الإمبراطورية البريطانية نفسها في موقف الدفاع، مجبرة على خوض معركة لم تختر توقيتها، فقد ساهمت هذه المعركة في إعادة رسم الوعي القومي الصومالي ومهدت الطريق نحو استقلال عام 1960.

هذه السطوة الإعلامية لـ"إذاعة عبد الناصر" هي التي أرغمت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على النطق بالصومالية لأول مرة عام 1957، في محاولة يائسة لاستعادة آذان الصوماليين التي اهتمت بنبرة القاهرة الثورية.

حلقة (2026/2/19) من سلسلة حلقات "الإذاعة العربية" -تشاهدونها كاملة هنا- قدمت قراءة تاريخية لنشأة الإذاعة الصومالية، حيث وُلد الراديو من رحم التنافس الأوروبي المحموم.

ففي عام 1941، أطلق البريطانيون "راديو هرغيسا" ليكون لسان حال إدارتهم في الشمال، وتبعه الإيطاليون بتأسيس "راديو مقديشو" عام 1951 في قلب الجنوب.

ولم تكن إذاعة مقديشو مجرد أستوديو للبث، بل كانت -حسب وصف الشهود- "قلعة عسكرية" محصنة بالجدران، صممها الإيطاليون لتؤدي وظيفة واحدة ألا وهي الدعاية السياسية الفجة وخدمة مصالح الاستعمار.

لقد كان الأثير آنذاك أداة استعمارية لتطويع العقول، وضبط إيقاع الشارع الصومالي على توقيت روما ولندن.

اختراق القاهرة

هذا الاحتكار الاستعماري للأثير واجه صدمة غير متوقعة من الشمال فمع بزوغ حركة "الضباط الأحرار" في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، انتبهت القاهرة لثقل الصومال الإستراتيجي، ففتحت أستوديوهاتها للغة الصومالية.

شكّل البث المصري باللغة الصومالية "خرقا" إستراتيجيا للجدران العسكرية التي بنتها إيطاليا وبريطانيا، فبدلا من الاستماع لرسائل التوجيه الاستعماري، بدأ الصوماليون "يصغون" بشغف لخطاب تحرري قادم من القاهرة، يلهب حماسهم الوطني ويربط قضيتهم بحركات التحرر العالمية.

هذا التحول في "بوصلة الإصغاء" الشعبي كان بمثابة إعلان فشل لسياسة تطويع الأثير التي انتهجها المستعمر.

بي بي سي باللغة الصومالية

تؤكد الروايات التاريخية -التي وردت في الحلقة- أن الاستعمار البريطاني، وجد نفسه مرغما على دخول معركة "رد الفعل"، بعد تنامي قوة الإذاعة المصرية في عهد جمال عبد الناصر إذ كانت تخصص برامج تبث باللغة الصومالية لحشد خطابات التحرير والاستقلال.

ففي عام 1957، أُطلق القسم الصومالي في "بي بي سي" ليس كبادرة انفتاح ثقافي، بل كضرورة إستراتيجية لمواجهة الخطاب المصري التوعوي الذي أحدثت أثرا بالفعل على الشعب الصومالي.

لقد كان هدف لندن من هذه الخطوة هو محاولة إعادة "تطويع" الأثير الصومالي مجددا، عبر إيجاد مادة إعلامية توازن التأثير التحرري للقاهرة، وتحاول استعادة ثقة المستمع الصومالي الذي بات يرى في ميكروفون القاهرة "صوت الحقيقة الوحيد".

من القيد إلى الهوية

المفارقة التي يرصدها تاريخ الإذاعة الصومالية هي أن المحاولات الاستعمارية لتطويع الراديو كأداة سيطرة، انتهت بأن أصبحت الإذاعة المختبر الأول لصناعة "الهوية الوطنية".

فبينما أراد الاستعمار استخدام الأثير للدعاية والتحريض، أدى التنافس (المصري البريطاني) إلى تنشيط اللغة الصومالية ونشرها، وتحويل الراديو من "أداة قمع صوتية" إلى "منصة توعوية" شاملة شملت الفنون، والزراعة، والسياسة.

ومع نيل الاستقلال عام 1960، كان الأثير قد تحرر تماما من ثوب "القلعة العسكرية" ليرتدي ثوب الدولة الوطنية الموحدة، معلنا نهاية حقبة تطويع الموجات لخدمة أجندات الغرب.

Published On 19/2/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد