"50 متر".. سينما ذاتية عن الأب والزمن والخوف من الوحدة
الجزيرة.نت -

Published On 9/2/2026

|

آخر تحديث: 23:50 (توقيت مكة)

شارِكْ

أخذت المخرجة المصرية يمنى خطاب المتفرجين من كوبنهاجن ومصر في رحلة شخصية للغاية، عبر فيلمها التسجيلي الطويل "50 متر"، والذي عُرض لأول مرة عالميًا ضمن مسابقة (Next: Wave) في مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية (CPH:DOX)، قبل أن يشارك لاحقًا في مهرجان الجونة السينمائي، حيث حظي بعرضه العربي الأول، ثم انتقل إلى العرض الأوسع في قلب القاهرة.

يتخذ الفيلم من حوض سباحة بطول خمسين مترا فضاء أساسيا، ومن علاقة المخرجة بوالدها نقطة انطلاق لسرد ذاتي يتقاطع فيه الخاص مع الإنساني.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
حوض السباحة كفضاء سينمائي

ينطلق فيلم "50 متر" في حوض سباحة في أحد أندية القاهرة، حيث يلتقي عدد من الرجال الذين تجاوزوا السبعين للمشاركة في تدريبات الأيروبيك المائية، داخل هذا الفضاء المغلق والبعيد عن صخب الحياة اليومية تبدأ المخرجة يمنى خطاب في نسج قصة فيلمها الوثائقي، مستعينة بالكاميرا لرصد هذه الطقوس الجسدية الهادئة، وإعادة قراءة علاقتها بوالدها.

تتداخل مشاهد التدريب مع تعليقات صوتية من المخرجة تعود خلالها إلى ذكريات متفرقة من طفولتها وشبابها، وتساؤلات غير محسومة عن علاقتها بوالدها، وخياراتها الشخصية في الحياة، وهي الموظفة الناجحة سابقا وصانعة الأفلام التي تخطو خطواتها الأولى حاليا.

لا يسعى "50 متر" إلى تصعيد درامي تقليدي أو كشف أسرار صادمة، بل يتحرك ببطء مقصود ويراكم تفاصيله الحميمية، ويتعامل الفيلم مع فكرة البنوة بوصفها المحور المركزي حتى وإن بدأ بفريق كبار السن من لاعبي الرياضات المائية، وهو لا يقتصر على علاقة يمنى بوالدها فحسب، بل يمتد إلى علاقتها المحتملة بالأمومة التي لم تتحقق بعد.

فخلف محاولاتها للتقرب من الأب يطل سؤال أكثر إرباكا عن المستقبل، وعن الخوف من الوحدة في الكبر، وعن التصور الشخصي للأمومة باعتبارها -ربما- ضمانة عاطفية مؤجلة ضد العزلة، وفي هذا السياق تبدو محاولة يمنى لمنح والدها الرفقة والاهتمام أشبه بإسقاط ذاتي، كأنها تمنحه ما تتمنى أن تحظى به لاحقًا، حتى وإن كان هو في لحظته الراهنة لا يحتاج إلى هذه الرفقة بالقدر نفسه.

إعلان

هكذا لا يصبح الأب مجرد موضوع للفيلم، بل مرآة لقلق أوسع يتصل بالزمن والحاجات الإنسانية، وبالخوف من التقدم في العمر والوحدة، حيث تتداخل الرغبة في العطاء مع الهلع من الفقد.

كما يطرح الفيلم سلسلة من الأسئلة التي تسعى المخرجة إلى إجاباتها من الأب، مستخدمة الكاميرا كوسيط وضاغط في آن واحد، أسئلة تتعلق برأيه في قرارها تغيير مسارها المهني، وتركها وظيفة مستقرة لصالح صناعة الأفلام، وكذلك موقفه من عدم إنجابها حتى الآن، وغيرها من الاختيارات المصيرية التي ظلت لسنوات معلقة في منطقة الصمت، يبدو الحوار في هذه اللحظات مشوبا بتوتر خفي، حيث لا تأتي الإجابات دائما على قدر التوقع، بل تكشف أحيانا عن فجوة بين الرغبة في الفهم وحدود ما يمكن قوله أو الرغبة في المصارحة به.

"50 متر" والسينما الذاتية

السينما الذاتية (Autobiographical Documentary) هي نوع من الأفلام الوثائقية يركز على تجربة المخرج الذاتية أو الشخصية أو علاقاته الأسرية، بحيث يصبح صانع الفيلم جزءًا من السرد نفسه، وغالبًا ما تقدم هذه الأفلام رؤية حميمة وعميقة عن ذاكرة المخرج وهويته وعلاقاته، مستخدمًا مواد من الأرشيف الشخصي والمقابلات مع العائلة أو حتى ظهوره أمام الكاميرا بصفته الراوي والموضوع في آن واحد.

يمكن النظر إلى "50 متر" بوصفه منتميا إلى هذه السينما، من خلال جعل التجربة الشخصية محورا أساسيا لسرده، فالفيلم لا يتعامل مع موضوعه من مسافة محايدة، بل ينحاز إلى منظور ذاتي، حيث تتقاطع ذات المخرجة مع كل ما يظهر على الشاشة.

في السنوات الأخيرة عُرض أكثر من فيلم تسجيلي عربي يتخذ نفس المنهج الذاتي في جعل العائلة والقصص الشخصية محورًا للعمل، منها "الحياة بعد سهام" لنمير عبد المسيح، و"كذب أبيض" لأسماء المدير، أو "أبو زعبل 89" لبسام مرتضى، لكن "50 متر" يختار مسارا أكثر اختزالا في مقاربته للذات والعائلة.

في حين ينطلق فيلم "الحياة بعد سهام" من فقدان الأم ليفتح مسارا طويلا في الذاكرة والهوية والهجرة، مستندا إلى أرشيف عائلي وصور وحكايات الأب، يذهب "كذب أبيض" إلى تفكيك التاريخ العائلي بوصفه مدخلا لإعادة قراءة الذاكرة الجماعية المغربية وعلاقتها بالمسكوت عنه سياسيا واجتماعيا. أما "أبو زعبل 89" فيستخدم قصة الأب كمفتاح لرسم خريطة فصل من تاريخ مصر السياسي. في المقابل، يظل "50 متر" مشدودا إلى الحاضر، وإلى علاقة محددة هي علاقة الابنة بالأب، بوصفها مرآة لقلق شخصي أوسع يتصل بالزمن والوحدة واحتمالات الأمومة والخوف من المستقبل وغياب الأب عن الصورة.

بهذا المعنى، يبدو "50 متر" أقل طموحا على مستوى الاشتباك مع التاريخ العام، لكنه أكثر تركيزا على التجربة الذاتية للمخرجة ومخاوفها الشخصية، حيث تتحول الكاميرا إلى أداة بحث عن الطمأنينة أكثر من كونها أداة لكشف الحقيقة.

في "50 متر" يتحول حوض السباحة إلى استعارة رمزية مشحونة بدلالات نفسية متعددة. فعلى المستوى الأول، يعمل الماء كعنصر يخفف من وطأة التقدم في العمر، أكثر حنوًا على مفاصل الرجال السبعينيين الذين يجتمعون داخله، مانحا أجسادهم قدرة مؤقتة على الحركة بلا ألم أو مقاومة. وفي هذا الوسط المائي، تتراجع الفوارق الفردية، ويتحول الحوض إلى مساحة جامعة تذوب فيها الهويات الاجتماعية لصالح إيقاع جماعي قائم على التنفس والحركة المتزامنة.

إعلان

وعلى مستوى مواز، يكتسب الماء بعدا نفسيا يرتبط مباشرة بالمخرجة نفسها. فمشهد الختام، الذي تنزل فيه يمنى خطاب إلى الماء وتستلقي على ظهرها، لا يأتي مجرد خاتمة بصرية، بل كتجسيد رمزي لمسار الفيلم بأكمله. في تلك اللحظة، يغدو الماء مساحة أمان شخصية، تتيح لها تخفيف القلق الملازم لعلاقتها بالأب، ولأسئلتها غير المحسومة حول المستقبل والأمومة والوحدة والمصير. ويبدو الاستلقاء على سطح الماء كفعل استسلام مؤقت وهدوء نادر، كأن المخرجة تختبر جسديا ما كان الحوض يمنحه للرجال طوال الفيلم: مهلة قصيرة من الثقل، ومساحة للتنفس خارج ضغط الزمن.

فيلم "50 متر" تجربة وثائقية هادئة، قد لا تراهن على الإثارة أو الكشف، لكنها تنجح في تحويل لحظات شخصية شديدة الخصوصية إلى مساحة تأمل إنساني مفتوحة.



إقرأ المزيد