الجزيرة.نت - 2/18/2026 3:42:42 PM - GMT (+3 )
وسط الرمال الحمراء الشاسعة والجبال الصخرية العملاقة التي تطاول السماء في جنوب الأردن، يمتد مكان لا يشبه الأرض التي نعرفها في تفاصيلنا اليومية، بل هو أقرب ما يكون للصور الملتقطة من كواكب بعيدة سكنت مخيلتنا عبر شاشات السينما.
هذا هو "وادي رم"، أو "وادي القمر" كما يطلق عليه سكان المنطقة بلمسة من الشاعرية الفطرية. لم يعد هذا الوادي مجرد امتداد صحراوي صامت ومنعزل، بل تحول بمرور العقود إلى مختبر بصري عالمي، والملاذ الذي احتضن أعظم الملاحم السينمائية، ليصبح الجسر الرابط بين حكايات الماضي التاريخي وخيالات المستقبل الكوني.
بدأت الحكاية السينمائية لوادي رم في مطلع الستينيات من القرن العشرين، في وقت كانت فيه هوليود والسينما البريطانية تسعيان للتحرر من جدران الاستوديوهات المصطنعة والبحث عن روح الواقع في أقصى بقاع الأرض.
لورنس العربتوجه المخرج البريطاني ديفيد لين إلى هذا الامتداد الصحراوي ليصور أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما العالمية وهو فيلم "لورنس العرب" (Lawrence of Arabia) عام 1962.
لم يكن اختيار وادي رم مجرد قرار لوجستي لتوفير بيئة تصوير رملية، بل كان قرارا فنيا فلسفيا؛ فالرمال الحمراء والجبال الشاهقة كانت هي الخلفية المثالية لرواية التوتر النفسي والسياسي الذي عاشه توماس إدوارد لورنس خلال الثورة العربية الكبرى.
لم تكن الصحراء، في الفيلم، مجرد مكان صامت، بل كانت بطلا فاعلا يفرض إيقاعه على الشخصيات والمشاهد. استطاع ديفيد لين، عبر عدسة المصور فريدي يونغ، أن ينقل للعالم هيبة الفراغ وجلال الطبيعة التي تضع الإنسان أمام اختبار حقيقي لذاته وقدراته.
كانت الصور التي أنتجها الفيلم هناك، بردائها اللامتناهي وألوانها المتغيرة مع حركة الشمس، هي التي سمحت للجمهور العالمي بالشعور بأنه أمام فضاء أوسع من القصة التاريخية وحدها، فضاء بلا نهاية.
ولم يكن صمود طاقم العمل أمام قسوة الوادي مجرد تحدٍ مهني عابر، بل كان تجربة إنسانية عميقة؛ فالحرارة النهارية التي تخترق الأجساد والبرد الليلي القارس الذي يعيد الأرض إلى صمتها الأول، منحت الفيلم صدقية لم تستطع أي تكنولوجيا حديثة محاكاتها لاحقا.
إعلان
يقول بطل العمل بيتر أوتول: "إن تعلم ركوب الجمال في بداية تصوير لورنس العرب كان مستحيلا في البداية"، في إشارة مباشرة إلى قسوة شروط العمل في الصحراء.
المريخيبعد عقود من بقاء اسم وادي رم مرتبطا بالملحمة التاريخية للورنس، عاد الوادي ليتصدر المشهد العالمي ولكن من بوابة الخيال العلمي هذه المرة.
أعاد المخرج ريدلي سكوت اكتشاف المكان في سياق مختلف تماما في فيلمه "المريخي" (The Martian) عام 2015. هنا، لم يعد وادي رم صحراء عربية، بل أصبح كوكبا بعيدا يدعى المريخ.
وقع اختيار سكوت على هذا الموقع تحديدا بسبب تضاريسه الجيولوجية الفريدة التي تشبه إلى حد مذهل الصور التي ترسلها مسبارات الفضاء من الكوكب الأحمر، حيث الرمال الغنية بأكسيد الحديد والجبال الصخرية المنفردة التي توحي بالعزلة الكونية التامة.
في حديثه عن اختيار وادي رم لتصوير مشاهد "المريخ" في فيلمه "المريخي"، وصف المخرج ريدلي سكوت المكان بوصف شديد الدلالة، قائلا إنه بدا له "أقرب إلى معجزة طبيعية"، وأضاف: "صوّرنا المشاهد الخارجية في وادي رم بالنسبة لي، إنه الأعجوبة الثامنة في العالم أردت أن أجعل المريخ يبدو شديد الجمال، جمالا استثنائيا".
يجسد الممثل مات ديمون دور رائد فضاء يترك وحيدا على كوكب المريخ ويصارع للبقاء، ورغم أن الكثير من المشاهد الداخلية صُورت في استوديوهات متطورة، إلا أن المشاهد الخارجية التي التُقطت في وادي رم هي التي منحت العمل روحه البصرية ومنحت المشاهد شعورا بالواقعية المفرطة.
ومن المثير للاهتمام أن فريق الإنتاج، تقديرا للتعاون الكبير الذي وجده في الأردن، أهدى نموذج مركبة "الروفر" (Rover) التي استُخدمت في الفيلم للمملكة، وهي تعرض اليوم في متحف السيارات الملكي في عمان، كشاهد مادي على الأثر الذي تركه الفيلم في ذاكرة المكان، وكرمز لتحول الوادي إلى "مريخ أرضي" بامتياز.
لم تتوقف جاذبية وادي رم السينمائية عند هذين العملين، بل امتدت لتشمل سلسلة طويلة من الأفلام التي بحثت عن عوالم غير مألوفة.
ظهر الوادي في فيلم "بروميثيوس" (Prometheus) عام 2012 كأرض غريبة لرحلة استكشافية فضائية تبحث عن أصول البشرية، كما احتضن مشاهد هامة من ملحمة "حرب النجوم" في أجزائها الأخيرة، مثل "روج واحد" (Rogue One) و"صعود سكاي ووكر" (The Rise of Skywalker)، حيث مثل كواكبا صحراوية غامضة تسكنها كائنات من مجرات بعيدة.
وحتى في عالم الفانتازيا والقصص السحرية، كان وادي رم هو الخيار الأول لتصوير النسخة الواقعية من فيلم "علاء الدين" (Aladdin) لديزني (Disney)، حيث جسد الوادي سحر ومناخ مدينة "أغربة" الأسطورية.
فيلم ذيبويبرز فيلم "ذيب" كعلامة فارقة في تاريخ السينما الأردنية والعربية، إذ استطاع المخرج ناجي أبو نوار أن يستنطق وادي رم من الداخل، بعيدا عن نظرة "الآخر" الغريب. يحكي الفيلم قصة صبي بدوي في بدايات القرن العشرين، ويقدم الصحراء ليس كديكور جميل، بل كبيئة قاسية وذكية تتطلب معرفة عميقة للبقاء فيها.
يقول المخرج ناجي أبو نوار إن اتساع الصحراء في وادي رم "مخيف" على نحو فوري، ويمنح الإنسان إحساسا مباشرا بـ"هشاشة الحياة"، وهو ما يفسر لماذا تعامل ذيب مع المكان بوصفه شخصية كاملة لا خلفية تصوير.
إعلان
"ذيب"، الذي وصل إلى نهائيات جوائز الأوسكار، أثبت أن تضاريس وادي رم ليست مجرد بديل للمريخ، بل هي موطن لثقافة إنسانية ضاربة في القدم، قادرة على تقديم قصص كونية تتجاوز حدود الجغرافيا.
يتميز وادي رم، وفقا لتصنيف اليونسكو عام 2011، بهذا التمازج الفريد بين الطبيعة والإنسان. فالوادي ليس مجرد جبال ورمال، بل هو سجل تاريخي مفتوح يضم آلاف النقوش الصخرية والمخلفات الأثرية التي تعود للعصور النبطية وما قبلها، مما يدل على أن الإنسان عاش وتفاعل مع هذه البيئة القاسية لآلاف السنين. والبدو الذين يسكنون الوادي اليوم هم الحراس الحقيقيون لهذا التراث، وهم الذين جعلوا من نجاح الإنتاج الضخم أمرا ممكنا.
وقد تحول البدو من مجرد سكان محليين إلى شركاء تقنيين ولوجستيين، يقدمون خبراتهم في فهم لغة الرمل والرياح والتعامل مع تقلبات المناخ، مما جعل طواقم الإنتاج العالمية تتعلم منهم دروسا في الصبر والتعايش مع الطبيعة.
في السينما، تفرض قواعد صارمة تحتم على المخرجين احترام الضوء الطبيعي وهبوب الرياح، ووادي رم يوفر هذه العناصر بكرم لا يضاهى. فالإضاءة في الوادي وقت الغروب، حيث تكتسي الجبال باللون الأرجواني والذهبي، تمنح الكاميرا عمقا دراميا لا يمكن تصنيعه في أعظم استوديوهات العالم.
فيلم "كثيب"الطبيعة المذهلة دفعت أفلاما مثل "كثيب" (Dune) للمخرج دينيس فيلنوف لاختيار وادي رم لتصوير كوكب أراكيس، حيث استُخدمت الكثبان الرملية والمساحات الشاسعة لخلق شعور بالرهبة والجمال المهيب الذي يخدم السرد الروائي للفيلم.
يتجاوز وادي رم كونه "بديلا للمريخ" أو موقعا لتصوير الأفلام الضخمة، إذ يجسد الطريقة التي يلتقي فيها البشر من مختلف الثقافات والخلفيات أمام هذا الأفق الممتد. في هذا المكان، يتساوى المخرج الحائز على الأوسكار مع البدوي الذي يرعى إبله، فكلاهما يجد نفسه أمام عظمة الصمت الذي يكاد يكون أعمق من الصوت نفسه. إنه مكان يفرض على زواره نوعا من التأمل القسري، حيث يدرك الإنسان أن التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، تظل عاجزة أمام قوانين الطبيعة الأزلية.
وحين تنتهي الكاميرات من تصوير آخر مشهد، وتغادر طواقم الإنتاج محملة بآلاف الساعات من اللقطات المذهلة، يبقى وادي رم كما كان دائما؛ هادئا، شامخا، وغامضا. وتبقى الصحراء هي الحقيقة الوحيدة، ويبقى الأفق هو الوعد المستمر باكتشافات جديدة. في النهاية، يصبح وادي رم أكثر من مجرد وجهة سياحية أو خلفية سينمائية؛ إنه مكان يتوسط المسافة بين الأرض والخيال، حيث يرى كل زائر فيه مرآة لروحه وتطلعاته.
وادي رم هو تجسيد حي للذاكرة الإنسانية التي تبحث دائما عبر القصص والأفلام عن حدود جديدة للمعنى، وعن وطن يتسع لأحلام البشر مهما بدت بعيدة أو مستحيلة مثل المريخ.
الأردن، عبر احتضانه لهذا المعلم، قدم للعالم منصة يلتقي فيها التاريخ بالخيال العلمي، وأثبت أن الجغرافيا العربية قادرة على أن تكون منطلقا لقصص عالمية تتحدث لغة البشر جميعا. ومع استمرار السينما في التطور، سيبقى وادي رم هو القبلة التي يتجه إليها صانعو الأحلام كلما أرادوا العودة إلى الجذور أو الانطلاق نحو النجوم، ليظل "المريخ العربي" شاهدا على أن الأرض لا تزال تملك الكثير من الأسرار التي تستحق أن تُروى.
إقرأ المزيد


