ترمب بين عامين.. خيار حافة الهاوية
الجزيرة.نت -

يحبس العالم أنفاسه اليوم أمام ما يراه الكثير حالة من الجموح والانفلات التي تتجلى صادمة في مواقف وسياسات وسلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتعبر عنها إداراته بحماس ودون تحفظ ولا تردد.

فمنذ دخوله البيت الأبيض قبل عام وترمب يفرض على العالم كله أن يسير على حافة الهاوية، مكرسا حالة من اللايقين ومن عدم الاستقرار، ومن الغموض والقلق، داخليا ودوليا على حد السواء.

وإذ تنفس العالم انقضاء عام من ولاية ترمب. عام كان شديد الصخب والتقلبات، سعى من خلاله ترمب إلى تثبيت الاتجاه الذي يريد أن يندفع فيه، إذ سعى إلى فرض إيقاعه السياسي بسرعة، مستفيدا من حالة الاستقطاب، ومن قاعدة شعبية ترى فيه رمزا لمواجهة الدولة العميقة، والبيروقراطية المتقابضة على مفاصل الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها.

كان العام الأول لترمب في الأبيض عاما عاصفا بكل المقاييس، سواء لجهة علاقته بالشأن الأمريكي الداخلي ومشروعه أمريكا العظيمة مجددا، أو لجهة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك العلاقة بالحلفاء والرؤية للأعداء.

عمل ترمب مع مستهل عامه الأول على تنفيذ رؤيته في تفكيك البيروقراطية في الإدارة الأمريكية من خلال تقليص وتسريح آلاف الموظفين العاملين في الإدارات الحكومية الأمريكية، تحت شعار تقليص النفقات وترشيد عمل الإدارة، في خطوة خلص مراقبون إلى أنها أضعفت بشكل لافت عمل الإدارات الحكومية. كما استهدف ترمب المؤسسات التي افترض أنها يمكن أن تعرقل أو تربك خياراته، في القضاء والخارجية والدفاع وحكام الولايات.

وقد وصل حجم التغيير في بنية الإدارة الأمريكية، مستوى وصفه بعض المسؤولين السابقين بأنه هدم لمؤسسات الدولة وبيروقراطيتها. إذ اختار ترمب أن يعمل من خلال المبعوثين والمستشارين المقربين الشخصيين منه، مهمشا إدارات وأقسام الحكم التقليدية، التي ينظر إليها بعين الريبة، ولا يثق في استجابتها أو تنفيذ سياساته.

إعلان

لذلك يبدو ترمب اليوم وبعد عام في البيت الأبيض مشتبكا مع كل معالم وتجليات الدولة العميقة، محاولا تقويضها وتهميشها، وافتكاك زمام المبادرة منها تماما.

خيبة أمل أوروبية

ولم يتورع ترمب منذ عودته للبيت الأبيض عن مهاجمة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، متهما إياها بالتفريط في مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وتبديد مقدراتها، واستنزاف قواتها في معارك خاسرة لا شأن لها بها.

ولم يتردد الرئيس الأمريكي في تسفيه العديد من الرموز الأمريكية، لا سيما التي له تحفظات على سياساتها وإدارتها السابقة للبلاد. لم يتردد الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان، في مهاجمة وانتقاد سياسة ترمب وأسلوبه في إدارة البلاد بالقول: إن ترمب ليس أمريكيا مطلقا في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، بل هو الرئيس الوحيد الذي أدار ويدير البلاد بطريقة غير أمريكية، معتبرا ذلك خطرا على البلاد، وطريقا نحو الانهيار.

على المستوى الخارجي أحدث ترمب مع حلفاء الولايات المتحدة، كما مع خصومها، أعلى درجات الضغط والصدمة.

فمع حلفائه، وفي نهج مخالف تماما لطبيعة وخصوصية العلاقة التي تربط واشنطن بحلفائها ما بعد الحرب العالمية الثانية، لوح ترمب برسوم تجارية عالية ضد الفضاء الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وفعلا فرض رسوما خيبت آمال شركائه الأوروبيين.

بيد أن ترمب لم يكتفِ بذلك بل شكك في مكانة أوروبا وقوتها، مطالبا القارة بأن تتحمل أعباء الدفاع عن نفسها وأن تساهم بشكل أكبر في ميزانية الحلف الأطلسي. وفعلا رفعت جل بلدان القارة- بسبب موقف ترمب المهاجم لها والضاغط – ميزانيات الدفاع إلى أكثر من 5%، بعد أن كانت في حدود 2%.

وفي وقت اعتقد فيه الأوروبيون أنهم نجحوا في احتواء جموح ترمب تجاه القارة، جاء تقرير الأمن القومي الإستراتيجي 2025، الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم تقرير إستراتيجية الدفاع، الصادر عن وزارة الحرب في يناير/كانون الثاني 2026، ليعمقا صدمة الأوروبيين، لجهة ما تضمنه التقريران من موقف وروحية سلبية غير مسبوقة بل وصادمة من أوروبا.

إذ فضلا عن دعوة أوروبا للتعويل الجاد على نفسها في الدفاع عن أمنها القومي، وتحذير التقريرين من تفسخ الهوية الأوروبية وحضارتها بسبب عدد المهاجرين والسياسة غير العقلانية للهجرة، التي تقوض الحضارة المسيحية، نوهت واشنطن بشكل صريح بالتيارات اليمينية المتطرفة الصاعدة في أوروبا، إذ يراها ترمب "المنقذ" لأوروبا، بل ويرتبط بعلاقات متينة مع قادة بعض هذه التيارات.

ثم مضى ترمب بعيدا بموقفه السلبي من حلفائه، بإعلانه رغبته ضم كندا، وغرينلاند للولايات المتحدة الأمريكية، بل ولوح باستعمال القوة لنيل ذلك.

ولا يزال ترمب يحدث الصدمة تلو الأخرى لحلفائه الإستراتيجيين، مرة بالتهجم على الدول الحليفة، ومرة على قادتها، ما عمق حالة من الخيبة بل والقناعة بأن ثمة تحولات كبرى في المشهد الدولي تقتضي التوقف والبحث عن تحالفات وتموقعات جديدة، تحفظ الأمن القومي والمصالح لهذه الدول التي خطت حليفتها التقليدية خطوات متباعدة عنها، بل وحتى بالاقتراب من الخصوم "التقليديين".

إعلان

فقد أصيب الأوروبيون بالذهول عندما طرح ترمب مبادرة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، لما ظهر فيها من تحيز للجانب الروسي، حتى اعتقد البعض أنها مبادرة روسية وليست أمريكية.

من التوتر إلى الفوضى

إلى جانب ذلك توترت علاقة واشنطن بالهند على خلفية إصرار نيودلهي على الحصول على النفط الروسي، متجاهلة العقوبات الأمريكية على النفط والغاز الروسيين.

يبقى السؤال المطروح: هل اندفاع ترمب بالسير على حافة الهاوية، وإن كان يكرس نهاية النظام العالمي القديم، يسمح ويعطي الفرصة للقوى الدولية من أجل بناء نظام جديد، أم إن الثقل الإمبراطوري الأمريكي الكبير سيبقي العالم يتأرجح طويلا؟

واعتبر العديد من الخبراء الأمريكيين أن التوتر الأمريكي مع الهند يعود بأضرار كبيرة على واشنطن، على اعتبار أن الهند باتت رقما حيويا في المعادلات الدولية، يجب بأي حال عدم خسارتها لصالح الصين، وروسيا.

وإلى جانب المواقف غير الودية تجاه القارة الأفريقية من خلال إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومعها صناديق الإغاثة والتي كانت تمثل القوة الناعمة الضاربة للولايات المتحدة الأمريكية وحضورها في القارة الأفريقية، أساء ترمب للعديد من البلدان الأفريقية، من خلال اتهامات غير مؤسسة على حقائق، ضد جنوب أفريقيا ونيجيريا، والصومال أو من خلال النظر إلى القارة كمصدر للمواد النادرة، أو مراكز لاستقبال المهاجرين المبعدين قسريا من الولايات المتحدة الأمريكية.

وحتى على الصعيد الأمني تتجه إدارة ترمب إلى التخلي عن حضورها العسكري في القارة، من خلال تفكيك "أفريكوم"، انسجاما مع رؤية ترمب للأمن القومي الإستراتيجي  2025 ورؤيته الدفاعية التي صدرت في تقرير وزارة الحرب في يناير/كانون الثاني 2026 وانتقدت بقوة ما يسمى بالانتشار العسكري للقوات الأمريكية في العالم، والذي اعتبرته الرؤية، أنه استنزف طاقة القوات الأمريكية وألحق بها خسائر بشرية، وكلفها ميزانيات لا مردود منها.

في منطقة الشرق الأوسط يسعى ترمب إلى استكمال رؤيته التي بدأها في ولايته الأولى، في إطار ما يسمى بالاتفاقيات الأبراهامية، والتي كانت تداعياتها خطيرة ومروعة على المنطقة، كانت حسب البعض هي الدافع الأساسي وراء عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وهو مسار يعبر اليوم عن نفسه من خلال ما يسمى بـ"مجلس السلام" الذي يواجه مع انطلاقته تشكيكا واضحا ورفضا حتى من حلفاء واشنطن.

لذلك تبدو إستراتيجية ترمب في الشرق الأوسط ذات مخاطر وتداعيات غير متوقعة. ومع الإصرار على الاشتباك ومواجهة إيران بالتعاون مع إسرائيل، يضع ترمب المنطقة في طريق مفتوح على سيناريوهات خطيرة، قد تعصف باستقرار المنطقة، وتنتقل بها من التوتر الشامل إلى الفوضى الكاملة.

بين عام انقضى وعام أتى يبدو ترمب مستمتعا بتفكيك الدولة العميقة في الولايات المتحدة أو البيروقراطية، للتخفف من قيودها وضوابطها وإكراهاتها، وإطلاق العنان، داخليا ودوليا للمغامرة والتمرد على السائد من السياسات والمواقف والتوازنات والمعادلات.

وهو إذ يفعل ذلك، لا يضع لبنات وأسس ومرتكزات نظام سياسي جديد في الولايات المتحدة، أو نظام دولي جديد على المستوى العالمي، وإنما يبدو مندفعا للتفكيك وتقويض المؤسسات والنظام القائم، دون تقديم بدائل وتصورات جديدة. فالرجل لا يحوز رؤى وتصورات بديلة أو إصلاحية، بقدر ما يملك روحا احتجاجية ضد السائد، للتمرد عليه وتفكيكه. وهو إذ يفعل ذلك يجبر العالم كله بما في ذلك الولايات المتحدة، على السير على حافة الهاوية.

عندما عاد ترمب قبل حوالي العام إلى البيت الأبيض، عادت معه مخاوف كثيرة في أنحاء العالم، بسبب اندفاعه، وما يشيعه من حالة اللايقين التي تمثل العدو الأول للاستقرار.

بيد أن الكثير راهنوا على ضرورة احتواء هذا الجموح والانحناء لعواصف سياساته ومواقفه، حتى تنتهي ولايته، غير أن ما يحدثه ترمب في الواقع، سياسات ومواقفَ وأفعالا تحول إلى ديناميكية توقع تحولات كبيرة ونوعية في المشهد الأمريكي والدولي، لا يمكن التعاطي معها باعتبارها عابرة. بل اقتنع الكثير اليوم أن ظاهرة ترمب، هي حصيلة تراكم للسياسات الأمريكية وتتويج لها، وهي بالتالي تحولات حقيقية يجب عدم النظر إليها كحالة مؤقتة، وملامح عابرة، ستنقضي مع نهاية ولاية ترمب. وقد التقط رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فرصة منتدى دافوس في 20 يناير/كانون الثاني الماضي ليوقظ القادة الذين يمارسون الإنكار.

إعلان

مؤكدا بشكل واضح: "نحن نفهم أن هذا التصدع يتطلب أكثر من مجرد التكيف. إنه يتطلب الصدق في شأن العالم كما هو..النظام القديم لن يعود. ولا ينبغي لنا أن نحزن عليه. الحنين إلى الماضي ليس إستراتيجيا".

يبقى السؤال المطروح: هل جموح ترمب بالسير على حافة الهاوية، وإن كان يكرس نهاية النظام العالمي القديم، يسمح ويعطي الفرصة للقوى الدولية من أجل بناء نظام جديد، أم إن الثقل الإمبراطوري الأمريكي الكبير سيبقي العالم يتأرجح طويلا في دائرة اللايقين، إن لم يكن أسوأ من ذلك؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد