الجزيرة.نت - 2/9/2026 1:12:01 AM - GMT (+3 )
Published On 9/2/2026
|آخر تحديث: 00:41 (توقيت مكة)
شارِكْ
منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، بدا أن القطاع يقف نظريا على أعتاب مرحلة انتقالية تُنهي منطق الحرب وتفتح الباب أمام ترتيبات مدنية جديدة، غير أن ما جرى لاحقا كشف مسارا مختلفا تُدار فيه المرحلة عبر تعطيل الإدارة لا تمكينها، وتأجيل الاستحقاقات لا تنفيذها.
وفي هذا السياق، لا يُقرأ منع اللجنة من دخول غزة كعقبة إجرائية أو نتيجة ظرف أمني طارئ، بل كجزء من إستراتيجية إسرائيلية أوسع لإبقاء ملف القطاع مفتوحا، وشكَّل هذا التقديرُ نقطةَ ارتكاز في نقاش حلقة "مسار الأحداث"، حيث طُرحت فكرة أن إسرائيل انتقلت من إدارة الحرب إلى إدارة الفراغ.
الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى قدّم مقاربة تفسر هذا السلوك باعتباره خيارا واعيا لا اضطرارا، فإسرائيل وفق تحليله لا تريد إغلاق ملف غزة، لأن إغلاقه يعني الدخول في مسار سياسي وإداري يُقيد قدرتها على التدخل العسكري، ويُسقط ذرائع الاستهداف المتكرر.
ومن هذا المنظور، يشكل دخول لجنة مدنية فلسطينية إلى غزة تهديدا مباشرا للمنطق الإسرائيلي القائم، فوجود عنوان سياسي غير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) -حتى وإن كان تكنوقراطياً- يعني إعادة تعريف المسؤولية عن القطاع، ويقلل من قدرة إسرائيل على تبرير استمرار القصف أو التحكم الأمني المفتوح.
أداة تعطيلويتقاطع هذا الطرح مع قراءة أستاذ العلاقات الدولية الدكتور زياد ماجد، الذي رأى أن إسرائيل اعتادت تاريخيا استخدام التفاصيل والإجراءات كأداة تعطيل، فبدل رفض الاستحقاقات صراحة تُغرقها في شروط أمنية ومتطلبات تقنية، وجداول زمنية مفتوحة تُفرغها من مضمونها الفعلي.
هذا النمط -بحسب ماجد- لا يستهدف اللجنة وحدها، بل المرحلة الثانية من الاتفاق برمتها، فربط إعادة الإعمار ودخول المساعدات وحتى الانسحاب الجزئي بشروط نزع السلاح والاستقرار الأمني، يخلق حلقة مفرغة تُستخدم لتبرير التأجيل المستمر.
إعلان
في المقابل، قدّم الباحث الأمريكي في شؤون الأمن القومي الدكتور جيمس روبنز قراءة مختلفة في الشكل لكنها تلتقي في النتيجة، إذ أشار إلى أن الخطط الأمريكية -بما فيها قرار مجلس الأمن– تنص نظريا على انسحاب إسرائيلي مشروط بتشكيل قوة استقرار دولية، وهي قوة لم تُنشأ بعد ولم تتبلور معالمها.
هذا الغياب -وفق روبنز- يمنح إسرائيل هامشا واسعا للمماطلة، إذ يمكنها الادعاء بأنها غير ملزمة بالانسحاب أو بتمكين الإدارة المدنية ما دامت الشروط الأمنية "غير ناضجة"، وهكذا يتحول الشرط الدولي نفسه إلى أداة تعطيل غير مباشرة.
غير أن النقاش في "مسار الأحداث" ذهب أبعد من مسألة اللجنة، ليطرح سؤال السيطرة غير المباشرة. وبحسب مصطفى، تعمل إسرائيل على خلق بنى موازية تتجاوز أي ترتيب فلسطيني مباشر، سواء عبر التحكم في المعابر أو عبر إدخال مجموعات محلية مسلحة لأداء أدوار أمنية وإدارية محددة.
تصور طويل الأمدهذه المليشيات -كما يراها المحللون- ليست أداة مرحلية فقط، بل هي جزء من تصور طويل الأمد لإدارة غزة كمساحة غير مستقرة، فهي تسمح لإسرائيل بتنفيذ عمليات أمنية دون المخاطرة بقواتها، وتُبقي الداخل الفلسطيني في حالة توتر وفوضى قابلة للاشتعال.
ويرى مصطفى أن هذا النموذج يعيد إنتاج تجربة الضفة الغربية، حيث توجد سلطة محدودة الصلاحيات مقابل سيطرة إسرائيلية فعلية على الأرض والمعابر والقرار الأمني، والنتيجة المتوقعة -في حال استمر هذا المسار- هي تحويل غزة إلى "ضفة أخرى" بلا سيادة حقيقية.
ومن داخل القطاع، نقل الصحفي الفلسطيني أحمد الطناني صورة ميدانية تُظهر فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني، فالغزيون -بحسب توصيفه- لم يلمسوا أي تغيير فعلي في حياتهم اليومية رغم الحديث عن لجان ومجالس وخطط مرحلية.
ولا تزال الخيام قائمة، والبنى التحتية مدمرة، والحصار يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة، حتى فتح معبر رفح الذي رُوّج له كإنجاز جاء بصورة رمزية لا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات، خاصة في ظل آلاف الحالات الطبية العالقة.
هذا الواقع -كما يرى الطناني- يفاقم حالة الشك الشعبي تجاه أي ترتيبات سياسية لا تنعكس مباشرة على الأرض، فإدارة الفراغ -مهما تعددت عناوينها- لا تعني للناس سوى استمرار المعاناة بصيغة أقل ضجيجا.
إقرأ المزيد


