الجزيرة.نت - 2/10/2026 12:41:25 AM - GMT (+3 )
اعتبر محللون قانونيون أن ما كشفه تحقيق برنامج “للقصة بقية” في تبخُّر جثامين شهداء فلسطينيين بقطاع غزة يمثل نقطة تحوّل نوعية في توصيف الجرائم الإسرائيلية، في لحظة لم يعد فيها الإفلات من العقاب مقبولا.
وانتقل المشهد من القتل الجماعي والتدمير الواسع -الذي انتهجته إسرائيل خلال حرب الإبادة في غزة– إلى مستوى أشد خطورة يتمثل في محو الأثر الإنساني بالكامل، وهو ما يضع هذه الأفعال في صلب الجرائم المحرّمة دوليا.
وفي هذا الإطار، شددت المحامية والمحاضِرة في جامعة جورج تاون ديانا بطو على أن القانون الدولي الإنساني لا يترك أي مساحة للالتباس في هذا النوع من القضايا، مؤكدة أن استخدام أسلحة لا تميّز بين المقاتلين والمدنيين يُعدّ بحد ذاته جريمة حرب مكتملة الأركان.
ولفتت بطو -خلال حديثها لبرنامج "للقصة بقية"- إلى أن خطورة هذه الأسلحة لا تكمن فقط في قدرتها التدميرية، بل في طبيعتها العشوائية التي تُفني كل من يوجد ضمن نطاق تأثيرها، وهو ما يتعارض كليا مع مبدأ "التناسب والتمييز" المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
ووفق تحقيق "المتبخرون" -الذي عُرض خلال البرنامج- فإن تقارير الدفاع المدني في غزة وشهادات مسعفين وأهالٍ وثّقت تبخّر جثامين أكثر من 2842 شهيدا، لم يُعثر لهم على أي أثر سوى رذاذ دماء وبقايا بشرية ضئيلة في مواقع الاستهداف.
وتشير المعطيات إلى أن الضربات الإسرائيلية نُفذت باستخدام متفجرات حرارية فراغية وأخرى معززة بالانتشار، تولّد حرارة قد تصل إلى 3500 درجة مئوية، وضغطا هائلا يؤدي إلى تبخر السوائل في الجسم وتحويل الأنسجة إلى رماد.
وتساءلت عن سبب السماح لإسرائيل باستخدام هذا النوع من الأسلحة رغم وضوح القواعد القانونية الدولية، معتبرة أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بغياب النصوص، وإنما بغياب الإرادة السياسية لتطبيقها، في ظل معرفة المجتمع الدولي المسبقة بنوع السلاح المستخدم وآثاره الكارثية.
وفي توصيف يتجاوز الإطار التقليدي للصراع، رأت بطو أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن شبكة دعم دولية واسعة، واصفة ما يحدث بأنه "إبادة عالمية" تُرتكب بأدوات إسرائيلية ودعم غربي.
وأكدت أن استمرار تدفّق السلاح والدعم الدبلوماسي لإسرائيل يجعل من دول عديدة شركاء فعليين في الجريمة، لا مجرد أطراف متفرجة، خاصة في ظل توثيق استخدام أسلحة سبق استخدامها في ساحات أخرى مثل لبنان والعراق.
جرائم منذ 1948من جانبه، ربط أستاذ القانون الدولي طارق شندب بين ما وثّقه التحقيق واستمرار سياسة الإفلات من العقاب، معتبرا أن تجاهل إسرائيل قرارات محكمة العدل الدولية ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية؛ شكّل رسالة واضحة تفيد بأن المنظومة الدولية عاجزة عن فرض العدالة.
وأشار شندب إلى أن الجرائم لم تتراجع، بل تصاعدت حتى بعد الحديث عن وقف إطلاق النار، في ظل استمرار القتل وإغلاق المعابر ومنع الغذاء والدواء.
ورأى أن خطورة ما كشفه التحقيق تكمن في أنه يضاف إلى سجل طويل من الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين منذ عام 1948، مشيرا إلى أن غياب المحاسبة التاريخي شجّع إسرائيل على تطوير أدوات القتل دون خشية من العواقب.
واعتبر شندب أن غزة أصبحت الامتحان الأكبر لمنظومة العدالة الدولية، التي قال إنها فشلت في حماية المدنيين وردع الجناة.
آليات المحاسبةوبشأن محاسبة المتورطين، أكدت المحامية ديانا بطو أن المحكمة الجنائية الدولية ليست المسار الوحيد لتحقيق العدالة، داعية إلى ملاحقة الجنود الأفراد الذين استخدموا هذه الأسلحة -ولاسيما من يحملون منهم جنسيات مزدوجة- أمام المحاكم الوطنية ذات الاختصاص العالمي.
كما شددت على أن وقف تصدير السلاح إلى إسرائيل يشكّل مدخلا أساسيا لوقف الجرائم، مستشهدة بازدواجية المعايير الغربية التي تمنع تصدير بعض المواد لأسباب إنسانية، في حين تسمح بتزويد إسرائيل بأسلحة تُستخدم في الإبادة.
وخلص المحللان إلى أن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في كشف نوع السلاح، وإنما في كسر جدار الصمت القانوني والسياسي، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
Published On 10/2/2026
|آخر تحديث: 00:29 (توقيت مكة)
شارِكْ
إقرأ المزيد


