اعتقالات بصفوف الإصلاحيين وطهران تتبنى رواية "محاولة انقلاب"
الجزيرة.نت -

Published On 12/2/2026

|

آخر تحديث: 14:51 (توقيت مكة)

شارِكْ

تشهد إيران في الأسابيع الأخيرة تداخلا لافتا بين مسارين متوازيين، تشديد الإجراءات الأمنية والقضائية على شخصيات محسوبة على التيار الإصلاحي أو قريبة من بيئته، وتصعيد لغوي في توصيف الاحتجاجات يصل في بعض التصريحات إلى اعتبارها "شبيهة بانقلاب" أو جزءا من "مخطط خارجي" يستهدف النظام.

وبينما تقول السلطات إن ما يجري يأتي في إطار "حماية الأمن" ومواجهة "الفتنة" و"الشغب" و"التخريب"، يرى خصومها أن هذا الخطاب يهدف إلى إعادة تعريف الاحتجاج من كونه تعبيرا اجتماعيا وسياسيا إلى كونه تهديدا سياديا يبرر توسيع الملاحقات.

اعتقالات إصلاحية

وضمن المشهد الأحدث، برزت اعتقالات شخصيات إصلاحية معروفة مثل آذر منصوري وإبراهيم أصغرزاده ومحسن أمين زاده، وقدمت الرواية الرسمية هذه الخطوات بحقهم باعتبارها مرتبطة بملفات ذات طابع أمني على خلفية الأحداث الأخيرة، مع تداول اتهامات من قبيل "المساس بالأمن" و"زعزعة الاستقرار" واتهامات أخرى ذات صلة بالسياق الذي تصفه السلطات بأنه توتر داخلي على وقع تهديدات خارجية.

وتشير هذه التطورات إلى أن دائرة الضغوط لم تعد مقتصرة على ناشطين ميدانيين أو طلابيين، بل امتدت إلى شخصيات ذات حضور سياسي وإعلامي، وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل المزمن داخل إيران حول حدود العمل السياسي، ومكانة التيار الإصلاحي، والكيفية التي تتعامل بها مؤسسات الدولة مع موجات الاحتجاج.

إلى جانب ذلك، أعلنت وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية عن اعتقال وتنفيد أحكام بالسجن بحق علي شكوري راد وحسين كروبي (ابن مهدي كروبي) وقربان بهزاديان نجاد.

ومن زاوية التصنيف السياسي، يعد شكوري راد من الأسماء المعروفة داخل الطيف الإصلاحي. أما حسين كروبي فليس قياديا حزبيا أو شخصية إصلاحية "تنظيميا" على غرار قيادات الجبهات والأحزاب، لكنه محسوب على البيئة الإصلاحية من حيث الانتماء الفكري والدور العام، فضلا عن ارتباطه باسم والده مهدي كروبي الذي يمثل رمزا إصلاحيا بارزا تاريخيا. وقربان بهزاديان نجاد هو مستشار المرشح الرئاسي لعام 2009 مير حسين موسوي الذي ما زال تحت الإقامة الجبرية منذ ذلك الوقت.

قفزة في الخطاب

المستجد الأكثر دلالة لم يكن في الإجراءات وحدها، بل في اللغة التي تواكبها. فبينما درج الخطاب الرسمي الإيراني في موجات سابقة على استخدام مفردات مثل "الفتنة" و"الشغب" و"الأعمال التخريبية" وربطها بـ"الأعداء" أو "التحريض الخارجي"، ظهرت هذه المرة صيغة أقرب إلى فكرة "محاولة انقلاب".

إعلان

فقد قال المرشد الأعلى علي خامنئي إن "الفتنة الأخيرة كانت تشبه الانقلاب وتم التصدي لها".

ونقلت وكالة ميزان عن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي قوله إن "الفتنة العنيفة الأخيرة" كانت "شبيهة بانقلاب"، في توصيف يرفع مستوى التهديد من احتجاجات واضطرابات إلى مشروع سياسي منظم يستهدف بنية الحكم.

ويحمل هذا النوع من العبارات وظيفة مزدوجة، فهو من جهة يقدم تفسيرا رسميا للأحداث، ومن جهة أخرى يهيئ الأرضية لتغليظ المقاربة القضائية والأمنية، باعتبار أن الدولة لا تواجه احتجاجا محدودا، بل "تهديدا سياديا" يبرر تشديد الإجراءات.

حتى عندما لا تستخدم كلمة "انقلاب" حرفيا، فإن سردية "المخطط الخارجي" التي تتكرر في تصريحات رسمية عديدة تنتج معنى قريبا منها، أي أن الاحتجاجات ليست تعبيرا داخليا تلقائيا، بل مشروع موجه لزعزعة الدولة أو إسقاط النظام.

تقاطع السياسة والقضاء

بالنسبة للتيار الإصلاحي، تكتسب هذه التطورات حساسية إضافية لعدة أسباب، الأول أن الرئيس مسعود بزشكيان إصلاحيا والأسماء المعتقلة الآن كان لها دور كبير في وصول بزشكيان للرئاسة.

والثاني أن بعض الأسماء الموقوفة أو المحالة للسجن تمثل "ذاكرة سياسية" داخل النظام، وتملك قدرة على التأثير الرمزي في النقاش العام حتى مع تراجع وزن الإصلاحيين انتخابيا في السنوات الأخيرة.

والثالث أن توصيف الاحتجاجات بأنها "شبيه بانقلاب" يوسع هامش تكييف الملفات قضائيا وأمنيا، ويجعل أي نشاط سياسي أو إعلامي قابلا للتأويل ضمن إطار "التهديد الأمني".

وفي المقابل، تنظر المؤسسات الرسمية إلى هذه المقاربة باعتبارها استجابة لواقع تعتبره معقدا، احتجاجات متكررة، وتصعيد خارجي، وتنافس إقليمي ودولي على ملفات إيران، مما يستدعي بحسب روايتها منع "اختراق الداخل" أو "استثمار الأزمات الاجتماعية" لأغراض سياسية.

يمكن تلخيص الصورة الراهنة في خطين متوازيين يتقدمان معا، خط إجرائي وخط سردي، وبين الخطين، يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستؤدي إلى تهدئة داخلية عبر الردع، أم أنها ستعمق الاستقطاب وتعيد إنتاج الاحتقان، في بلد لا تزال فيه أسباب الاحتجاج الاجتماعية والسياسية حاضرة بقوة في المجال العام.



إقرأ المزيد