على رمال ملتهبة: كائن صغير يكتشف طريقة مستحيلة للبقاء
الجزيرة.نت -

في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، توجهت عالمة الحشرات سو نيكلسون وفريقها إلى صحراء ناميب في جنوب غرب إفريقيا لقياس حرارة الخنافس تحت الشمس الحارقة، ووجدوا أن الأفراد التي أنهت جريا سريعا لم تكن أكثر سخونة من تلك التي استراحت في الظل.

في الفترة نفسها، أظهرت تجارب قادها عالم الفسيولوجيا جورج بارثولوميو أن جري الخنافس السريع لا يزيد استهلاك الأكسجين كثيرا مقارنة بالجري البطيء، ما يعني أن زيادة السرعة لا ترفع حرارة الجسم بدرجة كبيرة.

وهكذا عرف العلماء حرارة الخنافس بعد الجري، ومعدل استهلاكها للأكسجين أثناء الحركة، لكن بقيت درجة حرارتها أثناء الجري نفسه لغزا لم يُقس بعد.

في اكتشاف لافت، تبين أن حرارة جسم نوع من الخنافس، وهي خنفساء صحراء ناميب السوداء، المعروفة علميا باسم "أونيماكريس بلانا"، تنخفض أثناء ممارسة النشاط البدني حتى تحت أشعة الشمس الشديدة ومن دون رياح.

وتعد الدراسة المنشورة مؤخرا في "جورنال أوف إكسبرمنتال بيولوجي" (Journal of Experimental Biology) الأولى من نوعها على حيوان يتحرك سيرا على الأقدام، وأول توثيق لحيوان بري معروف يستخدم النشاط الحركي ليس للهروب أو الصيد، بل لتبريد جسمه في درجات الحرارة الشديدة.

يتميز جسم خنفساء ناميب بعرض وتسطيح واضحين (فاليري مايبورغ – جامعة ويتواترسراند)
سلوك استثنائي حير العلماء

تعد صحراء ناميب من أكثر البيئات حرارة على سطح الأرض. ومع ذلك، تعيش على كثبانها الرملية القاحلة، التي تبدو غير صالحة للحياة، نحو 200 نوع من الخنافس.

كمعظم خنافس الصحراء الداكنة، تتميز خنفساء ناميب بلون أسود يمتص الحرارة، وجسم مفلطح أفقيا يوفر مساحة سطح كبيرة معرضة للشمس، إضافة إلى أرجل طويلة وأجنحة ملتحمة تجعلها غير قادرة على الطيران.

لذلك، لم يتوقع عالم البيئة يوه هينشيل وزملاؤه من معهد غوبابيب ناميب للأبحاث في ناميبيا، أن تكون نشطة على سطح الرمال خلال ذروة الإشعاع الشمسي. ومع ذلك، لاحظوا قدرتها على الاندفاع بسرعة عبر الكثبان الرملية الحارة، مع التوقف أحيانا في بقع ظل نادرة.

إعلان

يقول هينشيل، المشارك في الدراسة، في تصريح للجزيرة نت: "يعد هذا النوع من الخنافس من أسرع اللافقاريات في بيئتها، إذ يمكنها الجري بسرعة عالية مقارنة بحجمها الصغير الذي لا يتجاوز نحو سنتيمترين، والحفاظ على هذا الأداء لنحو 50 ثانية، قاطعة أكثر من 40 مترا".

أثارت سرعتها حيرة العلماء، ما دفع الفريق البحثي المتخصص في دراسة تكيف أجسام الحيوانات مع الحرارة إلى محاولة فهم هذا السلوك الاستثنائي، واستكشاف الكيفية التي تحقق بها هذه الخنافس ما يبدو مستحيلا من الناحية الفسيولوجية: الجري تحت الشمس الحارقة.

صحراء ناميب في جنوب غرب إفريقيا (شترستوك)
اختبار فرضية التبريد بالجري

يقول هينشيل: "لقياس درجة حرارة الخنافس في بيئتها الطبيعية، استخدمنا مقياس حرارة دقيقا من نوع "الثرموكابل"، وزودنا خنافس حية وأخرى نافقة بمجسات حرارية دقيقة في الجزء العلوي من الجسم، ما أتاح تتبع حركتها عن بعد أثناء الجري دون إزعاجها".

ويضيف "بعد تسجيل القراءات الأولية، أُعيد إطلاق الخنافس الحية على رمال الكثبان الحارة، في حين وُضعت الخنافس النافقة على ارتفاع 1.5 سنتيمتر فوق الرمال تحت أشعة الشمس، ثم قورنت درجة حرارة الخنافس الحية بعد 30 ثانية من الجري السريع بدرجة حرارة نظيراتها الساكنة".

كان ينبغي أن يؤدي هذا إلى ارتفاع حرارة الذكور بنحو 6 درجات مئوية في الدقيقة، والإناث بنحو 4 درجات، بينما يضيف النشاط الحركي درجة إضافية. وبذلك قد تصل حرارة الجسم إلى 50 درجة مئوية خلال دقائق، وهي زيادة قاتلة.

غير أن هذا السيناريو لا يحدث ما دامت الخنفساء تواصل الجري. بدلا من ذلك، أظهرت القياسات أن أجسام الخنافس الجارية كانت أبرد في المتوسط بنحو 1.5 درجة مئوية من نظيراتها غير المتحركة.

محاكاة ظروف الجري

افترض الباحثون أن آلية الحمل الحراري تقف وراء هذا التأثير، حيث تنتقل حرارة الجسم إلى الهواء المحيط الأكثر برودة. للتأكد من ذلك، صمم الباحثون تجربة مخبرية لمحاكاة ظروف الجري في بيئة الصحراء تحت مستويات مختلفة من الإشعاع الشمسي وسرعات الرياح.

وأظهرت النتائج أنه في بيئة ذات إشعاع شمسي مرتفع ورياح محيطة ضعيفة، فإن الجري بسرعة متر واحد في الثانية يمكن أن يخفض درجة حرارة الخنفساء بنحو 13 درجة مئوية، وهو أقصى تأثير تبريد سُجل في الظروف المثالية.

يقول هينشيل: "نظرا للارتفاع السريع في درجة حرارة الجسم، فإن البقاء فوق الكثبان يتطلب حركة مستمرة، وقد يؤدي التوقف تحت أشعة الشمس وفي غياب الرياح إلى نفوق الخنفساء خلال دقائق نتيجة فرط الحرارة".

ويبدو الأمر مختلفا تماما عند الإنسان ومعظم الحيوانات، حيث تولد الحركة حرارة إضافية، وكلما زادت سرعة الجري زاد استهلاك الأكسجين وارتفعت حرارة الجسم.

آليات مقاومة الحرارة

يوضح هينشيل أن قدرة هذه الخنافس على تحمل الحرارة تعود إلى مجموعة من التكيفات التي تحد من اكتسابها للحرارة أثناء التعرض للشمس، إضافة إلى كفاءتها العالية في الجري، ما يقلل من إنتاج الحرارة الأيضية خلال الحركة.
ويضيف أن "جسمها العريض والمسطح، إلى جانب أرجلها الطويلة، يرفعها بنحو 1.5 سنتيمتر فوق سطح الرمال، حيث يكون الهواء أبرد بنحو 10 إلى 15 درجة مئوية".
كما يتميز الذكور بجسم شديد التفلطح يشبه جناح الطائرة، ما يسمح لهم بالتحرك وكأنهم شبه معلقين فوق سطح الرمال الساخنة، ويسهم ذلك في تعزيز التهوية حول الجسم وتقليل تأثير حرارة الرمال.

إعلان

ورغم أن رمال ناميب قد تتجاوز حرارتها نحو 50 درجة مئوية، فإن الرياح القادمة من المحيط الأطلسي تكون باردة نسبيا. وعند الجري، يتولد تيار هوائي يعمل على تبديد الحرارة بكفاءة في واحدة من أكثر بيئات الأرض قسوة.

الجري من أجل البقاء

يتيح هذا النظام التبريدي للخنافس التحرك بحثا عن غذائها الذي تحمله الرياح قبل أن تغمره الرمال، كما يمكِّنها من النشاط في أوقات تكون فيها الحيوانات الأخرى – سواء المفترسات أو المنافسون – غير نشطة.

ويمنح الذكور وقتا أطول للبحث عن شركاء للتزاوج. لذلك يرجح الباحثون أن تكيفها مع الحركة تحت الشمس يتحدى الفهم التقليدي الذي يفترض أن النشاط البدني يضيف حرارة إلى الجسم، ويعزز فرص بقائها.

ورغم أن هذه الظاهرة تعد غير مسبوقة بين الحيوانات التي تتحرك سيرا على الأقدام، يرى الباحثون أن خنافس ناميب قد لا تكون الحالة الوحيدة، ويرجح أن بعض نمل الصحراء قد يمتلك قدرة مشابهة.

ومن المعروف أن العديد من الكائنات المائية تبرد أثناء السباحة، وتشير دراسات إلى أن بعض الحشرات الأخرى قد تستخدم مبدأ مشابها للتبريد أثناء الطيران، حيث يؤدي تدفق الهواء الناتج عن الحركة الدور نفسه في تبديد الحرارة.



إقرأ المزيد