الجزيرة.نت - 2/9/2026 2:31:26 AM - GMT (+3 )
في كتابه "القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة" يركز المفكر السعودي الدكتور عبدالله الغذامي على التمييز بين مفهومين مهمين: "القبيلة كمفهوم اجتماعي، ثقافي، اقتصادي، محايد وضروري في بعض سياقات التاريخ البشري، و"القبائلية كمفهوم سلبي ينطوي على تمييز، انحياز، إقصاء، وازدواجية في الهوية التي لا تكون وفقا لهذا المفهوم مجرد انتماء، بل أسلوب تفكير وسلوك يؤدي إلى التعصب والتمييز ضد الآخر".
الغذامي يضع ظاهرة "القبائلية" ضمن ما يسميه هويات ما بعد الحداثة، حيث يرى أن التراجع أو إخفاق مشروع الحداثة في تحقيق العدالة والعقلانية المجتمعية قد أدى إلى عودة قوية للانتماءات الأصولية كالهويات القبلية، والهويات العرقية وغيرها. وهذه الهويات تستخدم كبحث عن الأمان والهوية في عالم متغير.
وهو يبرز الفرق بين المفهوم والمصطلح "القبيلة مقابل القبائلية"، حيث يكون المفهوم طبيعيا ومحايدا، بينما يحمل المصطلح إقصاء وتمييزا. والهوية بهذا المفهوم عند الغذامي ليست ثابتة، بل هي منتوج ثقافي يتشكل ويتفاعل مع سياقات السلطة، التاريخ، والممارسات الاجتماعية.
يمكن فهم العقلية القبائلية عنده على أنها جزء من مأزق أوسع "الانقسامات التقليدية التي لم يتحول السودان إلى ما بعدها". أما الحل عنده فلا يكمن في القضاء على القبلية بذاتها بقدر ما يكمن في إعادة تنظيم الهوية الوطنية والدولة، بحيث تصبح المواطنة المشتركة هي الأساس
ويظهر كيف تتحول الانتماءات إلى أطر تمييزية عندما تختزل العلاقات الإنسانية في "نحن" و"هم". وهو لا يهاجم القبيلة بحد ذاتها، بل يحلل مفهوم القبائلية كعقلية وسلوك يؤدي إلى التمييز والانغلاق، ويربط صعودها بظروف ما بعد الحداثة وإخفاقات المشروع الحداثي في توفير بنى تأخذ بالعدالة والعقلانية بعيدا عن الانقسامات الأصولية.
القبيلة نفسها عند الغذامي ليست سلبية، فهي نظام اجتماعي قديم، قائم على التضامن، المساندة، والروابط العائلية والاقتصادية "القبيلة في المجتمعات التقليدية توفر شبكة أمان اجتماعي للأفراد، تساعدهم في مواجهة الظروف الصعبة، وتسهل التوزيع العادل للموارد داخل الجماعة"، بينما القبائلية ليست مجرد انتماء، بل هي أسلوب تفكير وانحياز يؤدي إلى التمييز والإقصاء "عندما يرفض فرد التعامل مع الآخرين خارج قبيلته، أو عند استخدام الولاء القبلي لاختيار المسؤولين أو منح الامتيازات، فهنا تتحول القبيلة إلى قبائلية.
إعلان
المفكر السياسي السوداني فرانسيس مادينق دينق- الذي ولد بمنطقة أبيي عند التماس بين ثقافات الشمال والجنوب، وعرف بفكره العميق حول هوية السودان والتنوع الإثني والقبلي – يرى أن أزمة السودان ليست مجرد صراع على السلطة بين قادة أو مليشيات، بل هي امتداد لصراع أعمق يرتبط بعدم الاعتراف بالتنوع الاجتماعي وتجاذب الهويات المختلفة في البلاد، بما فيها الهويات القبلية والإثنية والدينية. وهذه الأزمة ناتجة عن إرث استعماري ودولة مركزية لم تعترف بالواقع المحلي، ولم تؤسس لسياسات إدارة تنوع حقيقية.
تصور فرانسيس دينق عن الهوية والقبائلية في السودان ينطلق من تصور أوسع للهوية في أفريقيا، تلك القارة التي تتسم بتعدد إثني وثقافي كبير، وإخفاق أنظمة ما بعد الاستقلال في إدارة هذا التنوع بإطار مؤسساتي عادل أدى إلى إبقاء الانقسامات التاريخية فاعلة في السياسة والمجتمع. في مقاله؛ "مخاطر القبائلية في السودان" يؤكد دينق أن الانتماءات القبلية أو الإثنية بحد ذاتها شكل طبيعي للتعريف الاجتماعي والثقافي، لكن القبائلية كعقلية سلبية والتحيز القبلي المتطرف يعدان قوة فاسدة ومدمرة. وهذه العقلية كما يصفها تستخدم لتهميش واستبعاد الآخرين وتظهر سلوكا تمييزيا ينتهك العدالة والمساواة ويفسد نظام الحكم.
فالتمييز القبلي العنصري ليس أمرا وراثيا أو طبيعيا، بل هو سلوك مكتسب من خلال التربية والسياسات المهيمنة، ويمكن أن يكون سببا في العنف والبؤس إذا سمح للمجتمعات باستخدامه كأداة للسيطرة والهيمنة "الهوية ليست ثابتة، بل هي بناء اجتماعي تاريخي يتشكل وفقا لتأثير السلطة والتجربة المشتركة، وبالتالي فإن سوء إدارة التنوع يحول الانتماءات القبلية من مصدر قوة إلى سلاح ضد وحدة المجتمع".
وهو لا يرفض القبائل أو الانتماءات الثقافية بحد ذاتها، لكنه يفرق بين الحياة القبلية الطبيعية كهوية اجتماعية والقبائلية كعقلية سلبية مهيمنة ومدمرة تؤدي إلى التمييز، الإقصاء، وتدمير العدالة.
القبائلية في فكر المجتمع الخلاسي "السوداني"في كتابه "السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل" يقدم المفكر السوداني البارز محمد أبو القاسم حاج حمد – الذي تناول في معظم أعماله تحليل أزمة السودان وهوياته المتعددة بما يشمل الجوانب القبلية والعرقية والثقافية في سياق بناء الدولة الوطنية – رؤى نقدية قوية عن تأثير الانقسامات القبلية والعرقية على الكيان السوداني، وكيف أنها لم تنصهر داخل هوية وطنية جامعة، بل بقيت تتحكم في العلاقات الاجتماعية والسياسية، مما يقوض فكرة المواطنة المشتركة ويعمق الصراعات بين المكونات.
وهو ينتقد السياسات التي تعيد إنتاج الانقسامات القبلية والإثنية بدلا من تعزيز المواطنة، والتي تلهي المجتمع عن القضية الكبرى، وهي بناء دولة وطنية حقيقية. فالسودان يقع عند تقاطع حضارات متعددة "أفريقية، عربية، مسيحية، إسلامية" والفشل في دمج كل هذه العناصر في هوية وطنية مشتركة هو ما يجعل الانتماءات القبلية والعرقية أقوى من انتماء الدولة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم العقلية القبائلية عنده على أنها جزء من مأزق أوسع "الانقسامات التقليدية التي لم يتحول السودان إلى ما بعدها". أما الحل عنده فلا يكمن في القضاء على القبلية بذاتها بقدر ما يكمن في إعادة تنظيم الهوية الوطنية والدولة، بحيث تصبح المواطنة المشتركة هي الأساس.
إعلان
بينما يمكن أن تقرأ رؤية البروفيسور عطا الحسن البطحاني – أستاذ العلوم السياسية ذي المساهمات الفكرية الكبيرة في تحليل أزمة الحكم والهويات في السودان – حول الهويات الاجتماعية والسلطة السياسية، كإسهام نقدي مهم لفهم العقلية القبائلية في سياقها المحلي، وذلك من خلال تحليله للنظام الاجتماعي والسياسي البنيوي في السودان. فالقبيلة عنده تستخدم كآلية للهيمنة من قبل النخب السياسية التي تستفيد من الانتماءات الاجتماعية كأداة سلطوية في إطار صراعها من أجل السيطرة على الدولة والمجتمع.
وفي كتابه "أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟" يرى البطحاني أن أزمة الحكم في السودان بنيوية في جوهرها، وأن النظام الاجتماعي يتميز بخاصية عدم المساواة بين مكوناته الرئيسة. وهذا يعني أن الاختلال في توزيع القوة والتمثيل بين فئات المجتمع هو جزء من الأزمة السياسية. وبالتالي فإن هنالك علاقة وثيقة بين الانقسامات الاجتماعية وأزمة الحكم وهشاشة بناء الدولة.
وهو لا يتناول القبيلة وحدها كظاهرة ثقافية أو اجتماعية، بل يندرج تحليلها ضمن إطار أوسع يتعلق بالهوية والسياسة والهيمنة، ويركز على كيفية تركيب النظام الاجتماعي في السودان، وكيف أن هذه التركيبات – التي تشمل الانتماءات الاجتماعية والعرقية والثقافية – تستثمر في ديناميات السلطة وتعمق عدم المساواة، الأمر الذي يعيق بناء دولة وطنية.
الدكتور عطا البطحاني لا يتناول القبيلة كمفهوم نقدي منفصل، لكنه يقدم تحليلا نقديا قويا لكيفية توظيف الانقسامات الاجتماعية في بنية السلطة، ويربط ذلك بأزمة الحكم البنيوية. وبالتالي يمكن القول إن وجهة نظره في هذا المجال مفيدة جدا لفهم كيفية استثمار الانتماءات القبلية داخل منظومة الهيمنة السياسية في السودان.
القبيلة ليست طارئة على السياسةالكيان القبلي في السودان يتجاوز مفهوم الوحدة الاجتماعية التقليدية، فهو نسيج يمتد في أعماق التاريخ، يربط الأفراد بالأسرة والمجتمع والموارد، ويمنحهم شعورا بالأمان والهوية في عالم غير مستقر. غير أن الخط الفاصل بين القبيلة كمفهوم محايد وبين القبائلية كعقلية أصبح حادا ومؤلما في العقود الأخيرة.
ولعل ما يجمع بين القراءات الفكرية أعلاه هو إدراك أن التحدي ليس في القبيلة بذاتها، بل في تحويلها إلى أداة للسلطة والتعصب، وفي فشل الدولة والمجتمع في بناء هوية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية. القبائلية في السودان ليست مجرد انعكاس للماضي، بل مرآة لمآزق الحاضر، وحيثما تغيب المؤسسات القادرة على حمايتها من الانحراف، تظهر هذه العقلية في كل ميدان سياسي واجتماعي، من توزيع الموارد إلى الوظائف والمناصب، ومن العلاقات اليومية إلى صناعة القرار، لتذكرنا بأن الطريق نحو الدولة الوطنية لا يبدأ بالقضاء على الانتماءات، بل بالوعي بها، وفهم حدودها، وتحويلها من أداة للانغلاق إلى محفز للتكامل والمواطنة المشتركة.
لم تكن حرب الرابع عشر من أبريل/نيسان مجرد صراع على السلطة، ولا مواجهة بين بنادق متقابلة في عاصمة منهكة فحسب، بل كانت في جوهرها الأعمق لحظة انكشاف كبرى، انكشاف الدولة، وانكشاف المجتمع، وانكشاف ذلك السؤال الذي ظل مؤجلا منذ الاستقلال "من نحن حين تغيب الدولة"؟.
في تلك اللحظة، لم يعد الانتماء الوطني مظلةً كافية للاحتماء من الخوف. تراجع القانون، تلاشت المؤسسات، وانهار الإحساس العام بالأمان. عندها، تقدمت القبيلة خطوة إلى الأمام، ليس بوصفها حنينا إلى الماضي، بل باعتبارها أقرب ما تبقى من يقين اجتماعي في زمن الفوضى. وهنا بدأ السؤال الحقيقي "هل عادت القبيلة لأنها أقوى من الدولة، أم لأنها قد وضعت طويلا في الهامش، وحين سقط المركز، خرج الهامش ليملأ الفراغ؟".
إعلان
لم تولد القبلية في السودان مع هذه الحرب، ولم تبعث من قبر قديم في صباح الخامس عشر من أبريل/نيسان. بل كانت دائما حاضرة، صامتة أحيانا، متصالحة أحيانا، ومتقاتلة حين تدفع إلى الزاوية. منذ العهد التركي- المصري، ثم في ظل الحكم الثنائي، جرى التعامل مع القبائل كوحدات جاهزة للإدارة غير المباشرة. أعيد رسم حدود النفوذ، ثبتت الزعامات، وربطت القبيلة بالجباية والأمن، ليس احتراما لمنطقها الاجتماعي، بل توظيفا لها في إدارة بلد شاسع بأقل تكلفة سياسية ممكنة.
وحين جاءت الدولة الوطنية بعد الاستقلال، لم يحدث القطع المأمول مع هذا الإرث. ورثت الدولة القبيلة كما هي، لكنها لم تمتلك الشجاعة لإعادة تعريف علاقتها بها، بل تعاملت معها بوصفها مشكلة حينا، وأداة سياسية حينا آخر. استدعتها في الانتخابات، همشتها في الخطاب المدني، ثم أعادت استخدامها في إدارة الصراعات والحروب، في الأطراف على وجه الخصوص. وهكذا ظل السودان عالقا في منطقة وسطى مربكة "لا دولة حديثة مكتملة، ولا قبيلة تقليدية مستقرة، بل تركيب هش ينتظر لحظة الانفجار".
ما الذي تغير بعد حرب أبريل/نيسان القبيلة أم الدولة؟الواقع السوداني بعد حرب أبريل/نيسان لم يشهد عودة القبيلة، بل شهد غياب الدولة. فالدولة السودانية منذ الاستقلال لم تنجح يوما في أن تكون بيتا جامعا، بل ظلت مشروعا ناقصا يتعامل مع التنوع بوصفه عبئا لا ثراءً. وقد حاولت أن تتجاوز القبيلة دون أن تدمجها، وأن تستخدمها دون أن تعترف بها، وأن تقصيها دون أن تستغني عنها. فتركتها في الهامش، والهامش لا ينسى.
لذلك، حين غابت العدالة لم تختفِ القبيلة، بل تقدمت، وحين تآكل القانون لم تتراجع، بل لبست ثوب الحماية. وحين ضعفت الدولة لم تسقط القبيلة، بل صارت دولة مصغرة "تحمي، تجند، تفاوض، وتقتل"، وهذا ليس ارتدادا إلى البدائية بقدر ما هو فشل في التحديث. فالقبيلة بهذا المعنى ليست نقيض الدولة، بل ضحيتها المؤجلة.
لذا نجد أن من المثقفين السودانيين من يرفض الوقوف طويلا أمام مسرح القبيلة، ومن ظل يشير بدلا من ذلك إلى من يدير الإضاءة. فالدم بحسبه لا يسيل وحده، بل يسال. والعصبية لا تشتعل تلقائيا، بل يشعلها من يعرف كيف يستفيد من نارها. وهؤلاء لا ينفون وجود القبيلة، لكنهم يرفضون منحها براءة اختراع العنف. فيرونها أداة سياسية جرى شحذها بعناية، وتسليحها بوعي، وإدخالها في صراع لا يخدم أبناءها بقدر ما يخدم نخبا عجزت عن بناء وطن، فاختارت أن تحكم "الخرابز" وبهذا المعنى لم تكن الدولة غائبة تماما، بل كانت حاضرة بطريقة خبيثة "تسلح طرفًا وتدعي الحياد، وتشعل صراعا ثم تبكي على الضحايا، وتفتت المجال الوطني إلى ولاءات صغرى"، لأن المواطن الحر يظل هو الأخطر على أي سلطة شمولية.
التنمية في مواجهة الاقتصاد القبائليهناك من يذهب أبعد ليقول إن المسألة ليست حرب هويةٍ فقط، بل اقتصاد سياسي كامل. فالقبيلة لم تتضخم بسبب الحنين للماضي، بل بسبب حاضر أعاد ترتيب المجتمع بطريقة وحشية. الدولة الحديثة دخلت الريف بالجباية بدلا عن الخدمات، وبالقوة عوضا عن التنمية. وحين فشلت في إدارة الأرض والماء والموارد، حولت الناس إلى متنافسين داخل حلبة ضيقة لا يربح فيها إلا من يحمل السلاح.
وهنا لا تصبح القبيلة خيارا ثقافيا، بل ضرورة بقاء. وعليه فإن القبيلة في السودان ليست أصل المأساة بل مرآتها، ليست شبح الماضي بل ابنة الحاضر، ليست بقايا التخلف بل نتيجة تحديث أعرج. حين فشلت الدولة في أن تكون عادلة صارت القبيلة عادلة على طريقتها، وحين عجزت السياسة عن أن تكون وطنية صارت العصبية سياسة، وحين لم يجد الناس معنى المواطنة عادوا إلى ما يعرفونه جيدا "الاسم، الدم، الأرض".
وهنا تتكثف الحكمة القاسية: "لا يمكن هزيمة القبلية بخطاب أخلاقي، ولا بتجريم اجتماعي، ولا بالقوة"، الطريق الوحيد هو بناء دولة لا تضطر الناس إلى الاحتماء بأنسابهم.
ومع ذلك، لم تكن الحرب على بشاعتها ظلاما خالصا في قلب الفوضى، بل ظهرت لحظات تجاوز نادرة: "أحياء مختلطة حمت سكانها دون سؤال عن الأصل، مبادرات إغاثة عبرت القبائل، وشبكات تضامن صغيرة قاومت منطق منا وليس منا". هذه الومضات وإن بدت خافتة إلا أنها تقول شيئا مهما "القبلية ليست قدرا مطلقا، والمجتمع السوداني رغم كل ما جرى لا يزال يمتلك قدرة كامنة على تخيل انتماء أوسع، حين تتوفر الإرادة والعدالة".
لا تنفجر الصراعات القبلية لأن الناس يكرهون بعضهم، بل لأن الأرض تضيق بهم فجأة. حين تشح المياه وتبور الحقول وتغيب المدرسة والمستشفى، تصبح الهوية آخر ما تبقى للفقراء ليدافعوا به عن حقهم في الحياة. عندها لا تقاتل القبيلة باسم الدم، بل باسم البقاء. في السودان، لم تكن التنمية يوما مشروعا وطنيا جامعا، بل كانت امتيازا جغرافيا. مناطق أشبعت خدمات، وأخرى تركت لتتدبر أمرها بالسلاح والعصبية. ومع غياب الدولة كضامن عادل، تحول الصراع على الموارد إلى صراع على الأسماء والأنساب.
إعلان
تجارب أخرى تقول إن الأمر ليس قدرا. في رواندا لم تهزم القبلية بالمحاكم وحدها، بل بإعادة توزيع التنمية بعد الإبادة، فجعلت المدرسة والطريق والكهرباء أدوات مصالحة صامتة. وفي ماليزيا، خففت سياسات التنمية المتوازنة من التوترات العرقية حين ربطت العدالة الاقتصادية بالاستقرار الاجتماعي. التنمية لا تلغي الهويات، لكنها تنزع عنها سلاحها. وحين يشعر الناس بأن الدولة تراهم جميعا لا يعودون بحاجة إلى أن يروا بعضهم أعداء.
فالأرض العادلة لا تطلب دما لتثمر، وهنا تكمن الحكمة القاسية التي لم يقرأها كثيرون بعد حرب أبريل/نيسان: "لا يمكن هزيمة القبلية بخطاب أخلاقي، ولا بتجريم اجتماعي، ولا بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء الدولة على العدالة والمواطنة على المساواة، والتنمية على الشمول"، حينها فقط لا يحتاج الإنسان أن يختبئ وراء أنسابه، ولا أن يحمي حقه في الحياة باسم الدم، لأن الأرض نفسها تكون قد حمت الجميع قبل أن يهدأ الناس.
السؤال الآن ليس ماذا فعلت الحرب بالقبيلة؟. بل ماذا سنفعل نحن بالقبيلة بعد الحرب؟. إما أن نتركها وعاء لإعادة إنتاج الصراع، أو نعيد قراءتها بوصفها مكونا اجتماعيا يحتاج إلى تفكيك سياسي عميق، لا إلى شيطنة سهلة. فالقبيلة لن تختفي لكن وظيفتها يمكن أن تتغير. يمكن أن تعود كذاكرة اجتماعية وليس كخندق حرب، ويمكن أن يعود الوطن إلى معناه البسيط والعميق، أن يكون أكبر من الدم، وأعدل من السلاح، وأقرب للناس من خوفهم. ربما عندها فقط لا نحتاج أن نسأل "من أي قبيلة أنت؟. بل "أي وطن نريد أن نبنيه"؟. حتى لا نجبر مرة أخرى على الاحتماء بأنسابنا.
العبور فوق جسور الآخرينهناك نماذج وتجارب أفريقية وعربية وعالمية، نجحت بدرجات متفاوتة في تقليص تأثير القبائلية أو العصبيات الاجتماعية، وتعزيز الاندماج والمواطنة والمصالحة، سواء عبر آليات مجتمعية تقليدية أو سياسات حديثة ومبادرات تعليمية وسياسية. في كثير من المجتمعات الأفريقية تكاد آليات العدالة والمصالحة التقليدية تلعب دورا كبيرا في تفكيك الانقسامات القبلية والصراعات المحلية.
وهذه الممارسات المجتمعية تدعو إلى المصالحة الجماعية، الاعتراف بالآخر، وإعادة بناء العلاقات بعد النزاع، بدلا من التمترس وراء الانتماء القبلي الضيق، وذلك من خلال العمل على الاعتراف بالخطأ وإعادة الاعتبار للضحايا، وجلسات فض النزاع بحضور الزعماء المحليين، وتعزيز روح الجماعة بدل الانقسام. وقد وثقت هذه الممارسات في دراسات تقارن بين تجارب مثل رواندا أو سيراليون وأوغندا، في كيفية استعادة التعايش الملموس بين مجموعات مختلفة بعد حروب أهلية.
هنالك أيضا التجارب التعليمية التي تعنى بتعزيز الوعي بالمواطنة والتعايش بين مختلف المكونات، أثبتت نجاحا في تقليل الحواجز الذهنية المرتبطة بالانقسامات القبلية مثل مبادرة تعزيز التعاطف في نيجيريا "برنامج تجريبي في مدارس نيجيريا استخدم ألعابا تعليمية لزيادة التعاطف وفهم وجهات نظر الآخرين بين طلاب من خلفيات ثقافية وإثنية متعددة، بهدف ترسيخ فهم الآخر والتقليل من نظريات الانتماء الضيق عند الشباب".
في عدة دول أفريقية مثل جنوب أفريقيا وسيراليون ورواندا وموزمبيق تم تطبيق أنظمة لجان الحقيقة والمصالحة بعد حروب أهلية أو نزاعات عرقية وقبلية، كآلية رسمية للاعتراف بالجرائم، مصالحة المجتمع، وإعادة توزيع العدالة والاعتبار. هذه الإجراءات ساعدت على فتح حوار بين مكونات مختلفة وتقليل الكراهية المتبادلة على المدى الطويل.
وهناك جهود منظمات دولية تركز على دور الشباب في السلام والأمن، وفي تعزيز المشاركة المدنية بعيدا عن الانقسامات الضيقة، من خلال برامج تدعم مشاركة الشباب في صنع القرار وتعزيز قيم المواطنة. والذي جعل هذه التجارب ناجحة هو التركيز على الإنسان قبل الانتماء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


