عبر "سلاح صوتي".. باحثون كويتيون يتمكنون من تدمير الفيروسات
الجزيرة.نت -

Published On 15/2/2026

|

آخر تحديث: 14:31 (توقيت مكة)

شارِكْ

في خضم المعركة العلمية المستمرة ضد الفيروسات، والتي اعتمدت لعقود طويلة على الحلول البيولوجية والكيميائية كاللقاحات ومضادات الفيروسات، تبرز بين الفينة والأخرى محاولات لشق طريق مختلف.

وقد نشرت دورية "فايروسيز" دراسة حديثة من وزارة الصحة الكويتية، قدمت أدلة مخبرية أولية تشير إلى إمكانية استهداف فيروس كوفيد-19 ميكانيكيا، وتعطيل قدرته على التكاثر باستخدام الموجات فوق الصوتية عالية التردد، في خطوة قد تمهد الطريق لتطوير تقنيات علاجية مبتكرة مستقبلا.

ويقول استشاري الأمراض المعدية والوكيل المساعد لشؤون الصحة العامة في وزارة الصحة الكويتية والمشارك في الدراسة الدكتور المنذر الحساوي، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تعتبر الدراسة اختبارا عمليا مباشرا لفرضيات وضعتها دراسات محاكاة حاسوبية سابقة حول قدرة الموجات فوق الصوتية على تدمير فيروس كورونا المستجد ميكانيكيا".

الفكرة الأساسية هنا أن تحرك الفيروس بتردد يتفق مع تردده الطبيعي (شترستوك)
الفيروس كهدف ميكانيكي

تستند الفرضية الأساسية للدراسة إلى مفهوم فيزيائي يعرف باسم الرنين الميكانيكي. ولتبسيط هذا المفهوم، يمكن استحضار الصورة الكلاسيكية لمغني الأوبرا الذي يستطيع كسر كأسا زجاجيا بصوته.

يحدث ذلك عندما تتطابق موجات الصوت الصادرة من حنجرة المغني تماما مع التردد الطبيعي لاهتزاز جزيئات الزجاج، مما يؤدي إلى تضخيم الاهتزازات داخل الكأس حتى تصل جزيئاته إلى نقطة الانهيار والتحطم.

يقول الحساوي: "يمكننا تشبيه الفيروس بكرة زجاجية صغيرة؛ عندما تتعرض هذه الكرة لموجات صوتية بتردد معين يطابق ترددها الطبيعي، يبدأ الغلاف الخارجي للفيروس بما في ذلك الأشواك البروتينية على سطحه، بالاهتزاز بشكل قوي وسريع" هذا الاهتزاز الشديد يسبب إجهادا هيكليا يؤدي في النهاية إلى تمزق غلاف الفيروس وانهياره تماما. ويضيف: "ذلك دون الحاجة لأي تفاعل كيميائي أو رفع لدرجة الحرارة"

إعلان

الفكرة الأساسية هنا أن تحرك الفيروس بتردد يتفق مع تردده الطبيعي، يصل إلى ذروة الاهتزاز الذي يؤدي إلى الانهيار الهيكلي وينتهى بالتكسير، وهذا هو سبب اختيار تردد 25 ميغاهرتز تحديدا. يشرح الحساوي: "لقد اعتمدنا في اختيار هذا التردد على نتائج دراسة محاكاة حاسوبية دقيقة سابقة، ومحاولات مخبرية قمنا بها بترددات مختلفة، أظهرت أن تردد 25 ميغاهرتز هو التردد الذي يتناغم مع التردد الطبيعي لغلاف فيروس كورونا"

بعبارة أخرى، هذا هو "الوتر الحساس" والذي عند طرقه بالموجات الصوتية، يدخل الفيروس في حالة رنين قصوى لا يستطيع هيكله تحملها، مما يؤدي إلى تدميره. الترددات الأخرى قد تمر عبر الفيروس دون أن تؤذيه لأنها لا تتوافق مع "بصمته الاهتزازية".

أثناء اجراء الاختبارات على العينة (وزارة الصحة الكويتية)
تحدي الانتقال الصوتي

واجه الباحثون تحديا تقنيا يتمثل في ضمان وصول الموجات الصوتية بكامل طاقتها إلى الفيروس. فالموجات فوق الصوتية بذاك التردد العالي تفقد طاقتها بسرعة كبيرة وتتشتت عند انتقالها في الهواء. ولحل هذه المعضلة، أجريت التجربة في بيئة مخبرية دقيقة داخل أنابيب اختبار تحتوي على وسط مائي مقطر.

يشرح الحساوي: "بخلاف بعض الدراسات السابقة، تميزت منهجية دراستنا باستيفاء الشروط الفيزيائية الدقيقة اللازمة لاختبار فرضية التدمير الميكانيكي للفيروس. لقد اعتمدنا على الاتصال المباشر بين مصدر الموجات والوسط السائل الذي يحوي الفيروس"

تعد هذه الخطوة حاسمة من منظور فيزياء الصوت، فوجود المصدر مغموسا مباشرة في السائل يضمن توصيلا صوتيا كاملًا وانتقالا للطاقة بكفاءة قصوى لتصطدم بالفيروس بقوة مركزة، مما يسرع عملية التطهير ويزيد من فعاليتها مقارنة بالطرق التي تعتمد وسائط هوائية أو كيميائية. وقد استمر التعريض للموجات لمدة خمس دقائق، مع مراقبة صارمة لدرجة الحرارة لضمان عدم ارتفاعها، وذلك للتأكد من أن أي تأثير مدمر للفيروس هو ناتج عن الاهتزاز الميكانيكي البحت وليس بسبب الحرارة.

بلغة الأرقام، فإن 85.7% من العينات التي كانت تحتوي على حمل فيروسي عال قبل التجربة، انخفض فيها الفيروس إلى مستويات متوسطة أو منخفضة. والحمل الفيروسي هو عدد الفيروسات التي أصابت العينة وتتضاعف داخلها. الأهم من ذلك، أن قرابة 32% من العينات تحولت إلى سلبية تماما، أي أن أجهزة الرصد لم تعد قادرة على رصد الفيروس فيها بعد خمس دقائق فقط من التعريض للموجات الصوتية المركزة.

في ظل التغيرات المناخية وسهولة السفر، تزداد سرعة انتشار الفيروسات (شترستوك)
الحرب على الفيروسات

يقول الحساوي: "إن النتائج المشجعة لهذه الدراسة تجعلنا نتطلع لتطوير تطبيقات طبية تعتمد على هذه التقنية وترتكز على تحويلها إلى وسيلة علاجية غير دوائية. فكما أصبحت الموجات الصوتية وسيلة تشخيصية آمنة (كفحص الأجنة) وعلاجية فعالة (كتفتيت حصوات الكلى وعلاج بعض الأورام)، نطمح لاستخدامها لتطهير الجسم من الفيروسات".

هذه الحاجة ملحة للغاية، فالأوبئة الفيروسية تسببت في خسائر بشرية هائلة عبر التاريخ، بدءا من الإنفلونزا الإسبانية التي أودت بحياة الملايين، وصولا إلى فيروس نقص المناعة، والتهاب الكبد، وجائحة كورونا، وتفشيات أخرى حديثة.

إعلان

وفي ظل التغيرات المناخية وسهولة السفر، تزداد سرعة انتشار الفيروسات. وفي المقابل، ورغم وجود عشرات الأدوية المضادة للفيروسات، إلا أن معظمها يعمل فقط على كبح تكاثر الفيروس ولا يقضي عليه تماما، خاصة في حالات العدوى الكامنة أو المزمنة.

ويضيف الحساوي: "كما أن العديد من الفيروسات قد اكتسبت خواص مقاومة مضادات الميكروبات الدوائية، لذا، فإن تطوير وسائل فيزيائية غير دوائية لتدمير الفيروسات ميكانيكيا يمثل أولوية صحية عالمية، وهو ما يهدف بحثنا لتحقيقه مستقبلا من خلال دراسات أعمق تشمل فيروسات أخرى وتطبيقات خارج وداخل الجسم الحي".

وعلى الرغم من الأمل الذي تضفيه هذه النتائج، التزم الفريق البحثي بالأمانة العلمية في طرح القيود والتحديات التي تواجه هذا الابتكار قبل أن يصبح علاجا معتمدا.

تؤكد الدراسة أن هذه النتائج مخبرية أولية، حيث استخدام الماء المقطر كوسط للتجربة. وهذا يختلف عن البيئة المعقدة داخل جسم الإنسان. فالدم البشري، على سبيل المثال، يختلف عن الماء في اللزوجة ويحتوي على بروتينات وخلايا قد تمتص الموجات الصوتية أو تشتتها، مما قد يقلل من كفاءة العملية عند تطبيقها حيويا.



إقرأ المزيد