القلق قبل رمضان.. شعور شائع لا نتحدث عنه
الجزيرة.نت -

Published On 11/2/2026

|

آخر تحديث: 14:25 (توقيت مكة)

شارِكْ

مع اقتراب رمضان المبارك، تتعدد الاستعدادات الروحية والجسدية لدى المسلمين حول العالم، من ضبط مواعيد الإفطار والسحور، إلى تنظيم الأعمال اليومية والالتزامات الأسرية.

لكن خلف هذه التحضيرات، يظهر شعور شائع غالبا ما يغفل عنه: القلق النفسي والتوتر قبل رمضان، وهو شعور لا يعني ضعفا، بل هو استجابة نفسية طبيعية لأحداث متوقعة في المستقبل، تعرف في علم النفس باسم القلق الاستباقي (Anticipatory Anxiety).

الكثيرون يجدون أنفسهم قبل رمضان أمام أسئلة متكررة: هل سأتمكن من الصيام؟ هل سيتغير نومي وطاقتي؟ هل سأتمكن من موازنة عملي مع العبادة؟ هذا الخوف من الإرهاق أو الفشل جزء طبيعي من التجربة الإنسانية.

أسباب القلق قبل رمضان

القلق قبل رمضان يمكن تفسيره بعدة عوامل:

  1. التغييرات في الروتين اليومي: ساعات النوم المعتادة وأوقات العمل والأنشطة اليومية يتوقع أن تتغير خلال الشهر الكريم، وهذا وحده قد يثير شعورا بعدم اليقين.
  2. الخوف من الإرهاق أو الفشل: يتساءل الكثيرون، هل سأتمكن من الصيام بالكامل؟ هل سأحافظ على صلواتي وعباداتي؟ هل ستتأثر طاقتي في العمل أو الدراسة؟
  3. الضغط الاجتماعي والذاتي: الرغبة في الاستعداد الروحي والجسدي للشهر الفضيل، مع الالتزام بالمسؤوليات اليومية، قد تولد شعورا بالضغط النفسي.

وتوضح الأبحاث الأبحاث النفسية أن القلق الاستباقي يحدث قبل أي حدث مهم في المستقبل، عندما يبدأ العقل في التفكير في سيناريوهات سلبية محتملة، حتى قبل وقوع الحدث نفسه.

وتصف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) القلق الاستباقي بأنه "الخوف أو التوتر تجاه حدث متوقع، والذي قد يظهر قبل ساعات أو أيام أو أسابيع من وقوعه".

دراسات أخرى تدعم هذا التفسير، مثل دراسة نشرت في فرونتيرز إن سايكولوجي (Frontiers in Psychology) حول المزاج والتوتر لدى الطلاب قبل  شهر رمضان.

إعلان

ولاحظ الباحثون أن مستوى التوتر كان مرتفعا في الفترات المحيطة بالدخول في رمضان، حتى قبل الصيام نفسه، ما يوضح أن شعور القلق قبل الشهر مرتبط بالتوقع النفسي وليس بالصيام الفعلي.

الموازنة بين العمل والعبادة

أحد أهم مصادر القلق قبل رمضان هو التحدي في موازنة الالتزامات العملية مع العبادة، ينصح الخبراء بتنظيم الوقت مسبقا لتقليل التوتر النفسي وزيادة القدرة على التكيف.

ويمكن تقسيم اليوم بين العمل والعبادة بحيث تتاح فترات محددة للصلاة والذكر والتأمل، مع تخصيص وقت قصير بعد الإفطار للراحة النفسية.

وهذه الممارسة تساعد على إعادة التوازن النفسي وتجعل الشخص يشعر بالتحكم في نمطه اليومي قبل بداية الشهر الكريم.

متى يكون القلق طبيعيا؟

القلق قبل رمضان يختلف عن اضطراب القلق المرضي، ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالتوتر عند توقع تغير كبير في النمط أو المسؤوليات أو عند التفكير في الالتزام الكامل بالعبادات.

أما إذا أصبح القلق شديدا لدرجة تمنع النوم وتؤثر على التركيز في العمل أو تتسبب في أعراض جسدية مستمرة، حينها يجب استشارة مختص نفسي.

القلق قبل رمضان يختلف عن اضطراب القلق المرضي (شترستوك)
إستراتيجيات عملية للتعامل مع القلق قبل رمضان

لتقليل القلق قبل الشهر الكريم، ينصح الخبراء بمجموعة من الإجراءات العملية:

1. التخطيط المسبق للجدول اليومي: وضع أوقات محددة للعمل والراحة والعبادة يقلل من شعور عدم اليقين.
2. تخصيص وقت للراحة النفسية: ممارسة تمارين التنفس أو التأمل أو المشي الخفيف تساعد على تخفيف التوتر.
3. تقسيم المسؤوليات: مشاركة الالتزامات المنزلية أو المهنية مع الآخرين يقلل من الضغط الشخصي.
4. الوعي الذاتي: إدراك أن القلق شعور طبيعي قبل حدوث تغييرات كبيرة، وأن الكثيرين يمرون به، يساهم في تقبل المشاعر والتعامل معها بوعي.
5. تخفيف توقعات المثالية: محاولة قبول أن رمضان ليس اختبارا للكمال، بل فرصة للتأمل وتحسين الذات تدريجيا.

القلق جزء من التجربة الإنسانية

القلق قبل رمضان ليس مؤشرا على ضعف الإيمان أو عدم الاستعداد الروحي، بل هو استجابة طبيعية للتغييرات المتوقعة في الروتين اليومي والالتزامات. الاعتراف بهذه المشاعر والتعامل معها بوعي يساعد على تحويل القلق إلى فرصة للتأمل والتنظيم وتحقيق التوازن النفسي قبل دخول الشهر الكريم.

بهذه الطريقة، يصبح رمضان تجربة متكاملة بين الواجبات الدينية والمهنية، مع الحفاظ على الصحة النفسية والقدرة على التكيف مع الروتين الجديد، مما يجعل الشعور بالقلق قبل رمضان جزءا من رحلة الاستعداد الروحي والجسدي للعيش برمضان براحة ورضا.



إقرأ المزيد