عشية مفاوضات جنيف.. 3 مسارات دبلوماسية بين الاتفاق أو المواجهة
الجزيرة.نت -

مراسلو الجزيرة نت

Published On 15/2/2026

|

آخر تحديث: 12:15 (توقيت مكة)

شارِكْ

طهران- في مشهد دولي بالغ التعقيد، تتقاطع المسارات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، ليضعا الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة أمام مفترق طرق مصيري بين اتفاق وفق شروط أمريكية تَعُدها إيران استسلاما وحرب توعَّدت طهران بتحويلها إلى "نزاع إقليمي شامل".

وعلى وقع التحشيد العسكري الأمريكي المتواصل في المياه الإقليمية وأعالي البحار فضلا عن المناطق المحيطة بإيران، تتحرك الدبلوماسية في ثلاثة مسارات متوازية لخفض التصعيد، مفاوضات ثنائية ووساطات إقليمية ومبادرات سياسية، تحمل كل منها رؤيتها للحل.

ففي الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صراحة دعمه لتغيير النظام في إيران ويجدد تلويحه بضربها، تجدد طهران تمسكها بحقوقها النووية ورفضها التفاوض سوى على الملف النووي، وتؤكد استعدادها لمواجهة أي حرب قد تُفرض عليها.

في غضون ذلك، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بإرسال حاملة طائرات ثانية هي "يو إس إس جيرالد آر فورد" لتنضم إلى "يو إس إس أبراهام لينكولن" المتمركزة بالفعل في المنطقة، إلى جانب العديد من المدمرات والمقاتلات.

وهو ما يراه أستاذ العلوم السياسية بجامعة "آزاد الإسلامية" ياسر إرشادمنش محاولة خلق معادلة صارمة لإجبار طهران إما على تقديم تنازلات كاملة أو مواجهة خيار الحرب.

عوائق أساسية

وفي حديثه للجزيرة نت، يعتقد الأكاديمي الإيراني أن القوة العسكرية الأمريكية الهائلة لا يمكن أن تبقى في المنطقة إلى أجل غير مسمى دون تحقيق إنجاز ملموس، مشيرا إلى أن ترمب سبق أن وصف التحشيد العسكري بأنه ضروري "في حال عدم التوصل إلى صفقة" مع الجانب الإيراني.

وبناء عليه، فإن ترمب قد يجد نفسه أمام مفترق طرق حقيقي -وفق إرشادمنش- بين انسحاب دون إنجاز سيُفسَّر على أنه هزيمة كبرى، أو الانخراط في حرب مدمرة، مشيرا إلى أن الخيار العسكري يواجه عوائق عدة أساسية تتطلب من واشنطن حلولا قبل خوضه. ولعل التحديات أدناه أبرزها:

إعلان

  • معضلة تدمير المنشآت النووية المحصَّنة والمنتشرة في عمق الأراضي الإيرانية لا سيما بعد تجربة حرب الـ12 يوما والتقارير الغربية عن عدم تدميرها بالكامل جرّاء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية.
  • تزايد قدرات إيران الهجومية وخاصة الصاروخية، وتعزيز قوتها الجوية عقب حرب يونيو/حزيران الماضي، وهو ما يزيد من خشية واشنطن قدرة طهران على استهداف حاملات طائراتها أو مقاتلات الشبح بسبب عدم قدرة مضاداتها الجوية على إسقاط الصواريخ التي انهالت على إسرائيل قبل ثمانية أشهر.
  • تأكيد إيران أنها ستحوّل أي حرب ضدها إلى نزاع إقليمي تلتهم ناره القواعد الأمريكية ومصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة، على ضوء التلويح بإشعال جبهات متعددة ضد المصالح الأمريكية و"الكيان الصهيوني".
  • التكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة لإغلاق مضيق هرمز.
  • خشية حصول طهران على "تسليح إستراتيجي" عبر حلفائها الشرقيين قادر على إلحاق الضرر بهيبة الصناعات العسكرية الأمريكية أو استهداف عمق الأراضي الأمريكية عبر قواعد سرّية في دول صديقة لم تكن بالحسبان، إضافة إلى تقارير تتحدث عن توصُّل إيران إلى تقنيات الصواريخ العابرة للقارات.

ويخلص إرشادمنش إلى أن الإدارة الأمريكية ستبذل جهودا دبلوماسية لتحقيق غايتها عبر المفاوضات من دون إطلاق رصاصة واحدة، أو على الأقل لكسب الوقت لتعزيز الحضور العسكري والتنسيق الكامل مع إسرائيل، بغية إزالة العقبات التي قد تعترض عملياتها العسكرية ضد إيران.

وصول حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى بحر العرب في إطار الحشود الأمريكية لضربة محتملة على إيران (الفرنسية)
مسارات بديلة

إلى جانب التلويح بعصا الحشود العسكرية الهائلة في المنطقة، تتعامل واشنطن مع المفاوضات بديلا إستراتيجيا لتجنب الانزلاق إلى الحرب، فتتحرك الدبلوماسية في مسارات متعددة لخفض التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، وفق الباحث السياسي حسن هاني زاده.

وفي حديثه للجزيرة نت، يعدّد هاني زاده ثلاثة مسارات دبلوماسية مطروحة على طاولة المفاوضات المتواصلة تعكس رؤى متباينة لحل الأزمة المتفاقمة، هي:

  • مسار الاستسلام برعاية أمريكية وإسرائيلية، الذي يمثل أقصى طموحاتهما، ويقوم على مطلب رفع طهران الراية البيضاء من دون أي شروط. ويتضمن هذا الطرح تسليم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ووقف التخصيب تماما، والسماح بعمليات تفتيش للمنشآت النووية، وتقليص مدى الصواريخ الإيرانية، ووقف دعم فصائل المقاومة في المنطقة، لكنه لا يترك مجالا لمناورة المفاوض الإيراني.
  • مسار الوساطات بمبادرة بعض دول المنطقة، ويقوم على صفقات محدودة توفق بين مصالح الطرفين مع تقديم تعهدات بشأن بعض الملفات والتوقيع على إطار لتهدئة التوتر وإبعاد شبح الحرب من المنطقة.
  • التفاوض المرحلي الذي تطرحه طهران يستند إلى مبدأ تبادلي متوازن، ويسعى لتحقيق مكاسب ملموسة، ويقوم على حصر التفاوض في الملف النووي فقط، مع تقديم خطة مرحلية تتضمن أفكارا لحلحلة القضايا الشائكة.

ويخلص هاني زاده إلى أن طرح الوساطات الإقليمية أقرب للقبول من المسارين الآخرين من أجل وضع حد للأزمة، إذ يحاول تجاوز النقاط الأكثر خلافا، لكنه يواجه عقبات كبيرة أبرزها الإصرار الإيراني على عدم التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي، والرفض الأمريكي التراجع عن مطالب ترمب القاسية.

خطة عملية

في المقابل، يعتقد السفير الإيراني الأسبق في بريطانيا جلال ساداتيان أن الخطة الإيرانية هي الأوفر حظا للتحقق من خلال المفاوضات الجارية، انطلاقا من توفيرها ذريعة لترمب لسحب حشوده العسكرية من المنطقة وفتحها المجال لتَباهي الجانب الأمريكي بأنه وضع حدا للبرنامج النووي الإيراني.

إعلان

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح ساداتيان أن إيران تعلن استعدادها عبر خطتها لتخفيف نسبة اليورانيوم العالي التخصيب ومواصلة عملية التخصيب في إطار "كونسورتيوم" (تحالف) دولي بمشاركة دول إقليمية، مع تأكيد حقها في استمرار التخصيب داخل أراضيها، وبذلك سيتمكن الجانبان من تحقيق جزء من مطالبهما عبر المسار الدبلوماسي وتجنب الحرب المدمرة.

ويرى ساداتيان أن البعد الشخصي للقيادات السياسية يشكل عاملا مهمّا في المعادلات الدولية، إذ تدرك طهران أن شخصية الرئيس ترمب غير التقليدية قد تشكل فرصة أو عقبة أمام تحقيق تقدم في المفاوضات.

وبناء عليه، يقول الدبلوماسي إن إيران تسعى إلى استثمار بعض سماته الشخصية في مفاوضاتها الجارية مثل رغبته في إبرام صفقات كبرى تعزز صورته السياسية، وتجنبه الدخول في حروب طويلة ومكلفة، وبذلك تحاول طهران فتح "طريق آمن" للانسحاب الأمريكي عبر تقديم إنجازات دبلوماسية يمكن لواشنطن تسويقها داخليا بوصفها نجاحا.

ويستدرك الدبلوماسي الإيراني السابق أن التحدي الأكبر في التوتر الراهن سيبقي في قدرة الطرفين على تجاوز حالة انعدام الثقة المتبادلة، وإيجاد صيغة توازن بين المطالب الأمريكية القصوى والخطوط الحُمر الإيرانية التي قد تعصف بأي فرصة حقيقية للتوصل إلى تفاهم.

وأشار إلى أن "الكيان الإسرائيلي" يمثل عامل تخريب وتدمير في المسارات الدبلوماسية الجارية، وهو ما يضع المنطقة أمام مرحلة مفصلية، مضيفا أن "أي خطأ في الحسابات قد يكلف الجميع ثمنا باهظا".



إقرأ المزيد