بعد عملية الهبارية.. هل ترد إسرائيل على الحراك اللبناني بإذلال أمني؟
الجزيرة.نت -

Published On 9/2/2026

|

آخر تحديث: 22:46 (توقيت مكة)

شارِكْ

لم يكن اختطاف إسرائيل قياديا في الجماعة الإسلامية من بلدة الهبارية جنوبي لبنان مجرد تطور أمني عابر، بل بدا فعلا محسوبا بعناية جاء في لحظة سياسية حساسة، ليحمل رسالة تتجاوز الشخص المستهدف نحو الدولة اللبنانية نفسها.

فالعملية وقعت بعد جولة لرئيس الحكومة نواف سلام في الجنوب، وبعد أيام من زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن في توقيت يشي بأن إسرائيل اختارت الرد على الحراك اللبناني الدبلوماسي والسيادي بأسلوب ميداني فَجّ، عنوانه كسر صورة الدولة وإظهار عجزها، وفق محللين.

بهذا المعنى، لم يكن الهدف -حسبما يراه ضيوف برنامج "ما وراء الخبر"- فرض معادلة أمنية جديدة بقدر ما كان تكريس معادلة قديمة-جديدة، وهي أنه لا سيادة لبنانية فعليا جنوبا ولا وزن سياسيا لأي تعهدات أو وعود بالاستقرار ما لم تمر عبر البوابة الإسرائيلية.

ضمن هذا الإطار، رأى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني جوني منير أن العملية تحمل بُعدا إهانيا مقصودا، إذ تستهدف إحراج الجيش اللبناني أمام بيئته ووضع الحكومة في موقع العاجز عن حماية مواطنيه.

فالدخول إلى بلدة جنوبية واختطاف شخص من منزله من دون اشتباك أو خطر داهم، يُعيد إنتاج صورة الاستباحة ويضرب مباشرة فكرة "عودة الدولة"، التي شكّلت جوهر الخطاب الرسمي اللبناني في الأسابيع الأخيرة.

توسيع بنك الأهداف

الأكثر دلالة، وفق هذا التحليل، أن الاستهداف طال شخصية من خارج حزب الله في رسالة توسيع متعمّد لبنك الأهداف لا بهدف الردع العسكري، بل لإرباك المشهد الداخلي وتوسيع دائرة القلق، وإيصال فكرة أن لا جهة محصّنة من القبضة الإسرائيلية.

هذا التوسيع، كما ناقش البرنامج، يخدم وظيفة سياسية بقدر ما يخدم وظيفة أمنية، إذ يسمح لإسرائيل بتقديم عملياتها ضمن سردية "مكافحة الإرهاب"، مستندة إلى تصنيفات أمريكية سابقة في محاولة لتأمين غطاء دولي أو صمت مريح.

إعلان

لكنّ هذا الغطاء حتى وفق معايير الأمن الإسرائيلية نفسها بدا هشا، فالشخص المختطف لا يشكّل تهديدا عسكريا فوريا، ما يعزز فرضية أن العملية صُمّمت لإيصال رسالة سياسية لا لإحباط خطر وشيك.

الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور محمود يزبك وضع العملية ضمن سياق أوسع، معتبرا أنها جزء من عقيدة "الاستباحة الشاملة" التي تعتمدها إسرائيل في لبنان وغزة وسوريا لإثبات أن القرار الميداني لا يتأثر بالزيارات ولا بالوساطات.

من هذا المنطلق، فإن توقيت العملية لم يكن صدفة بل جاء ليقول إن وعود إعادة الإعمار وحديث بسط السيادة ومحاولات تثبيت التهدئة كلها تبقى رهينة الإرادة الإسرائيلية، وقابلة للإسقاط بعملية واحدة مدروسة.

ويذهب هذا التحليل إلى أن إسرائيل لا تستهدف الدولة اللبنانية عسكريا بل رمزيا عبر تقويض هيبة الجيش وتجريد الحكومة من أي إنجاز سياسي، وإظهار أن ما تحقق دبلوماسيا يمكن إذلاله أمنيا خلال دقائق.

إدارة التوتر لا كبحه

في المقابل، عكس الموقف الأمريكي -كما ظهر في مداخلة مايكل مولروي نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق- مقاربة تركّز على "إدارة التوتر" بدل كبحه، مع أولوية معلنة لاستمرار وقف إطلاق النار ونزع سلاح حزب الله.

غير أن هذا الخطاب، بحسب ما عكسته الحلقة، بدا منفصلا عن الواقع الميداني، إذ تُدار الخروقات الإسرائيلية بنقاشات خلف الأبواب من دون ترجمتها إلى ضغط علني أو التزام واضح بحماية مسار التهدئة.

هذا التناقض، يرى محللون، أنه يمنح إسرائيل هامشا واسعا للاستمرار في سياسة الإذلال الأمني مع الاطمئنان إلى أن واشنطن لن تذهب بعيدا في مواجهتها ما دامت المصالح الكبرى غير مهددة.

وفي الداخل اللبناني، يضع هذا السلوك الحكومة أمام معضلة مركّبة، فهي مطالبة بتهدئة الشارع والدفع نحو نزع التوتر، في وقت تُضرب فيه ركائز هذه التهدئة ميدانيا ويُفرغ خطاب السيادة من مضمونه.

لذلك، بدا اللجوء إلى الأمم المتحدة محاولة لوقف التدهور أكثر منه رهانا على حلول فورية في ظل ميزان قوى دولي لا يميل لصالح بيروت، لكنه يظل المسار الوحيد المتاح لمنع تطبيع الاستباحة.



إقرأ المزيد