الجزيرة.نت - 2/19/2026 7:13:14 PM - GMT (+3 )
تسارعت وتيرة انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من سوريا في الآونة الأخيرة، وشملت كلا من قاعدة "التنف" الإستراتيجية الواقعة في جنوبي سوريا، ثم قاعدة "الشدادي"، التي تعد من كبرى القواعد العسكرية في شمال شرقها. وجرى الانسحاب بالتنسيق مع الجيش السوري، الذي تسلم القاعدتين الهامتين بعد سنوات طويلة على إنشائهما.
يدشن الانسحاب من هاتين القاعدتين مرحلة جديدة لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية والعسكرية في كل من البادية والجزيرة السوريتين، ويأتي بعد تغيرات في الموقف الأمريكي، وتطورات ميدانية تركت آثارها على ملف أمن الحدود السورية مع كل من الأردن، والعراق، وعلى ملاحقة خلايا "تنظيم الدولة"، وضبط الحدود والطرق الصحراوية، وتتبع شبكات تهريب المخدرات والأسلحة.
أهمية القاعدتين:
تعتبر قاعدتا التنف والشدادي من أهم المواقع العسكرية الأمريكية في سوريا، بالنظر لما تتمتعان به من مزايا إستراتيجية على الأرض، حيث تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي الواصل بين سوريا، والعراق، والأردن، الأمر الذي يجعلها نقطة تحكم حيوية للمراقبة والسيطرة على حركة القوات المسلحة وخطوط التهريب في الصحراء السورية.
أنشئت قاعدة التنف أول مرة عام 1991 قبل حرب الخليج الثانية، لكنها أغلقت بعد تحرير الكويت، ثم أعيد افتتاحها عام 2003 بالتزامن مع الغزو الأمريكي للعراق، وشكلت قاعدة دعم لوجيستي للقوات الأمريكية المهاجمة، ثم أغلقت من جديد بعد السيطرة الكاملة على العراق.
أعادت الولايات المتحدة إنشاء القاعدة مجددا في عام 2014، وذلك في سياق الحرب على "تنظيم الدولة"، وشكلت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية لقوات التحالف الدولي ضد هذا التنظيم، إضافة إلى استخدامها مركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركاته في البادية السورية.
شكلت قاعدة التنف نقطة هامة من أجل عرقلة خطوط الإمداد الإيرانية، التي كانت تنطلق من إيران، مرورا بالعراق، وسوريا، ووصولا إلى لبنان، فهي تقع بالقرب من الطريق الدولي الواصل بين بغداد، ودمشق، إضافة إلى توفيرها مكانا لرصد جميع التحركات الإيرانية على الطرق المحاذية لهذا الطريق.
إعلان
أما قاعدة الشدادي الواقعة في شمال شرق الحسكة، فقد أنشئت في عام 2016، وشكلت مركزا رئيسيا لعمليات قوات التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة" خلال السنوات الماضية، بالنظر إلى قربها من مناطق انتشار خلايا التنظيم في البادية السورية، وتمتعها بموقع إستراتيجي، يمكنها من الإشراف على خطوط إمداد التنظيم بين شمال شرقي سوريا والأراضي العراقية.
كما مثلت هذه القاعدة نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأمريكية الأخرى في شمال وشرقي سوريا. وضمت سجنا، احتجزت فيه قوات سوريا الديمقراطية "قسد" عناصر من "تنظيم الدولة"، قبل أن تنسحب منه مؤخرا، لتسيطر عليه قوات وزارة الدفاع السورية.
تمنح السيطرة على قاعدة الشدادي الجيش السوري قدرة أكبر على مواجهة التهديدات المتبقية في محافظة الحسكة، وبما يسهم في تسهيل تعامله مع القوى المحلية فيها، بغية تثبيت الأمن والاستقرار، وتمكينه من استكمال مراقبة التحركات على طول الحدود السورية العراقية.
تغير المهمة:
تزامن الانسحاب من هاتين القاعدتين العسكريتين مع مداولات ونقاشات، تجري داخل أروقة الإدارة الأمريكية، حول سيناريوهات متعددة، من أجل تسريع خفض الوجود العسكري الأمريكي، وصولا إلى الانسحاب الكامل من سوريا، التي تشير بعض التقارير إلى أنه سيكتمل مع منتصف العام الجاري، وذلك بالنظر إلى المتغيرات العديدة التي شهدتها سوريا في الآونة الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أم على المستوى الميداني والعسكري.
وسبق أن بدأت القوات الأمريكية، في منتصف العام 2025، بإخلاء قواعد عسكرية عدة في ريفي محافظتي الحسكة ودير الزور، وكان أبرزها الانسحاب من حقلي النفط "العمر" و"كونيكو"، وقاعدة "تل البيادر".
لا ينحصر معنى الانسحاب من القاعدتين في مجرد عملية نقل للقوات، أو عملية إعادة انتشار، بل لأنه يشكل خطوة إستراتيجية في السياسة الأمريكية، ويعكس تغير أولويات الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الخارجية، عبر الاعتماد على الحلفاء الإقليميين والمحليين.
وتجسد ذلك في تغير مواقف إدارة الرئيس ترمب حيال الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد البائد، والتحولات الحاصلة مؤخرا في موازين القوى على الأرض، وإرهاصات كل ذلك على الاصطفافات والتحالفات في المنطقة.
كما لا يعني الانسحاب من القاعدتين السير نحو إنهاء التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، لكن قد يسبقه مرحلة تتغير فيها مهمة القوات المتبقية في سوريا، من خلال حصرها في تدريب قوات وزارة الدفاع السورية، وتقديم الدعم اللوجيستي اللازم لها، خاصة في الحرب ضد "تنظيم الدولة"، الأمر الذي يعكس تغيرا في وجهة الدعم الأمريكي، وانتقاله من دعم "قسد" في محاربة التنظيم إلى دعم القوات الحكومية التي تولت هذه المهمة، خاصة بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في حربه على "تنظيم الدولة".
يضاف إلى ما سبق أن الحاجة التي دعت إلى بقاء قاعدتي التنف والشدادي لم تعد موجودة، خاصة مع توجه الإدارة الأمريكية إلى العمل والتنسيق مع مؤسسات الحكومة السورية الجديدة، وانضمام الفصائل السورية التي كانت تنتشر مع القوات الأمريكية في قاعدة التنف إلى الجيش السوري، إضافة إلى سيطرته على مناطق واسعة في الجزيرة السورية، والشروع في تطبيق اتفاق 29 يناير/كانون الثاني الماضي الرامي إلى دمج "قسد"، بعد انتهاء مهمتها، وفشل مشروع قيادتها.
إعلان
يستلزم تغير المهمة إبقاء تواجد عسكري أمريكي محدود في سوريا، من خلال قاعدتي "الرميلان" و"قصرك"، اللتين تمثلان نقاطا محدودة للدعم اللوجيستي والاستخباراتي بعد الانسحاب من بقية القواعد. إلى جانب أنهما تسمحان للولايات المتحدة بالحفاظ على نفوذها الإستراتيجي في شمال شرقي سوريا، والقدرة على تقديم الدعم للحلفاء المحليين والإقليميين متى أرادت ذلك.
إذًا، المهمة الجديدة تبقي على نقاط ارتكاز عسكرية، لا تكمن أهميتها في الجانب العسكري المباشر فحسب، بل في توفير القدرة على التحكم الإستراتيجي في المعلومات، والتنسيق مع القوى الحليفة ممثلة بالدولة السورية، والاستغناء عن القوى المحلية ممثلة بـ"قسد"، الأمر الذي يجعل الانسحاب الأمريكي من القواعد العسكرية خطوة مدروسة ومنظمة، تتجنب حدوث أي فراغ أمني، أو انهيار محتمل للتوازنات في منطقتي البادية والجزيرة السوريتين.
لا ينحصر معنى الانسحاب من التنف والشدادي في مجرد عملية نقل للقوات، أو عملية إعادة انتشار، بل لأنه يشكل خطوة إستراتيجية في السياسة الأمريكية، ويعكس تغير أولويات الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الخارجية
تغير التكتيك:
واضح أن الانسحاب الأمريكي من القواعد العسكرية في سوريا لا يعني نهاية الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، بل إعادة ترتيب أوراقه بما يتناسب مع أولويات واشنطن الجديدة.
وليس هناك ما يشير إلى أن الإستراتيجية الأمريكية في سوريا قد تغيرت، إنما الذي تغير هو التكتيك والخطط، إذ لا تزال الأهداف الأمريكية تتمحور في بسط نفوذها بالمنطقة، والتركيز على منع عودة "تنظيم الدولة" في سوريا عبر التنسيق المباشر مع الحكومة السورية، وليس مع "قسد" كما في السابق، فضلا عن منع عودة النفوذ الإيراني.
ترافق التغير في التكتيك الأمريكي مع تعويل أمريكي كبير على الحكومة السورية الجديدة فيما يتعلق بمحاربة التنظيم، حيث باتت الإدارة الأمريكية تنظر إليها بوصفها فاعلا إقليميا هاما، خاصة بعد إعلان الشراكة معها عبر انضمامها إلى التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة"، الأمر الذي يشكل اختبارا لمدى قدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن وتثبيته، ومكافحة الإرهاب، وحماية الحدود مع العراق والأردن.
تقف عوامل عديدة وراء تغيير الموقف الأمريكي بعد التحول السياسي الكبير الذي شهدته سوريا.
ولعل التطورات المتسارعة التي شهدتها، دفعت إدارة ترمب إلى إعادة النظر في جدوى بقاء القوات الأمريكية خاصة بعد الهزيمة التي تلقاها تنظيم "قسد" في المناطق التي كان يسيطر عليها، الأمر الذي جعل موضوع الانسحاب الكامل ضمن الخيارات المطروحة على طاولة صانع القرار الأمريكي، الذي يحسب حسابا كبيرا للعبء المالي والعسكري، الذي يترتب على الوجود الأمريكي في شمال شرقي سوريا وجنوبها.
فيما يقلل الانسحاب التكاليف مع الحفاظ على وجود إستراتيجي محدود، شريطة ضمان استمرار عمليات ملاحقة تنظيم الدولة، لذلك لم تتأخر القوات الأمريكية في نقل عناصر التنظيم المحتجزين إلى العراق وإخلاء أغلب السجون والمخيمات.
يتماشى هذا التوجه مع طبيعة تعامل الرئيس ترمب، باعتباره رجل صفقات وتفاهمات، ينظر إلى العلاقات الدولية بمنظار المصالح الأمريكية، لذلك لا يتوقف بحثه عن شركاء يمكنهم إدارة الملفات في منطقة الشرق الأوسط بتكلفة أقل وعوائد أعلى.
وعليه يمكن فهم المدح الذي يكيله ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع، فهو لا يتعامل معه كرئيس جمعية خيرية، بل كرئيس دولة عظمى تبحث عن مصالحها مع أفضل الشركاء في المنطقة. وبالمقابل يجد الشرع أن مصلحة سوريا تكمن في بنائها أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، ويراهن على الرئيس ترمب شخصيا من أجل تعافي سوريا واستقرارها، وخلاصها من وضعها الكارثي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


