جلسة بمنتدى الجزيرة.. العالم لم يعد محكوما بنفوذ أحادي
الجزيرة.نت -

الدوحة- لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة لتصفية صراعات القوى الكبرى بل بات أحد مفاتيح فهم التحول الجاري في النظام الدولي نفسه. فمع تصاعد التنافس بين الأقطاب الكبرى، وتراجع قدرة النظام الأحادي على ضبط الأزمات، تبرز المنطقة بوصفها مختبرا حيا لعالم يتشكل من جديد، تتقاطع فيه الصراعات الإقليمية مع التحولات الجيوسياسية العالمية.

وخلال جلسة نقاشية في منتدى الجزيرة السابع عشر بالدوحة تحت عنوان "نحو عالم متعدد الأقطاب: فرص وتحديات أمام الشرق الأوسط"، ناقش خبراء ومحللون كيف كشفت الحرب على غزة -بجانب سياسات القوى الكبرى- حدود النظام الدولي القائم، وفتحت المجال أمام أدوار إقليمية جديدة، في مشهد يعكس انتقالا متدرجا من الأحادية إلى نظام دولي أكثر تعقيدا وتنافسا.

وأشاروا إلى أن التجارب الأخيرة، سواء في غزة أو في سياسات القوى الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة والصين، تؤكد أن العالم لم يعد محكوما بنفوذ أحادي، وأن بناء نظام عالمي متوازن يتطلب عقلانية وقدرة على التفاوض والتنسيق بين مختلف الأطراف، بما في ذلك الدول الإقليمية التي أصبحت أكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث الدولية.

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في باريس زياد ماجد أن المنطقة تشهد تحولات إقليمية عميقة في مختلف المجالات، وأن هذه التحولات تتداخل مع ديناميات النظام العالمي الذي يتطور منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مرورا بالحرب الباردة وما بعدها، وصولا إلى مرحلة ما بعد 1989.

خبراء يناقشون كيف كشفت الحرب على غزة حدود النظام الدولي القائم (الجزيرة)
مرآة للتقلبات

وأوضح أن منطقة الشرق الأوسط تشكّل مرآة للتقلبات العميقة في النظام الدولي، وأن المنطقة شهدت صراعات نفوذ بين القوى الكبرى منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، بدءا من السيطرة الأوروبية مرورا بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وصولا إلى التدخلات الأمريكية الحديثة في العراق وسوريا.

إعلان

وعلى الرغم من الخلافات المستمرة بين روسيا والولايات المتحدة، فقد تمكنت موسكو من إعادة بروزها دوليا خصوصا عبر تدخلها العسكري في سوريا ثم غزو أوكرانيا، وهو ما أبرز محدودية قدرة أوروبا على أن تكون قطبا مستقلا واعتمادها على الدعم الأمريكي في مواجهة ما تَعُدها تهديدات روسية.

وأشار زياد إلى أن فكرة تعدد الأقطاب ليست مجرد طرح نظري بل هي رؤية قابلة للتطبيق وتفرضها الأحداث العالمية، وأن التحولات الأخيرة بما في ذلك صعود الصين ومحور دول البريكس من الجنوب تعكس تحولا ملموسا نحو عالم متعدد الأقطاب، إذ تسعى كل قوة لتأمين مصالحها مع الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الدولي.

نظام دولي صوري

وقال مدير إدارة البحوث في مركز الجزيرة للدراسات عز الدين عبد المولى إن ما يحدث في غزة اليوم يمثل مرآة لحالة النظام الدولي الحالي، الذي يبدو موجودا شكليا أو صوريا لكنه فاقد للقدرة على اتخاذ القرار وفرض القوانين الدولية.

وأضاف أن الفشل المتكرر للمجالس الدولية في حماية غزة ومنع الحرب يوضح ضعف المؤسسات الدولية وقدرتها المحدودة على ضبط الصراعات الكبرى، وهو ما يعكس التحولات العميقة في النظام العالمي، ويمهد الطريق لعالم متعدد الأقطاب يتطلب دورا أكثر فاعلية للقوى الإقليمية.

ولا تُعَد غزة مجرد مأساة إنسانية بل هي محور لفهم التحولات الدولية، إذ تعكس هشاشة النظام الدولي وغياب الإرادة السياسية العالمية، كما أنها تشير إلى ظهور فرص للقوى الإقليمية التي تستطيع المشاركة في إعادة تشكيل التوازن الدولي، حسب عبد المولى.

وأشار إلى أن الشرق الأوسط يمتلك قوى متوسطة يمكن أن تؤدي دورا محوريا في عالم متعدد الأقطاب، إذا نجحت في تنسيق جهودها والدخول في تحالفات إقليمية ودولية.

وأكد عبد المولى أن التحولات في النظام الدولي تتطلب من الدول العربية الكبرى العمل على تعزيز مظاهر التقارب والتنسيق الإستراتيجي، وهو ما بدأ يظهر في علاقات السعودية مع مصر وتركيا وقطر مع إمكانية انضمام دول إقليمية أخرى، مضيفا أن هذه التحالفات إذا نجحت يمكنها أن تخلق منصة إقليمية قادرة على الإسهام في توازن القوى العالمي.

الخليج مركز القوة

وقالت لينا خطيب، المحللة الرئيسية في شركة إكستراك (ExTrac) البريطانية المتخصصة في تحليل الأخطار الإستراتيجية، إن مفهوم تعدد الأقطاب غالبا ما يُفهم بشكل مبسط على أنه مجرد تقسيم النظام العالمي بين الولايات المتحدة قطبا غربيا وأقطاب أخرى تتحدى نفوذها.

وأكدت خطيب أن الخليج العربي يمثل اليوم مركز القوى في المنطقة، مشيرة إلى أن دول المنطقة تؤدي أدوارا فاعلة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وأن المملكة العربية السعودية على سبيل المثال تُعَد قوة محورية في السياسة الإقليمية، في حين تؤدي قطر دور الوساطة بين إسرائيل وحماس، وتقوم عمان بدور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، واستضافت الإمارات محادثات عالية المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا، مؤكدة بذلك القدرة على ممارسة التأثير الإستراتيجي في القضايا الحرجة.

وتشير هذه "الدينامية" إلى أن الخليج العربي لم يعد مجرد تابع للمحاور الكبرى بل أصبح قوة فاعلة قادرة على المشاركة في تشكيل عالم متعدد الأقطاب.

إعلان

التعايش السلمي

وقالت الباحثة والمحللة الروسية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط إلينا سوبونينا إنه رغم الخلافات القائمة بين روسيا والولايات المتحدة، فقد تمكَّنا من تأسيس نظام دولي يضمن -على الأقل نسبيا- التعايش السلمي بين الدول التي تمتلك ترسانات نووية ضخمة.

وقد انضمت أوروبا أيضا إلى هذا الإطار عبر مفاوضات هلسنكي، التي جمعت روسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي، لتأكيد أن بناء نظام عالمي جديد ممكن حتى وسط خلافات عميقة ومتعددة الأبعاد.

وأوضحت أنه رغم الاضطرابات الحالية والتوجهات العالمية غير المستقرة في بعض الأحيان، فإن هناك قناعة روسية راسخة بأن العقلانية يجب أن تسود، وأنه يمكن تأسيس نظام عالمي متوازن يحد من الأخطار الكبرى ويحقق استقرارا نسبيا على المستوى الدولي.

أما عن دور روسيا في هذا النظام الجديد، فقالت إن فكرة تعدد الأقطاب هي في جوهرها فكرة روسية أصيلة، وقد طرحها رئيس الوزراء الروسي السابق ييفجيني بريماكوف خطة إستراتيجية لضمان دور فعّال لروسيا في عالم متعدد القوى. ووفق هذا التصور، فإن روسيا ليست مجرد قوة محلية بل أحد الأقطاب الرئيسة في النظام الدولي القادم.

الخليل: جملة من المؤشرات تدفع باتجاه تشكُّل نظام دولي متعدد الأقطاب (الجزيرة)
نظام دولي متعدد

وقال مدير مركز الجزيرة للدراسات محمد مختار الخليل، في تصريح للجزيرة نت، إن النقاش في السياق الدولي يتركز على التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، ثم خضع لتعديلات جوهرية عقب نهاية الحرب الباردة عام 1989.

وأضاف أن هذا النظام "يبدو اليوم إما في طور الأفول أو على أعتاب تحوُّل عميق"، مع تساؤلات مطروحة بشأن إن كان هذا التحول جذريا أم جزئيا يحافظ على بعض ملامح النظام القائم.

وأوضح الخليل أن جملة من المؤشرات تدفع باتجاه تشكُّل نظام دولي متعدد الأقطاب، لافتا إلى تنامي الدعوات حتى داخل المعسكر الغربي إلى بناء تحالفات بين القوى المتوسطة من أجل حماية مصالحها، وهو ما عكسه خطاب رئيس وزراء كندا في منتدى دافوس، إلى جانب حديث متكرر من قوى دولية وإقليمية مثل الصين وروسيا وتركيا وإيران عن نهاية مرحلة الأحادية القطبية.

وأشار إلى أن اتساع الخلافات الأمريكية الأوروبية، وتعمُّق الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي، يعززان القناعة بأن القطب الواحد لم يعد قادرا على الاستمرار في قيادة النظام العالمي، وهو ما يفتح المجال أمام بدائل متعددة سواء عبر تحالفات بين قوى كبرى أو تكتلات لقوى متوسطة وشبه كبرى.

وشدَّد الخليل على أن الحراك الجاري على مستوى التحالفات الإقليمية، بما في ذلك التقارب التركي المصري والتنسيق السعودي التركي وطبيعة العلاقات المتشابكة بين إيران وروسيا والصين، يعكس حالة "مخاض كبرى" يمر بها كل من النظامين الإقليمي والدولي، معربا عن أمله أن تفضي هذه التحولات إلى نظام دولي أكثر توازنا وأقل اضطرابا.



إقرأ المزيد